هكذا عرف العراقيون الخدمات البريدية في العهد العثماني

هكذا عرف العراقيون الخدمات البريدية في العهد العثماني

د. لمى عبد العزيز مصطفى
لم تظهر في العراق آية مؤسسة بريدية عثمانية منتظمة حتى العقد السادس من القرن التاسع عشر، وقبل هذا التاريخ كان نقل البريد يتم بطرائق عديدة منها بوساطة المسافرين الذين كانوا ينزلون إلى خانات المدن فيلتقي بهم الناس الذين يريدون ارسال رسائلهم ومكتباتهم. وبريد السعاة المعروفين (بالتتارية) الذي يقوم بنقل البريد  إرسال بين بغداد واستانبول،

 وكان يستغرق مدة تتراوح بين 12-13 يوماً مؤمناً خدمة بريدية لـ 42 مدينة بين بغداد واستانبول، وكان هناك خطً بريدي أخر اطلق عليه بريد الخيل يبدأ من بغداد إلى الموصل – ماردين – ديار بكر – سيواس – كينارجي – ازمير ثم استانبول، وبريد الهجن (الجمال) إلى حلب الذي يمر بمدن الدليم (الرمادي)، وعنه، ودير الزور قاطعاً الرحلة بـ (15) يوماً.
وتكفلت شركة الهند الشرقية – الانكليزية بنقل البريد الخاص بها باستخدام طريق بصرة – حلب الصحراوي. اذ عد هذا الطريق من اقدم الطريق واكثرها نشاطاً، وكانت الرسائل تحمل من بومباي إلى البصرة بسفن شركة الهند الشرقية الانكليزية واحياناً بسفن عربية وهندية وفي البصرة تسلم الرسائل إلى السعاة (التتار) وهم عادة الفرسان الذين يحملونها من مركز محطة الزبير عبر الصحراء إلى حلب ثم استانبول ومن هناك إلى فينا ولندن، وقد اطلق على هذا البريد (بريد الصحراء Desert Mail)  حيث كانت عملية نقل الرسائل عبر هذا الطريق من بين المهام الرئيسية للمقيم البريطاني في البصرة الذي حرص على اقامة علاقات ودية مع رؤساء العشائر للحيلولة دون تعرض البريد عبر هذا الطريق لهجمات هذه العشائر.
فيما تولت بواخر شركة لنج بموجب الاتفاقية التي تم التوقيع عليها مع الحكومة العثمانية سنة 1279هـ/1862م نقل البريد الذي يأتي من الهند إلى البصرة وبغداد ومن هاتين المدينتين إلى اوربا.
عزت العديد من المصادر سبب عدم اهتمام السلطة العثمانية بانشاء مكاتب رسمية عثمانية إلى افادتها من خدمات البريد التي انشأتها المقيمة البريطانية في العراق. فيما اشار احد المصادر إلى قيام والي بغداد نامق باشا سنة1281 هـ/ 1864 م بإنشاء خدمات بريدية من خلال سعاة  من العرب ينقلون البريد مرتين في الاسبوع بين البصرة والديوانية، ومن المحتمل ان يكون هذا البريد قد انشئ للاغراض الرسمية فقط، ليكون وسيلة مؤقتة لنقل الاخبار بسرعة في اثناء العمليات الحربية التي حدثت في تلك السنة، اذ كانت الديوانية مكاناً للطوابير والجيوش التي ارسلت إلى البصرة.  وفي سنة 1285 هـ/1868 أفتتحت بريطانيا مكتبين بريدين الاول في البصرة والثاني في بغداد اما الذي سهل افتتاح هذه المكاتب فيعود الى عدم وجد مكاتب عامة للبريد العثماني، وعدم وجود معارضة سياسية من جانب العثمانيين. وكثيراً ما كانت المراسلات العامة لبعض دوائر الحكومة التركية وموظفيها تحمل مجاناً بوساطة البريد البريطاني بن بغداد والبصرة وحتى بومباي بشرط ان يختم الغلاف الرسمي بختم الدائرة المرسلة والا يحتوي على خطابات خاصة، في حين كانت طوابع البريد تباع على ظهر سفن شركة لنج، فيما جرى انشاء عدد من الوكالات والخطوط البريدية التابعة لمكتب البريد الهندي البريطاني في العراق. وكانت اجور المراسلات البريدية في هذه المكاتب مرتفعة اذ وصلت إلى (50) روبية للرزمة البريدية التي تنقل من بومباي إلى البصرة ثم ازدادت إلى (75) روبية وباقتراح من القنصل

البريطاني في بغداد
اما الحكومة العثمانية فلم تهتم بأمر البريد كخدمة من الخدمات الضرورية إلا في سنة 1286هـ/1869م حينما اصدرت نظام ادارة البريد "بوسته اداره سي نظامنامة س" واردفته بنظام اخر اكثر تفصيلاً هو نظام البريد (بوسته نظامنا مه سي)، الذي تزامن اصداره مع تولي مدحت باشا ولاية بغداد، وفي عهده انتظمت الخدمات البريدية في الولايات العراقية، اذ تولت السفن العثمانية أو سفن شركة لنج نقل البريد من البصرة إلى بغداد والمدن الواقعة على شاطئ دجلة، اما البريد البحري فتولت نقله سفن البريد الانكليزية، كما نقل البريد براً بواسطة الجمال إلى نجد، واستخدم المشحوف في نقل البريد الداخلي خاصة في منطقة المنتفك.
وسرعان ما انتشرت المكاتب البريدية في معظم المدن العثمانية ومنها مدن العراق حيث كانت هذه المكاتب ومنذ سنة 1287هـ/1870م  مرتبطة بالادارة العامة للبرق والبريد التابعة لوزارة الداخلية(. ومن ثم ارتبطت كل دوائر البريد والبرق المنتشرة في الولايات العراقية الأخرى بالإدارة المركزية لبريد والبرق في بغداد. فكانت هناك ادارة موحدة للخدمات البرقية والبريدية، اطلق عليها في سبعينات القرن التاسع عشر (مفتشية البرق والبريد)، واضطلع بمهمة ادارتها 1292هـ/1875م (مفتش) تبعتها دائرة مركز الولاية التي كان يقوم بادارة شؤونها (مدير)،أسندت اليه في الوقت نفسه وظيفة (معاون المفتش)، وضمت الادارة عشرين مفتشاً، وللمفتشية دوائر صغيرة للبرق في مدن: بعقوبة وخانقين والحلة وشهربان والديوانية، وهي من المدن التي كان قد وصلها الخط البرقي انذاك.  ثم ما لبث ان تغير اسم هذه الدائرة في اواخر سبعينات القرن التاسع عشر حيث صارت تعرف (بوسته وتلغرا ف  إدارة سي) رئاسة مديرية البرق والبريد يديرها رئيس مديرين (باش مدير)، يعمل تحت امرته مفتشان تنفيذيان أحدهما للبريد والأخر للبرق، وعدد اخر من الموظفين  ومع التوسع في نشر دوائر البرق والبريد في ولاية بغداد، اصبحت هذه الادارة تتألف في السنوات الاولى من القرن العشرين من:
- دائرة مدير البرق والبريد، التي يشرف عليها باش مدير (رئيس المديرين)، وتتولى الاشراف على دوائر البرق والبريد في ولايات العراق الثلاث بغداد، البصرة، الموصل.
- دائرة التفتيش وفيها مفتشان واحد للموصل والاخر للبصرة.
- قلم باش مدير (رئيس المديرين)، ويديره رئيس كتاب (باش كاتب)، وفيه كاتبان للتحريرات والمحاسبة وعدد من الموظفين.
- مديرية برق مركز الولاية، ويقوم بادارتها (مدير)، ويعمل فيها عدد من الموظفين.   
- مديرية للبريد والبرق في مركزي سنجق كربلاء والديوانية، وجميع اقضية الولاية تقريباً. وفي عدد من النواحي.
وأمام افتقار الدولة العثمانية إلى الملاكات المؤهلة، استعانت الدولة في بداية الامر بالموظفين الاجانب، ثم اقدمت الدولة العثمانية على افتتاح مدارس خاصة لتدريب الافراد العثمانيين. ومنها مكتب ملازمية موظفي البرق والبريد 1293هـ/1876م وتم الاستغناء عن الموظفين الاجانب العاملين في الدوائر الحكومية.
اما بالنسبة لاجور نقل البريد فقد حددت بقرش واحد عن كل رسالة لا يتجاوز وزنها 15غم، فيما  اضيف لها قرش واحد عن كل (15) غرام زائد.
شهد العراق في السنوات الاخيرة من القرن التاسع عشر توسعاً في الخدمات البريدية حتى شملت في مطلع القرن المنصرم، معظم المدن والاقضية من خلال تأسيس دوائر وشعب بريدية عديدة، تخصص قسم منها بنقل الامانات، وقسم اخر بنقل الرسائل، ومنها الخط البريدي الذي يمتد من البصرة إلى القرنة ثم الكوت والعمارة وبغداد، اما الخط الثاني فيمتد بين البصرة والمنتفك ومنها إلى نجد واستخدام لنقل الرسائل فقط.
وفي اطار جهود الحكومة العثمانية لتطوير خدماتها البريدية، قررت شركة عمان العثماني سنة1303 هـ/ 1885م، التي كانت تعمل في النقل النهري في دجلة بين بغداد والبصرة، استخدام اثنين من بواخرها وهما (الموصل) و (مسكنة) لنقل البريد حيث جرى تحديد ايام الاربعاء من كل اسبوع موعد لمغادرة باخرة البريد لبغداد، ويوم الاثنين موعداً لعودتها من البصرة، إلا ان هذه الخدمات لم يكتب لها النجاح ولاسيما بعد تعطل الباخرة الاولى في اول رحلة لها إلى البصرة.
وفي سنة 1333هـ/1914م طرح مشروع فرنسي لنقل البريد بالسيارات بين بغداد وحلب وتطلب تنفيذ هذا المشروع اجراء تحسينات كبيرة على هذا الطريق، إضافة الى  يقتضي صرف موارد مالية وخبرات فنية لم يكن بامكان الدولة العثمانية توفيرها انذاك، فكان ذلك احد الاسباب الرئيسية لعدم تنفيذ المشروع المذكور.
قدم عبد الكريم العلاف وصفاً لاوضاع البريد في بغداد اواخر العهد العثماني قائلاً "كان صاحب البريد يدخل من باب المعظم ممتطياً جواده وبيده سوط يلوح به في الهواء، وامامه عدد من الخيل تحمل البريد راكضة وهو ينادي بصوت عالي (بوسته كالدي) أي جاء البريد، فيسرع الناس بالذهاب إلى دائرة البريد الواقعة في محلة  الميدان فيجتمعون في ساحتها، وهناك يقف الموظف المختص فيقرأ على الناس الاسماء المكتوبة على الرسائل ويسلمها إلى من كان حاضراً منهم، اما الذين لم يستطيعوا الحضور، فيذهب اليهم الموزع ويأخذ منهم عشر بارات عن كل رسالة بمثابة بخشيش".
اما بالنسبة للخدمات الهاتفية فقد دخلت العراق في اواخر العهد العثماني فعلى سبيل المثال، ارتبطت بغداد في اوائل سنة1331هـ/ 1912م عن طريق (الهاتف) بقصبة الكاظمية.
 ثم مدت خطوط الهاتف لخمسة مواقع اخرى لامور تخص الامن والاستقرار داخل المدينة.

 موقف الدولة العثمانية من مكاتب البريد البريطانية
بقيت مكاتب البريد تمارس اعمالها في العراق من غير اعتراض رسمي عليها حتى سنة 1296هـ/1878م عندما اعلنت الدولة العثمانية عن عزمها الغاء جميع مكاتب البريد الاجنبية، وفي هذا الصدد يقول لونكريك "منذ هذا الحين فصاعداً كان موقف الدولة العثمانية ازاء دوائر البريد البريطانية معروفاً بالوقائع الدبلوماسية في استانبول، وبحملة محلية لايقاف اعمالها في العراق، وقد فتحت دوائر البريد العثمانية فظهرت للوجود مصلحة غير كاملة  فكانت بالرغم من عدم الاعتماد عليها ومن سوء الاستعمال فيها غير كافية بوجه عام لحاجات العراق اليسيرة وكانت زوارق البريد وصناديقه في الشوارع، وموزعو الدوائر البريدية الهندية، عرضة للعراقيل بين حين وأخر".
واتخذ هذا الاعتراض صوراً واشكالاً شتى، فعلى سبيل المثال طالبت الحكومة العثمانية على لسان وزير خارجيتها الغاء مكاتب البريد البريطانية في كل من بغداد والبصرة ذلك ان تأسيس مثل هذه المراكز يشكل اهانة للسيادة العثمانية، لذلك لابد من الغائها  ولاسيما ان بريطانيا لم تحصل من الباب العالي على امر يخولها القيام بنقل البريد في الأراضي العثمانية.
وفي سنة 1299هـ/1881م  قامت السلطات العثمانية في اطار اجراءاتها ضد مكاتب البريد البريطانية بإنشاء بريد بوساطة الجمال بين بغداد ودمشق، وكان الخط يسير جنباً إلى جنب مع بريد الهجن البريطاني "Camel Post" تم تخصيصه لنقل البريد البريطاني، بين بغداد ودمشق، ويرقى تاريخ انشائه، إلى اربعينات القرن التاسع عشر) وينقل الخطابات وباسعار تقل عن اسعار اتحاد البريد العالمي.
كما طالب والي بغداد تقي الدين باشا  (1881- 1887 م) بالغاء مكتب بريد بغداد وصندوق الرسائل الخاصة بمكتب البريد الهندي في البصرة، وامر بتوزيع اعلان حظر في استعمال آية خدمة اجنبية، مع تأكيد استعمال طوابع البريد العثمانية. وفي الوقت نفسه أوعزت الحكومة العثمانية لموظفيها بعرقلة اعمال مكاتب البريد البريطانية ومضايفتها فكانت صناديق تلك الرسائل عرضة للبحث.
وفي السنوات  (1885-1887) قامت الدولة العثمانية بمحاولات جديدة لإلغاء مكاتب البريد البريطانية في العراق إلا ان هذه المحاولات لم تسفر عن ايقاف نشاطات البريد البريطاني التي استمرت في عملها حتى اعلان الحرب العالمية الاولى. حيث استطاع البريد البريطاني ان يكسب ثقة التجار الذين ظلوا يفضلون التعامل مع البريد البريطاني لانتظام مواعيده ومثال على انتظام البريد البريطاني بين بغداد وبومباي كانت احدى بواخر شركة لنج تغادر وهي تحمل البريد في الساعة السادسة والنصف صباحاً من كل اسبوع وتصل البصرة في الساعة السادسة من صباح اليوم الخامس من رحلتها لتجد امامها باخرة شركة الهند الشرقية البريطانية وهي على استعداد لمغادرة الميناء في اليوم الثاني إلى بومباي وفي حالة تأخرها عن موعدها في نقل البريد كان عليها ان تتحمل دفع غرامة تأخيرية، ونظراً للاقبال المتزايد من لدن التجار على مكاتب البريد البريطانية فان حكومة الهند استمرت في تجديد عقدها المبرم مع شركة لنج بشأن الخدمات البريدية حتى الحرب العالمية الاولى.

عن رسالة (الخدمات العامة في العراق 1869-1918)