هكذا تأسست العلاقات العراقية السوفيتية وهكذا انتهت

هكذا تأسست العلاقات العراقية السوفيتية وهكذا انتهت

محمد عباس الساعدي
حاولت الحكومة العراقية في عام 1942,اقامة علاقات مع الاتحاد السوفيتي لكن البريطانيين لم يوافقوا على ذلك فقامت الحكومة العراقية بتأجيل الموضوع.واتخذته سبباً للاصطدام والتهديد نظراً لارتباط الحكومة العراقية بشكل كبير بالقرار البريطاني, ولما تحالفت بريطانيا مع الاتحاد السوفيتي بسبب تغيرات ظروف الحرب العالمية الثانية اشارت بريطانيا للحكومة العراقية

 باقامة علاقات دبلوماسية مع السوفيت.يذكر عبد الرزاق الحسني , ان وزير العراق المفوض في انقرة كامل الكيلاني , اجتمع بوزير الاتحاد السوفيتي واعرب له عن رغبة العراق بتبادل التمثيل الدبلوماسي بين الجانبين, ولما علمت بريطانيا بذلك قامت قيامة البريطانيين
      وفي الواقع, ان الظروف الدولية بعد الحرب العالمية الثانية ساهمت في خدمة الحكومة العراقية الأمر الذي اكدته التقارير السنوية للسفارة البريطانية عن العراق لعام 1945, نقتبس منها هذا النص: " ان احداث العالم خلال الحرب قدمت للعراق خدمة للخروج من هيمنة بريطانيا وحدها عليهِ ".
مهما يكن من امر, اظهرت حكومة حمدي الباجه جي عام 1944-1946 رغبتها بتأسيس علاقات دبلوماسية مع الاتحاد السوفيتي نظراً لتزايد مكانة السوفيت في الشؤون الدولية وقد اعلنت الحكومة العراقية في سياستها الخارجية عن رغبتها بتوثيق الصلات والعلاقات الاخوية بين الاقطار العربية والدول المجاورة. فضلاً عن, سرورها بتأسيس العلاقات الدبلوماسية بين العراق والاتحاد السوفيتي.
      أدى عباس مهدي دور في تـأسيس هذه العلاقات حينما كان وزيراً مفوضاً في طهران إذ اجرى عدة اتصالات سرية مع السفير السوفيتي تمخضت عنها هذه العلاقات, وأبلغ عباس مهدي وزير الخارجية العراقي ارشد العمري الذي بدوره أبرق إلى رئاسة الوزراء في 21 آب 1944, للموافقة على تأسيس هذه العلاقات بين البلدين, وفي الجلسة الثامنة والاربعين المنعقدة بتاريخ 23 آب 1944, وافق مجلس الوزراء على ذلك.
      وبناءً على ذلك, بعث وزير الخارجية برقية في 25 آب1944,إلى مولوتوف  (Molotov) وزير الشؤون الخارجية للاتحاد السوفيتي مبيناً فيها, رغبة بلادهِ بتأسيس العلاقات الدبلوماسية بينهما وترشيح ممثليهما في أقرب وقت. وأعرب نظيره السوفيتي عن رغبة بلاده بذلك أيضاً وعلى هذا الأساس اعلنت رئاسة مجلس الوزراء في 26 آب 1944, عـــن بــدء العــــلاقــــات الـــــدبــلــــومــاسية بين العراق والاتحاد السوفيتي وبشكل رسمي.ومن الجدير بالذكر, ان السفير السوفيتي في طهران اشار إلى, جهود عباس مهدي في هذا الأمر حينما ذكر في احدى الوثائق المرسلة ما نصه:" كان لمساعيكم في انجاز هذه الصلات المفيدة للقطرين اثرها المحمود". قوبل هذا الامر بترحيب بالغ من قبل العناصر التقدمية والشيوعية في العراق واعتبرت ان هذا عمل وطني يعزز من مكانة العراق واستقلاله.
      على اية حال, سبق الاتحاد السوفيتي العراق بارسالهِ الوزير المفوض المسيو زايتزايف غريغوري ميتوفيتش (M. Zeyziv Gregory Mytovuch), في 8 شباط 1945, في حين ان الحكومة العراقية تأخرت قرابة سبعة أشهـر حتى أرسلت وزيرها المفوض في الاتحاد السوفيتي وتُعزي بعض المصادر سبب ذلك التأخير هو لرغبة الحكومة العراقية بانتهاء الحرب ومعرفة ما ستسفر عنها من   نتائج, الا ان عباس مهدي وضح عكس ذلك تماماً حينما وضح ان الحكومة العراقية لم تجد شخصاً يرغب بالذهاب الى موسكو بعد ان رفض الكثيرون ذلك. واشارت صحيفة " العالم العربي " ان سبب التاخير في ارسال العراق بعثتهِ لموسكو هو كون الحكومة لم تجد الشخص المناسب لهذا المنصب نظراً لحساسيته وخطورته إذ ينبغي لمن يشغله ان يكون شخصاً قديراً تتناسب مقدرته مع خطورة منصبه وليس أقل من ذلك.
      مهما يكن من أمر, أعربت وزارة الخارجية العراقية في آذار 1945, انها بصدد اجراء تعديلات هامة بين الممثلين الدبلوماسيين(وعلى اثر هذه التبدلات اختير عباس مهدي ليكون أول وزير مفوض في الاتحاد السوفيتي حسب ما اشارت اليه الوثيقة السرية المؤرخة في 16 تشرين الاول 1945.
      وهكذا , صدرت الارادة الملكية في 18 تشرين الاول 1945  بتعيين عباس مهدي وزيراً مفوضاً للعراق في الاتحاد السوفيتي في الدرجة الاولى من الصنف الاول الممتاز من اصناف السلك الخارجي, ويعلل عباس مهدي ان موافقتهِ لتمثيـل بلاده في موسكو بعد رفض الكثيرين كانت رغبةً منهُ في اسداء خدمة للبلاد كانت بأمس الحاجة اليها وبذلك فند عباس مهدي ما اشيع عنهُ بان ذهابهِ كان اضطرارياً بعد تلقيه اوامر شديدة من الحكومة العراقية. وهو أمر لا يمكن قبوله منطقياً في السلك الدبلوماسي.
      نستطيع القول مما تقدم, ان عباس مهدي اختير لهذا المنصب كونه ادى دوراً مهماً في تأسيس هذه العلاقات بين البلدين ولا سيما حينما كان وزيراً في مفوضية طهران واتصاله بالمفوض السوفيتي هناك كما ذكرنا سابقاً, بتعبير أدق ان اختياره جاء مرتكزاً على حقائق موضوعية اثبتها بجدارة عباس مهدي خلال عمله الدبلوماسي مما دعا الحكومة الى ان تختاره لهذا المنصب. على اية حال, غادر عباس مهدي إلى موسكو في 8 تشرين ووصل اليها في 4 كانـون الاول 1945, فاسـتـقـــبـل فيها بحفاوة كبيرة من قبل الحكومة السوفيتية.
       التقى عباس مهدي بوزير الخارجية المسيو مولوتوف وعبر الطرفان عن سرورهما ببدء العلاقات بين البلدين كما التقى بعدها برئيس اتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية جوزيف ستالين وذلك في 13 كانون الاول 1945, وكان المفروض ان تجرى مراسيم لهذا الغرض الا ان طبيعة السوفيت لا يقيمون مراسيم واستعراضاً في مثل هذه الامور بل تجرى المراسيم بشكل بسيط, ولذلك لم يلقِ عباس مهدي خطبته المقررة أمام الرئيس فارتجل كلاماً من صميم قلبه جاء فيه: " لي عظيم الشرف, ان اقدم لفخامتكم كتاب الاعتماد الذي عينني بموجبه حضرة صاحب السمو الملكي الوصي وولي العهد المعظم نيابة عن مولاي المعظم حضرة صاحب الجلالة الملك فيصل الثاني, كمندوب فوق العادة ووزير مفوض للعراق لدى اتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية. لاعمل على توطيد الصداقة بين الدولتين" فحظي عباس مهدي بترحيب الرئيس السوفيتي الذي اعلن عن سروره بتعينه في الاتحاد السوفيتي.
      وكان من طبيعة رؤوساء الحكومات حينما يستقبلون السفراء تتم مبادلة الاحاديث بينهم ومن جملة ما طُرح في سياق الحديث هو سؤال الرئيس السوفيتي    لـ (عباس مهدي) متسائلاً عن شعور عباس مهدي تجاه السوفيت خلال الحرب العالمية الثانية, ولا بأس من قراءة نص جوابه: " انني معجب كل الاعجاب بما اظهرته الامة السوفيتية النبيلة من وطنية رائعة, وبطولة الدفاع عن كيانها, ونصر الحرية في سحق قوى العدوان واضطهاد البشرية الامر الذي اكبرته الامم جميعاً ايما اكبار, وقدروا التضحيات التي قدمتها الامة السوفيتية بهذا السبيل اعظم التقدير" وطلب الرئيس السوفيتي من عباس مهدي, قام عمال شركة النفط في كركوك في 5 تموز 1946 , بالاضراب بسبب اجورهم ومعاناتهم مطالبين الشركة بمساواتهم مع عمال سوريا وفلسطين واعطوا الشركة مهلة لتنفيذ مطالبهم لكنها لم تستجب لذلك اعلنوا الاضراب مجتمعين في منطقة تسمى كاوور باغي فقامت الشرطة بتطويقهم ودخلت الشرطة الخيالة لتفريقهم ولكن سرعان ما بدأوا باطلاق النار فسقط عدد من القتلى والجرحى وتم اعتقال عدد اخر فتمت محاكمتهم بتهمة الشيوعية. ان يوضح له طبيعة سكان العراق ووضعه الاقتصادي, فبين الاخير, ان عدد سكان العراق ستة ملايين نسمة, وان خصوبة تربة العراق هي طبيعية والمياه فيه متوفرة بوجود انهرها ولا سيما دجـــلــــة والفرات.
لاحظ عباس مهدي ان الحكومة السوفيتية ترى ان العراق اصبح بعيداً عن سياستها وبدأت تطلق التصريحات ضد الحكومة العراقية على انها, حكومة رجعية ولا تعترف بالمنظمات الديمقراطية من خلال اغلاق الصحف واعتقال العمال ومنع التظاهرات, ويضيف عباس مهدي ان الحكومة السوفيتية ترى, ان كل ما يقوم به المعارضين من احزاب وصحف يتم اتهامهم بالشيوعية كما فعلت الشرطة عام 1946 حينما اطلقت النار على عمال النفط في كركوك(كاوور باغي) لمطالبتهم بزيــادة اجورهم وتم اتهامهم بالشيوعية.
      أدت هذه الاجراءات وتحديداً مسألة العمال إلى, انتقاد السوفيت للسياسة العراقية وذلك حينما اعرب وزير الخارجية السوفيتي إلى عباس مهدي متسائلاً, هل ترغب الحكومة العراقية بتحسين العلاقات بين بلدينا فاجابه عباس مهدي ما نصه: " ان وجودي في بلادكم دليل كاف على رغبة الحكومة العراقية بتحسين العلاقات معكم ومع سائر الدول ", ثم تسأل وزير الخارجية عن قيام الحكومة العراقية باصدار احكاماً على مجموعة من العراقيين مدعيةً ان لهم صلة بسفيرنا في طهران وهذا امر يثير الاستغراب الشديد, فوضح عباس مهدي هذا الأمر مبيناً, ان المتهمين حكم عليهم بجريمة محاولتهم قلب نظام الحكم في العراق وان القوانين العراقية تعاقب على ذلك بصرف النظر عن مذاهبهم السياسية التي يتبعونها واضاف عباس مهدي ان هذه الاحكام ليست قطعية وقابلة للتمييز, واضاف ان ما ذكرته الصحف والاذاعات حول هذه الاحكام بسبب اعتناقهم المذهب الشيوعي ليس صحيحاً بل يتعلق الامر بقلب نظام الحكم في العراق وترويج الفوضى والعصيان والتمرد. فاستنتج عباس مهدي مما تقدم ان الحكومة والرأي العام السوفيتي استندا إلى هذه الاحكام من خلال ما نشرته الصحف والاذاعات البريطانية وهو امر تحاول من خلاله الاخيرة تشويه سياسة الاتحاد السوفيتي امام العرب. ولذلك طلب عباس مهدي من الحكومة العراقية توضيح ذلك للعالم في حين اكدت الحكومة العراقية ذلك حينما وجهت الاتهامات إلى حزب الاستقلال اثناء انتقادهِ لقتل عـمال الـنفـط, بانه يتحيز إلى جانب الشيوعية والشيوعين.
      يلاحظ مما تقدم ان عباس مهدي كان غير واقعياً في توضيحاته امام وزير الخارجية السوفيتي, إذ ان الحكومة العراقية كما تؤكد ذلك المصادر قامت باعتقال هؤلاء المتظاهرين واتهمتهم بالشيوعية في حين انهم لا يمتون للشيوعية بصلة, بتعبير اخر, ان الشيوعية كانت تهمه ضد كل من يعارض سياسة الحكومة آنذاك.
      حرص عباس مهدي, على توسيع علاقات العراق ببلدان الدول الاسكندنافية وهي السويد والنرويج والدنمارك, ووضح في 17 كانون الاول 1946, ان هذه الدول لها اهمية كبيرة وهي تعد من ارقى دول اوربا بالرغم من صغر حجمها الا انها كبيرة في علاقاتها ولا يخشى من سياستها, وبناءً على ذلك طلب عباس مهدي من الحكومة العراقية ضرورة الاستفادة من الاخصائيين الموجودين في هذه البلدان في المشاريع العمرانية الجديدة التي تحتاج الى خبرات اجنبية, مضيفاً ان هذه الدول اصبحت من الامم التي يود الاتصال بها كثير من دول العالم حتى الكبرى منها ولذلك اقترح تعيين وزير مفوض واحد لها يجعل مركزه الدائمي في السويد ويشرف على المؤسستين الاخريتين في النرويج والدنمارك وهو أمر اعرب عنه عباس مهدي بانه متبع في كثير من الدول, كما انه غير مُكلف مقابل الحصول على منافع اقتصادية وسياسية.
      وطبقاً لما ورد من خطب السياسيين وما نشرته الصحف السوفيتية الرسمية في كانون الثاني 1947, بين عباس مهدي ان الحكومة السوفيتية ترى في نوري السعيد انه شخصية بريطانية بامتياز وهو يريد جعل البرلمان العراقي على غرار البرلمان البريطاني مستندين في ذلك إلى استقالة الوزراء الذين ينتمون إلى أحزاب معارضة عام 1946, كما اعرب السوفيت ان السعيد يريد زج العراق إلى كتلة دولية لا مصلحة للعراق بها, بعد ان صرح السعيد ان الحياد مضر ولا قيمة له الان بل انه نصح الدول العربية إلى ضرورة التحالف مع احدى الكتل الدولية التي يرون معها مصالحهم. في حين اعرب عباس مهدي ان العالم العربي لا يؤيد نوري السعيد في سياسته هذه.
وفي الحقيقة, ان هناك دول عربية كانت ترغب بالتحالف مع احدى هذه الدول التي برزت بقوة بعد الحرب العالمية الثانية, وهو لا يشمل جميع الدول العربية كما ذكر عباس مهدي.          
      أولى عباس مهدي مصلحة بلاده اهتماماً كبيراً, بل حتى اثــر على نفـسه وصحته وعائلته التي ابتعد عنها طيلة فترة عمله في موسكو 1945-1947 , وهو ليس بالأمر الهين, ولا سيما إذا ما عرفنا ان عباس مهدي كان قد اخذ وعداً من وزير الخارجية في حينها على ان يضع حجر الأساس للعلاقات بين البلدين وسوف يعود الى بغداد بعد عدة اشهر, الا ان هذا الوعد لم ينفذ حتى بعد مرور عام على ذلك, مما دعا عباس مهدي الى مخاطبة وزارة الخارجية كثيراً في سبيل عودته إلى بغداد وجلب عائلته على الاقل فلم تستجب وزارة الخارجية لذلك, فكتب عباس مهدي عام 1947, إلى وزارة الخارجية العراقية بهذا الخصوص: " اذا لم يتخلل هذا المكث الطويل راحة وتبديل الهواء في مناخ ثاني, اني مع شدة رغبتي في الاستمرار على التضحية لخدمة بلادي, اراني مضطراً الى المجيء الى بغداد قبل اشتداد البرد الذي بدأ من الان. مع العلم اني لست معتقلاً حتى تستعد الوزارة لتسفير عائلتي كما اني لست ممن تعودت عائلاتهم الاسفار وحدها ", وبالرغم من ذلك فان عباس مهدي وضع مصلحة البلاد فوق كل شي, فاستمر بممارسة عمله الدبلوماسي بكل اتقان واخلاص وهذا ما تم ملاحظته على الرغم من المعاناة التي عانى منها عباس مهدي. فضلاً عن, تشدد الرقابة السوفيتية على الممثلين الدبلوماسيين.
      مهما يكن من أمر, لم تستمر العلاقات بين البلدين طويلاً إذ سرعان ما بدأت العلاقات بالتوتر منذ البداية, وذلك حينما طلب الاتحاد السوفيتي, مجموعة من الخرائط عن العراق, فرفضت الحكومة العراقية ذلك كما رفضت إقامة معرض للصور عن الحياة في الاتحاد السوفيتي في القنصلية السوفيتية في بغداد, متذرعةً ان ذلك يكون ذلك دعاية للاشتراكية او الشيوعية, ولهذا خضعت تحركات الدبلوماسيين السوفيت منذ البداية لمراقبة دقيقة من قبل اجهزة الامن في داخل بغداد وخارجها.
      ومما زاد الموقف تردياً في علاقة البلدين هو موقف السوفيت من القضية الفلسطينية ومساندتها لقرار التقسيم عام 1948, ووصفها الحرب العربية ضد (اسرائيل) في نفس العام بالعمل العدواني, مما اثر بشكل سلبي على العلاقات بين البلدين فاستغلت الحكومة العراقية هذا الموقف لقطع علاقاتها مع الاتحاد السوفيتي.   

عن رسالة (عباس مهدي ودوره السياسي)