منـــارة جامع سوق الغزل

منـــارة جامع سوق الغزل

يعقوب سركيس
باحث راحل
لم يكتب احد عن منارة جامع سوق الغزل قبل نحو ثلاثة قرون سوى الافرنج اما البغداديون أو غيرهم من العراقيين أو سواهم فلم يرصدوا لها نبذة ولا مقالا بل لم يذكروها ذكرا.ولما احتل البريطانيون بغداد ذهب مهندسوهم الى رؤية المئذنة وفحصوا ما حواليها فخافوا سقوطها وإتلافها البيوت التي في جوارها إذا هوت فتدفن حينئذ أصحابها تحت الردم.

 فعزموا على هدمها حقنا لدماء الخلق فأوعزت السلطة المحتلة الى احد الادباء المشاهير ان يكتب مقالا ينشر في جريدة العرب في(سنة1917) ليهيئ الافكار لقبول هذا الخاطر الذي اقلق أرباب السلطة المحتلة. فذهب صاحب الجريدة المذكورة يومئذ الى السير برسي كوكس وأفهمه ان لاخطر عليها لأنها أصبحت كالصخرة الواحدة وقد مضت عليها السنون وهي في تلك الحالة التي يظن انها خطرة وليست بها. فلم يقنع الحاكم المذكور بما قيل له لأنه آلى على نفسه ان ينسفها بالبارود كما نسفت مدخنة "العباخانة" تلك المدخنة التاريخية التي بنيت في نحو سنة 1869 وكانت آية في البناء والمتانة والجمال.
فلما رأى مدير الصحيفة المذكورة ان صاحب الزمام لايرجع عن عزمه اسرع فأخبر بالامر المرحوم السيد محمود شكري الآلوسي ليذهب ويقنع برسي كوكس بأن يعدل عن تحقيق ما دار في خلده. فذهب الآلوسي مع مدير جريدة العرب -وهو صاحب هذا المقال- وحملا الحاكم على أن يترك هذه المسألة الآن إلى وقت آخر الم يرد أن يعدل عن رأيه. فقنع وبعد سنتين كلف مهندس البلدية وهو المسيو شافانيس الفرنسي بأن يقوي كرسي المئذنة بما عنده من الوسائل ففعل. وهي اليوم قائمة على ساقها كما كانت سابقا وتضحك من كل من حاول ان ينظر اليها نظرة الى شيخة متغضنة.
أما مسألة بانيها أو معيد بنائها فبقيت غامضة أشد الغموض. وكل من كتب عنها من الإفرنج منذ نيبهر إلى يومنا هذا. وكذلك قل عن كتبتنا في هذا العصر فأنهم جميعهم لم يتفقوا في أقوالهم عن بانيها أو معيد بنائها. أما الآن وقد أخذ صديقنا المحقق البحاثة يعقوب نعوم سركيس ينشد عن صاحبها في كتب التاريخ فلم يبق ريب في معرفة صاحب هذه المئذنة التي هي زينة الحاضرة ومفخرتها على تعاقب الأيام وها نحن أولا نزف هذه العروس عروس الفكر إلى محبي التاريخ والتطلع إلى الحقائق الراهنة.(انتهى كلام الأب صاحب المجلة).
في نحو وسط جانبنا الشرقي من بغداد في محلة سوق الغزل اليوم منارة منفردة لجامع قديم تعرف باسم المحلة كانت في رحبة من الأرض مستطيلة قليلا تكسيرها نحو خمسمائة متر وفي ثلاث من جهاتها أبواب لدور حقيرة. ثم منذ نحو ثلاث سنوات أحيطت الرحبة بجدار ارتفاعه نحو مترين ونصف. وفي هذه العرصة تباع الغنم صباح كل يوم والمنارة في نحو وسط هذه الرحبة وهي شاهقة البناء تشرف على المدينة وأنحائها من علو لا يماثله علو عندنا وهي كذلك الشيخ الفرد النادر الذي شوهت وجهه تجعدات العتي لكنه لا يزال منتصب القامة متجلدا صابرا على حلو الأيام ومرها. وصبر المنارة على عوامل الطبيعة دليل باهر على تقدم فن الريازة في ذلك الزمن وعلى انتقاء الرزاة مواد بناء من أحسن أنواعها وإتقانهم صنع الآجر وغير ذلك.
وبمقربة من المنارة في غربيها الجنوبي على بضع عشرات من الأمتار مسجد جامع بغير منارة معروف على الألسنة بجامع سوق الغزل. وإذا استقصينا الخبر من الماضي عن الجامع التاريخي القديم الذي بنيت له المنارة أجابتنا صحائف الأخبار انه كان يسمى جامع الخلفاء قبل نيف وثلاثة قرون على اقل تقدير كما سيجيء. وبإيغالنا في تاريخه في ما قبل ذلك نجد انه كان يسمى في القرن السابع للهجرة وما قبله"جامع الخليفة" أو "جامع القصر".
جامع سوق الغزل غير جامع الرصافة
نشرت جريدة (العرب) البغدادية- في عددها الصادر في 14 أيلول سنة 1917 والمرقم38- مقالة بغير توقيع عن جامع سوق الغزل انه جامع الرصافة وان المنارة التاريخية منارته وشتان بين قولها وبين الحقيقة. ثم نقلت مجلة مرآة العراق(2) تلك المقالة(1: 1327هـ=1919): ضمن8 الى9 من عددها الثاني.
ومن الغريب أن كاتب المقالة بعد أن استشهد بابن الأثير عن بناء جامع الرصافة في سنة 159هـ (775م) شهادة لا علاقة لها بجامع الخليفة او القصر أورد عن الرصافة وجامعها كلام معجم البلدان وهو ما يؤيد ان محلة الرصافة على مقربة من مرقد الإمام الأعظم أبي حنيفة وهو المرقد الذي لا يجهله احد في بغداد وموقعه في شمالها يبعد عنها نحو ثلاثة كيلومترات في ما نسميه "الأعظمية" أو "المعظم" على اصطلاح آخر. وذهب أيضا مختصر تاريخ بغداد القديم والحديث (ص12ح) إلى أن جامع سوق الغزل هو جامع الرصافة وانه في محلة رأس القرية. والصحيح انه اليوم في محلة سوق الغزل.
إن ما قاله الكاتبان لا يفوت الكثيرين لكني رأيت الأجدر أن أنبه على ذلك ولا سيما أن البحث عن جامع الرصافة وجامع الخليفة أو القصر متداخل بعضه ببعض أحيانا. ولهذا أورد شيئا مما كتب عن ذلك متبعا اتساق الكلام غير ملاحظ لتواريخ تأليف الكتب إذ غرضي البحث عن جامع الخليفة ومنارته وبنائها بعد بياني أن كلا من هذين الجامعين هو غير الآخر. قال ياقوت في معجم البلدان:
"رصافة بغداد بالجانب الشرقي. لما بنى المنصور مدينته بالجانب الغربي واستتم بناءها أمر ابنه المهدي ان يعسكر في الجانب الشرقي وان يبني له فيه دورا وجعلها معسكرا له فالتحق بها الناس وعمروها فصارت مقدار مدينة المنصور وعمل المهدي بها جامعا اكبر من جامع المنصور وأحسن وخربت تلك النواحي كلها ولم يبق إلا الجامع وبجانبه مقابر الخلفاء لبني العباس وعليهم وقوف وفراشون برسم الخدمة ولو لا ذلك لخربت وبلصقها محلة أبي حنيفة الإمام وبها قبره..."أهـ.
فلا ادري كيف تسنى لصاحب مقالة جريدة"العرب والمرآة" ان يوفق بين ما قرأه أن المهدي بنى جامعا بالرصافة وبجانبه مقابر الخلفاء... وبجانبها محلة ابي حنيفة وبها قبره. وبين ما يراه بعينه أن جامع سوق الغزل يبعد عن مرقد أبي حنيفة ما يزيد عن ساعة للراجل.
وجاء في مراصد الاطلاع في معنى ما ذكره ياقوت ثم قال: "وقد كانت انقطعت العمارة عنها (عن الرصافة) فبنى المستنصر سورا حسنا بالآجر".
وفي كتاب مناقب بغداد ص33 ما قوله: "قال هلال بن الحسن: (عبرت الى الجانب الشرقي من مدينة السلام بعد الأحداث الطارئة فرأيت ما بين سوق السلاح والرصافة وسوق العطش ومربعة الخرسى والزاهر وما في دواخل ذلك ورواصفه وقد خرب خرابا فاحشا حتى لم يترك النقض جدارا قائما ولا مسجدا باقيا. وأما بين باب البصرة.. من الجانب الغربي فقد أندرس... وصار الجامعان بالمدينة (مدينة المنصور) والرصافة في الصحراء بعد أن كانا في وسط العمارة".
وكان ابن جبير نزيل بغداد في سنة580هـ (1184م) وهذا ما جاء في رحلته ص226 من الطبعة الإفرنجية: "وبأعلى الشرقية (الجانب الشرقي) خارج البلد محلة كبيرة بإزاء محلة الرصافة وبالرصافة كان باب الطاق المشهور على الشط. وفي تلك المحلة مشهد حفيل البنيان له قبة بيضاء سامية في الهواء فيه قبر الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه وبه تعرف المحلة".
وورد ما يلي في المخطوط الذي عرفناه"بالحوادث الجامعة" قال:
"وفيها (وفي سنة653هـ1255م) وقع بين أهل محلة الرصافة ومحلة أبي حنيفة والخضريين فتنة أفضت الى محاربة شديدة استظهر فيها أهل محلة أبي حنيفة والخضريين على أهل الرصافة وطردوهم الى باب المحلة وركهم السيف فدهمهم الليل فازدحموا للدخول فمات منهم جماعة نحو ثلاثين نفرا وحصروهم ومنعوا ان يدخل اليهم شيء حتى الماء من دجلة فاضر بهم ذلك فنفذ شحنة بغداد من زجر أهل محلة أبي حنيفة وكفهم عن الشر ثم إنهم اقتتلوا بعد أيام وخرج بين الفريقين خلق كثير وقتل جماعة واستظهر أهل محلة أبي حنيفة والخضريين على "أهل الرصافة" وباتوا تلك الليلة واستعدوا للقتال وعزموا على احراق محلة ابي حنيفة وعبر من أهل باب البصرة لمساعدة أهل الرصافة خلق كثير.
ولابأس من إيراد ما جاء في هذا المخطوط بهذا الشأن أيضا غير مجزئ بالنقاط الخاصة بالبحث لما فيه من الفائدة. وهذا قوله:
"وفي هذه السنة(653) اتفقت أمور عجيبة وحوادث غريبة قد ذكرناها. منها: الغرق العام الذي أخرب أكثر بغداد لاسيما دار الخلافة والدور الشطانية من الجانبين وانتقال الناس من دورهم وتضاعف أجرة المساكن الشعثة في أطراف البلد. وغلت الأسعار وتعذرت الأقوات وغرقت نواحي دجيل ونهر عيسى ونهر ملك (نهر الملك) والأعمال الفراتية: عانة والحديثة وهيت والأنبار والحلة والكوفة وقوسان. وذهبت الزروع وتلفت الأشجار وتهدمت الجوامع والمساجد كجامع المنصور وهو أول جامع وضع ببغداد ورباط الزوزني المجاور له والقبة الخضراء و"جامع المهدي بالرصافة" ومشهد عبيدالله والرباط المنسوب اليه وجامع السلطان و"جامع القصر" ورباط دار الذهب بعقد المصطنع. وبعض مسجد قمرية بالجانب الغربي وحائط رواق المدرسة النظامية وعدة مساجد. وقيل ان رجلا ثقة تصدى لاثبات ما تهدم من الدور في الجانبين كان مبلغها اثني عشر ألف دار وثلاثمائة ونيفا وسبعين دارا".أهـ
واخبرنا ابن بطوطة في رحلته وهو في بغداد في رجب سنة 727هـ (1326م) بقوله: "وبقرب الرصافة قبر الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه"أهـ.
وهذا كاف لبيان موضع الرصافة وجامعها ومن ثم لرد قول جريدة العرب ومجلة المرآة وكتاب مختصر تاريخ بغداد القديم والحديث. وسيجيء في سياق الكلام ما يؤيد هذه الحقيقة.
ومما روته لنا مقدمة الخطيب ما ذكرته عن جامعي الرصافة والخليفة قالت (في الص61) بعد كلامها عن جامع المدينة"مدينة المنصور" بالجانب الغربي:
"واما المسجد الجامع بالرصافة فان المهدي بناه في أول خلافته. اخبرنا بذلك محمد... قال: سنة159هـ(775م) فيها بنى المهدي المسجد الذي بالرصافة فلم تكن صلاة الجمعة تقام بمدينة السلام إلا في "مسجدي المدينة والرصافة" إلى وقت خلافة المعتضد فلما استخلف المعتضد أمر بعمارة القصر المعروف بالحسني على دجلة سنة280 (893م) وانفق عليه مالا عظيما وهو القصر المرسوم بدار الخلافة وأمر ببناء مطامير في قصر رسمها هو للصناع فبنيت... وجعلها محابس للأعداء وكان الناس يصلون الجمعة في الدار. وليس هناك رسم المسجد انما يؤذن للناس الدخول وقت الصلاة ويخرجون عند انقضائها. فلما استخلف المكتفي في سنة289(901م) نزل  القصر وأمر بهدم المطامير التي كان المعتضد بناها وأمر ان يجعل موضعها "مسجد جامع في داره" يصلي فيه الناس فعمل ذلك  وصار الناس يبكرون إلى"المسجد الجامع في الدار" يوم الجمعة فلا يمنعون من دخوله ويقيمون فيه الى آخر النهار وحصل ذلك رسما ثانيا  إلى الآن واستقرت صلاة الجمعة ببغداد في المساجد الثلاثة التي ذكرناها إلى وقت خلافة المتقي.
ويلوح لي أن ابن الجوزي في كتابه مناقب بغداد نقل عن مقدمة الخطيب لما بين لي من تشابه الجمل والكلام. قال ابن الجوزي في الـ21: "جامع الرصافة" بناه المهدي في أول خلافته إلى أن ولي المعتضد وعمر القصر الحسني في سنة 280 فكان يأذن للناس في دخول الدار يوم الجمعة للصلاة وليس قد رسم مسجدا. فلما استخلف المكتفي في سنة 289أمر بهدم مطامير كان قد عملها المعتضد وأمر أن يعمل مكانها "مسجد جامع" فعمل هذا الذي هو الآن. وأقيمت الصلاة في الجوامع الثلاثة... "حتى قال:" ومازالت الجمع تقام في جامع المدينة (9) و"جامع الرصافة" و "جامع القصر" ومسجد براثا... "ثم قال أيضا:" وكان في زمن عضد الدولة يقف الإنسان عند الباب الحديد (كذا) من شارع الرصافة والصفوف ممتدة من "المسجد الجامع بالرصافة" الى هذا الموضوع (الموضع) ومسافة ما بينهما كمسافة ما بين المسجد الجامع بالمدينة ودجلة... ثم أمر السلطان ملك شاه بن محمد بن الب ارسلان بعمارة جامع بالمخرم وهو الجامع المسمى بجامع السلطان..."أهـ.
وقال ابن جبير في ص228: والشرقية (الجانب الشرقي) حفيلة الاسواق عظيمة الترتيب... وبها من الجوامع ثلاثة الكل يجتمع فيها:-
"جامع الخليفة" متصل بداره وهو جامع كبير فيه سقايات عظيمة ومرافق كثيرة كاملة. مرافق للوضوء والطهور.
و"جامع السلطان" وهو خارج البلد ويتصل به قصور وتنسب للسلطان أيضا المعروف بشاه شاه   وكان مدبر أجداد الخليفة. و"جامع الرصافة" وهو على الجانب الشرقي المذكور وبينه وبين جامع السلطان المذكور مسافة ميل. وبالرصافة تربة الخلفاء العباسيين رحمهم الله.
واخبرنا ابن بطوطة الذي يبين لي انه نقل نتفا عن ابن جبير كما فعل ابن الجوزي بنقله عن الخطيب. قال(ابن بطوطة) في الص142:
"وبهذه الجهة الشرقية من المساجد التي تقام فيها الجمعة ثلاثة احدها: "جامع الخليفة" وهو المتصل بقصور الخلفاء ودورهم وهو جامع كبير فيه سقايات ومطاهر كثيرة للوضوء والغسل.
والجامع الثاني"جامع السلطان" وهو خارج البلد وتتصل به قصور تنسب للسلطان.
والجامع الثالث"جامع الرصافة" وبينه وبين جامع السلطان نحو الميل".
مر بنا أن الجامع الذي نحن بصدده يسميه بعضهم "جامع القصر" وبعضهم "جامع الخليفة" والآن يحسن بي أن ألخص ما قالوه ليتضح انه واحد. قالت مقدمة الخطيب أن المكتفي أمر بهدم المطامير التي كان المعتضد بناها بالقصر الحسني وانه القصر المرسوم بدار الخلافة وانه أمر بجعل موضعها "مسجدا جامعا" ويضاف إلى ذلك ما ذكره كتاب المناقب بروايته لنا بناء هذا الجامع انه"جامع القصر". ويلحق بما جاء ذكر ابن جبير وابن بطوطة لجامع الخليفة وسكوتهما عن"جامع القصر" وقد عدا جوامع الجانب الشرقي جميعها ولو كان جامع الخليفة غير جامع القصر لذكراه باسمه. فجامع الخليفة وجامع القصر واحد. وقد أقر ذلك نفر من مشاهير المستشرقين منهم لسترنج في كتابه: بغداد في عصر الخلافة العباسية وماسنيون في كتابه بعثة ما بين النهرين وهرتسفلد في كتابه عن بغداد.
ومن الذين ذكروا جامع القصر ابن الأثير في الكامل دفعات عديدة ويظهر لي انه لم يذكر جامع الخليفة ولا أرجح انه مرت قرون ولم يحدث مرة واحدة أمر يوجب ذكر جامع الخليفة واني لأرجح انه وافق على اصطلاح الناس عليه بجامع القصر. ومما جاء في ابن الأثير عن "منارة جامع القصر" قوله(11: 54) في حوادث سنة 479هـ(1086م):
"وفيها في ربيع الآخر فرغت المنارة بجامع القصر وإذن فيها". فنظرا لما أتى به ابن الأثير لا أرى مجالا لمخاطبة "البناء" للمنارة الشاخصة للأبصار بمئذنة الرشيد في قصيدته التي نشرت في هذه المجلة(3"1914":574) إلا إذا أراد الشاعر المجاز وإذا صح له ذلك. اما قول حاشية تلك الصحيفة إن المئذنة كانت في عهد الخلفاء العباسيين لكن بانيها لا يعرف على التحقيق وان منهم من يرى أنها من عصر الرشيد وانه هو بانيها وفي وسط المسجد الجامع فاني أقسم جوابي عليه إلى قسمين: الأول اريد به أنها كانت في زمن الخلافة العباسية وهذا لا غبار عليه فان ابن الأثير روى لنا بناءها في العصر العباسي. والثاني انه من بناء الرشيد لا يصح إذ أن الجامع الذي ينسب بناء المنارة إليه هو جامع القصر- وعلى اصطلاح ثان جامع الخليفة- وقد أحدثه المكتفي كما رأينا وهو ابن المعتضد بن الموفق طلحة بن المتوكل بن المعتصم بن هارون الرشيد. فلا يمكن أن تكون المنارة من بناء الرشيد ولم يكن رسم لجامع في هذه البقعة قبل المكتفي ولم نر لها ذكرا حتى نوه ابن الاثير بسنة بنائها. فكان الواجب يقضي بالايهمل القول الصريح لابن الأثير وهو المعول عليه يومئذ. أما الآن وقد عثرنا على كتاب الحوادث الجامعة فاني سأروي ما اطلعنا عليه من أمر بناء المنارة القائمة حتى هذا اليوم وهو ما كان بعد زمن ابن الأثير بنحو خمسين سنة.
ومن الذين ذكروا جامع القصر وانه في حريم دار الخلافة ياقوت في مادة الحريم كما مر بنا في هذه المجلة(5: 450)"فجامع القصر" أو الخليفة هو ما سمي بعده "بجامع الخلفاء" الواقع اليوم في محلة سوق الغزل ثم عرف الجامع الذي شيده سليمان باشا على ما سيأتي "بجامع سوق الغزل".
عن كتاب (مباحث عراقية) ج1