من طرائف القضاء العراقي في الجيل الماضي.. احمد حامد الصراف في سوح القضاء

من طرائف القضاء العراقي في الجيل الماضي.. احمد حامد الصراف في سوح القضاء

شيماء الصراف
مدع عام، حاكم منفرد، حاكم بداءة، محام. في جميعها كان رفع الظلم عن المستضعفين هاجس لديه لا يفارقه. المستضعف هو من لا يملك حيلة أمام من هو أقوى منه، الارملة واليتيم على وجه الأخص. القوي؟ هو الذي يسنده المال، المنصب، الإنتماء العائلي والعشائري. كان الصرّاف يستعمل صلاحيّاته القضائية الممنوحة له بل وحتى يتجاوزها في إحقاق حق ورفع ظلم.

عمل الصراف في معظم مدن العراق من شماله الى جنوبه، احياناً يذكر المدينة في كلامه عن حدث ما، وقد أعرف المكان من خلال ذكر الناس له ولها. الموصل يذكرها ووجهه طافح بالسرور فالعمل بها أيام سعادة  لا غير والحديث عنها له تفاصيل ستحتل مكاناً آخر.

في الرمادي
     - جاءه تجّار المواد الغذائية من سكّر وشاي ورز وغيرها يشتكون له سلوك شرطة الحدود معهم. شرطة الرُّطْبة الحدوديّة يأتون الى الرمادي وهي أقرب حاضرة لهم، لشراء هذه المواد ثمّ لا يدفعون ثمن ما اشتروه، واعدين التاجر بالدفع في الشهر القادم حين قبض الراتب، وهكذا تراكمت الديون على مر الشهور، يتحقّق الصراف من الأمر؛ انها مسألة استقواء بالوظيفة، صلف وصفاقة لا غير. يأمر بحبس الشرطة  لحين إيفائهم بديونهم. لم يكن أبي هو من قصّ عليّ، إنما رجل قال لي في نهاية الحديث: يُقال خلت الرُّطْبة من الشرطة لأيام.تحقّقت من أبي، قال لا، فقط حبست من كان ممتنعاً عن الدفع مع قدرته عليه.
     -  في صباح يوم كان هناك امرأة تنتظر الصرّاف أمام باب المحكمة، مُمسكة بيد طفل صغير المنظر يكفيه، سحب يده وبسرعة حين انحنت المرأة محاولة تقبيلها، تقبيل اليد من صاحب حق، أمر يُغضبه، يُدخل المرأة وابنها الى المحكمة، يجلسها ويستمع اليها: مات زوجها وتركها مع طفلها، أخوة الأب أي أعمام الطفل من المتنفِّذين عشائرياً تحايلوا وقاموا بالإستيلاء على حصّة الابن مستبعدينه من الميراث. لم يذكر لي أبي أي معلومات أو تفصيلات عن كيفيّة توصّلهم لهذا، إنما كان يتكلّم متوجِّعاً للولد اليتيم وأمّه الإرملة التي يحمل وجهها ملامح أمل وخوف من أن تُخذل. أرسل الصراف في طلب الأعمام الذين لم يتصوّروا  للحظة إقدام المرأة على هذا الفعل وتفصيلاته ومن ثم نتائجه، هدّدهم الصراف بالتوقيف وهذا من ضمن صلاحياته كحاكم، وفضيحتهم أمام الملأ  لحين إعطاء الصغير حقه، وفعلوا ذلك حفاظاً وخوفاً على سمعتهم.

   في كربلاء
    - في أُمسية عشاء ساهر في بغداد، تعرّفت على شخص كربلائي الولادة والنشأة، فرح حالما عرف انني بنت الصراف وأخذ يتحدّث عن ذكريات شبابه الأوّل، قال ان جلسات المحاكم التي يرأسها أبي كانت مناسبة لسماع أدب وشعر وتاريخ، فكان الشباب يواعدون بعضهم وينطلقون الى المحكمة لحضورها. حكى لي: ان من بين القادمين الى العراق من إيران لزيارة أضرحة الإئمة في كربلاء من يدخلها بدون جواز سفر وهذا يتم خلسة عبر الحدود. كان يتم القاء القبض على البعض منهم يُحبسون ثم يمثلون أمام الحاكم، يقف أحدهم امام الصرّاف الحاكم فيسأله هل يعرف  شعر حافظ الشيرازي؟ الفردوسي؟ عمر الخيام...فإن أجاب بنعم يطلب منه أبي قراءة بعضه، يحكي الرجل أن الوقت يمر بذكر شعر وأدب...حين الإنتهاء  يحكمه أبي بغرامة بسيطة ويمنحه إقامة أيّاماً تكفي لزيارة اضرحة الأئمّة، في حين أن من لا يعرف من الشعر أو الأدب شيئ يُحكم بغرامة أكبر، ويُمنح إقامة أقل. من حين رجوعي الى البيت سألت أبي فابتسم ضاحكاً، قال: نعم كنت أفعل ذلك، هؤلاء ناس طيّبين، أملهم وحلم حياتهم الزيارة، وربما هو الفقر وضيق ذات اليد التي تدفع الواحد منهم أن لا يلجأ الى الطرق الرسمية في الدخول، فيأتي عبر الحدود فهي طريقة رخيصة غير مكلفة.
  - في زيارة الأربعين لضريح الإمام الحسين بن علي عليهم السلام، يجتمع الآلاف المؤلّفة من "الزوّار" في كربلاء. من التقاليد الدالّة على تلاحم انساني راقٍ، انه حين يموت "زاير" ولا احد بصحبته من أهله ولا مال فائض لديه، يُوضع في مكان ظاهر ويُنادى: "كفن غريب"، وعادة وفي الحال تنهال النقود عليه من الزوّار كلّ حسب قدرته ولا يتخلّف أحد منهم، انه الخوف من المصير نفسه في الغربة، الرغبة في التقرّب الى الله وحصول الأجر.اتّفق ثلاثة شباب من العاطلين عن العمل على طريقة سهلة لتحصيل النقود: تظاهر أحدهم بالموت، لفّه صاحباه بقماش ابيض على انه كفن ووضعوه في تابوت مكشوف وطافا به وهم ينادون:كفن غريب، انهالت النقود الكثيرة عليهم من الناس  من كلّ جهة، قاما بجمع النقود وذهبا الى زاوية منعزلة وضعا التابوت على الأرض وجلسا يحصيان ما جمعاه، صاحبهما حسب الإتّفاق، يجب ان لا يتحرّك على الإطلاق فهو "الميّت"، ولكن هذا بدء يقلق؛ هل سيعطياه نصيباً مساوياً لحصصهما أم أقل مستغلّين "موته"؟ مرور الوقت يزيد من قلقه، وهو على حاله ممدّداً سألهم عن كميّة النقود، جاءه الجواب: هش، هش يأمره بالسكوت، بعد دقائق سألهم ثانية وهذه المرّة عن مقدار حصته، جاءه نفس الجواب مع التشديد والتحذير انه قد ينبّه المارّة بصوته، بعدها لم يعد يسمع كلامهما فقد أخذا يتكلّمان بصوت كالهمس، هنا حصل لديه اليقين انهما يتآمران ضدّه للإستيلاء على حصّته، فهبّ جالساً حينها يُطالب بحصّته من النقود، لاحظ المارّة ما يحصل، ميت يحيى من جديد، تعالى صياح من رآه أوّلاً: الله اكبر الله أكبر وسرعان ما عمّ قول الله أكبر وبدأ يشتّد، إنها آية ومعجزة من الله، أخذ الناس يحيطون "الميّت"، انها بدايات فتنة، انهم يريدون أن يحظوا بقطعة من كفنه للبركة أو بلمسه هو شخصيّاً، وكان أن تدخّلت الشرطة وبسرعة، اُقتِيد الثلاثة الى التوقيف ثم الى المحكمة أمام الصرّاف.
     تكلّم الثلاثة بالتتابع عن سبب فعلهم، الظرف هو نفسه، يبحث واحدهم عن عمل ولا شيئ، ففكّروا في فعل هذا الأمر، احتيال، نعم، ولكن لا يُسبِّب ضرراً لأحد وسيجعل احدهم يعيش أسابيع بحصّته من النقود ولن يتوقّف خلالها في البحث عن عمل. ينظر أبي في الأمر: الثلاثة لا سجل قضائي عندهم، إنّ الحكم عليهم يعني ان سيكون لكل واحد سجل ولن يتمكّن من الحصول على عمل بسهولة. قرّر الصراف ان لا يصدر حكماً ضدّهم، قال لهم (كما روى لي): سَرْسَريّة، أنطوا لصاحبكم حصته من النقود ولا تعودوا لفعل هذا الأمر، ثم أطلق سراحهم.

في مهنة المحاماة
      المرحلة الأخيرة في حياة الصراف القانونية هي ممارسة المحاماة.
     كان الصرّاف لا يقبل مبدئياً، دعاوى مدنيّة على الإطلاق. سألته مرّة، قال انها تأخذ ربما سنين لكي يصدر بها حكماً، وهي مملّة بسبب رتابتها، وهذا على عكس القضايا الجنائية أو تلك التي يضمّها بالعموم  قانون العقوبات العراقي، القانون الذي تحفظه عن ظهر قلب ولم أرك تزهو أبداً بأمر غير هذا. كانت أجوره عالية، وهذه القاعدة تتغيّر وربما لا تطبّق اطلاقاً إن كان موكِّله ضعيف الحال وهذا بالخصوص في حالة الأرملة التي لها أولاد، وحتى انه هو الذي يدفع أجور النقل في الذهاب معها الى مركز الشرطة لقراءة أوراق الدعوى ولا يأخذ أجوراً على ذلك، بل كان هو الذي يدفع ثمن الطوابع الذي يستلزمه عمل ملف، من جيبه.
       كان الصراف حديّاً، لا يتهاون في دفاع عن حق والوقوف ضدّ باطل، وهذا مبدأه في عمله في السلك القضائي ومبدأه في ممارسة المحاماة، ولهذا السبب اشتهر وذاع صيته، وإن كنت أعرف سماعاً انه محامي الطاشناق حزب الأرمن، وقد كان يتولّى قضاياهم، فإني رأيت الصابئة في بيتنا، وكان شيخهم عبد الله يحضر، وكان بينه وبين أبي مودّة. كان الكاوليّة (الغجر) يحضرون لتوكيل الصراف في قضايا القتل، قال لي يوماً وقد سألته عن حدوثها المتكرّر عندهم، ان نساء الكاولية يمتهنّ الرقص لكسب العيش ولا شيئ آخر وهم، الكاولية، لا يتهاونون في أمور تمس الشرف والسمعة وما إلى ذلك.
     يقرأ الصراف أوراق الدعوى بتمعّن ويقلّب الأمر من كل نواحيه فإن كان هناك مجال لربح الدعوى قبل الدفاع وإن كان ربحها معدوماً أو ضئيلاّ نظراً للمعطيات المتوفِّرة من أدلّة وشهادات شهود، رفض أن يلتزم ويدافع ثم هو يشرح للشخص المعني احتماليات الربح والخسارة، السجن، عدد السنين تقريباً، ومن الأكيد ان قدراته على الشرح بدقّة تعود الى ماضيه القضائي كحاكم منفرد، مدّعي عام، مفتش عدلية، وهو يعتبر أن  من شرف المهنة مصارحة الموكِّل بالحقيقة فلا يجوز خداع الناس وأخذ مالهم في قضايا خاسرة، كان أحياناً يذكر باستنكار واشمئزاز فلان وفلان الذين خدعوا المُوكِّل وكذبوا في انهم سيحصلون على حكم بالبراءة أو بسنوات سجن قليلة.
     ولكل أمر استثناء، وهذا يعني ان الصراف يقبل أحياناً دعاوى مدنية، وهذا يحصل لعلاقات معرفة وصداقة شخصية أو برجاء من أميّ حين يوسِّطونها خوف رفضه.
 
الصرّاف بين الاجتماع والقضاء
يأتيه رجل يرجو وساطته في تطليق ابنته؛ يحكي الأب: ليلة العرس كان هناك حفلة كبيرة، العروس والناس ينتظرون مجيء العريس، انتهت الحفلة ولم يأت، بعد التحرّي والبحث عنه خوفاً من ان قد يكون تعرّض لحادث، ظهر انه ذهب الى المقبرة حيث دُفن والده وبقي إلى جانب قبر أبيه، تكشّفت الأمور حينها؛ الرجل مُصاب بانفصام شخصيّة، أمراً قد أفلح في اخفائه طيلة فترة الخطبة وبعد العقد، ولم يُبلِّغ أحداً من العارفين بهذا من محيطه، المرأة أو عائلتها بالأمر ربما لما يعرفونه من عشقه للبنت واعتقادهم ان الزواج بما يحمله من استقرار عاطفي قد يفلح في شفائه.أقام والد البنت دعوى أمام المحكمة لغرض طلاق ابنته، الرجل يتهرّب دوماً ويخترع الحجج والمعاذير، العشق؟ الإنتقام لفضحه؟ ربما الإثنين، الوقت يمضي ونفسية البنت تسوء وتسوء، عائلة الرجل أصدقاء لأبي وهو مسموع الكلمة لديهم، لذا نُصح والد البنت وتربطه معرفة قوية بالصراف، باللجوء اليه وطلب وساطته لإنهاء الأمر وتطليق البنت بالحسنى. وافق الصراف في الحال، إنه رد الأمور الى نصابها بتحقيق عدل، وبعد الكلام مع عائلة الرجل ومعه شخصيّاً أفلح أبي في إقناعه بتطليق البنت، قام بتطليقها وانتهى الأمر. بعد فترة أسابيع لا أذكر تماماً، وكان الصراف المحامي في المحكمة كعادته فُوجئنا بشرطي يدق باب البيت، جاء لتسليم بلاغ بدعوى مُقامة ضد أبي، المُشتكي هو المُطلِّق، ودعواه ان الصراف أجبره على طلاق البنت.خسر الدعوى.

 الصراف وسيط عشق وقضية خاسرة
     هناك تكملة لهذه الحادثة ارتأيت وضعها: استرجعت البنت حياتها الطيّبة بعد طلاقها وتحسّنت نفسيتها تماماً. البنت تعمل في إحدى دوائر الدولة، معها في الشعبة من ضمن الموظّفين، موظف مغرم بها منذ سنين وسنين، انه يعرف ما جرى لها بالكامل، رجل طيّب الأخلاق من عائلة طيّبة، إنه يريد خطبتها وهو لا يجرؤ على الكلام معها فقرّر اللجوء الى أبي بدوره ليساعده في الأمر وذلك بالذهاب الى ابيها والكلام معه شخصياً نيابة عنه. ومن كلامه وطريقة شرحه يدرك الصراف انه أمام رجل ليس سوياً بالتمام ؛ رؤى وتخيّلات وهواجس، هناك سبب آخر: أنه لا يتمتّع بأي نوع من الجاذبية لا شكلاً ولا كلاماً.يذهب الصراف إلى والد البنت بعد أخذ موعد منه، يفرح الأب برؤيته ولكنه يحس في الوقت نفسه، ان هناك أمراً استوجب مجيئه، استمع الأب بالكامل، بعد الإنتهاء قال انه يعرف الأمر فابنته تقص عليه ما يحصل بعد ان لاحظت، سلوك الرجل معها وليست بالوحيدة، فبقية الموظّفين لاحظوا ذلك.قال الأب للصراف: هيّه مثل بنتك، وانت خلّصته من ذاك، انت تقبل بنتي تتزوج هذا؟؟ وافقه أبي، انما أضاف انه كان عليه القيام بما كُلِّف به ونقل الرسالة. أبلغ الصراف الرجل العاشق بالرفض واختار لذلك أكثر الألفاظ حيادية ووضوح، مع ذلك ظلّ العاشق مداوماً على الحضور لبيتنا، ولفترة من الزمن أخذنا نراه كل يوم تقريباً حتى انه يجلس في الصالون معنا، أي مع أفراد العائلة وليس في غرفة الضيوف، الصراف كان متفهّماً صبوراً فالقصص نفسها: وضعت البنت القلم بهذا الشكل، هذا يعني شيئاً. لم تشرب قدح الماء بالكامل وهذه إشارة له، لبست اللون الفلاني، هذه إشارة أخرى...بعد فترة انقطع عن المجيئ، ثم – وهذا استطراد يقتضيه الحال – تقدّم لخطبة البنت  رجلاً حاز  رضاها فتزوجته.

( عن مدونة السيدة شيماء الصراف)