ليس هــــذا اســــــم الــــوردة

ليس هــــذا اســــــم الــــوردة

شكر حاجم الصالحي
رغم غزارة انتاجه اللافت في عمق المشهد الشعري العراقي , إلا ان القراءة النقدية لم تمنحه ما يستحق من الاهتمام والمعاينة وتفحص تجربته التي امتدت على مدى اكثر من نصف قرن من الزمن بدأها نشراً عام 1976 من خلال اصدار ديوانه الأول (صلاة بدائية) واختتمها بديوانه ((ليس هذا اسم الوردة)) الذي صدر قبل وفاته بأيام في الربع الأول من هذا العام 2016 ,

 ولست هنا في معرض البحث في قصور المشغل النقدي , فليست تجربة الشاعر الراحل محفوظ داود سلمان , هي الضحية لوحدها جراء هذا التقصير والقصور , وانما هناك العشرات لا بل المئات من الدواوين الشعرية التي ما حظيت بأي اهتمام حتى ولو باشارة عابرة في هذه الصحيفة أو تلك المجلة , ولهذا الواقع أسبابه و مبرراته ودوافعه واعذاره التي يقولها المشتغلون في المشغل النقدي.. (سنعود اليها في مناسبة قادمة)...
لقد امتازت تجربة محفوظ البصري بمتانة وسلامة لغتها وجزالة اسلوبها وغناها وثراء معانيها ومبانيها وحسن صياغتها واستثمارها للجوانب والاشارات المضيئة في تراثنا اللغوي من حوادث وقصص وحكايات ظلت حية في ذاكرة القراءة , وهذا لا يعني انكفاء التجربة على الماضي لوحده بل اتسعت آفاقها للاستفادة من معطيات الحداثة ونتاجاتها المعرفية التي أصبحت مورداً لأغلب التجارب المعاصرة... ورغم امتلاك الشاعر لقدرات مميزة في القول الشعري إلا ان جلّ نتاجه الغزير يميل الى الشكل التقليدي ولكن بلغة تنهض بمفرداتها التي مازالت قادرة على الايصال والتوصيل والعيش في غاية الاشكال الشعرية المحتشدة بالجيد والرديء وبالغث والسمين , ومما يحسب له ــ الراحل محفوظ داود البصري ـــ اخلاصه لمنهجه وحرصه على الحضور الفاعل في هذه الغابة الملتبسة بموجوداتها وكائناتها المتنافرة....
ومن ميزات شعر البصري استغراقه في انتاج النصوص الطويلة التي تميل الى السرد الحكائي واشباعه لمديات التجربة المنبثقة عن حياة ضاجة بالحوادث والتجارب اليومية التي اكتسبها وعاش مفرداتها خلال سنواته الثرية والغنية...
وفي ديوانه الأخير ((ليس هذا اسم الوردة)) الذي ابتدأه بقصيدته ((أسم الوردة)) التي ذيلها بتاريخ 5/11/2014 , واختتمه بقصيدته ((لغة الحجارة)) التي ذيلها بتاريخ 28/10/2014 نلاحظ استفادة الشاعر من ثريا عنوان [ اسم الوردة] لأمبرتو إيكو , وهذا التناص يتضح من خلال عنوان قصيدة الديوان الأولى ((اسم الوردة)) وهذا ما لا يعيب على الشاعر البصري الراحل اعجابه بالأسم الذي ملأ الافاق شهرة وانتشاراً وحاز على قراءة مليونية , ومما يلفت الانتباه ان هذا الديوان ضم (47) قصيدة تنوعت مضامينها واشكالها , ولأعمام الفائدة أضع هذا الجدول التوضيحي لسنوات انتاج قصائده:
                  سنة 2000 / قصيدة واحدة
                 سنة 2001 / قصيدة واحدة
                سنة 2003 / قصيدتان
                سنة 2013 / قصيدة واحدة
                سنة 2014 / 14 قصيدة
                سنة 2015 / 8 قصائد
               سنة 2016 / 18 قصيدة
وهناك فترة انقطاع بين عامي 2003 و 2013 رغم ان الشاعر نشر قصيدة واحدة في العام الأخير , وربما له من الأسباب ما دعاه الى العزوف عن الانتاج أو النشر ربما!! لكن الملاحظ ان ذروة انتاجه المنشور هو عام رحيله الى الخلود عام 2016 , اذ بلغ ما نشره (18) قصيدة , وقد يكون الشاعر قذف لقارئه كل ما تبقى لديه من شعر غير منشور احساساً منه بدنو الأجل , وسيتضح ذلك من خلال قصائد عامه الأخير...
لنقرأ ((لست أنا ملكاً)) ص109 قصيدته المميزة التي يقول فيها:
               لست أنا العاشق ابروفروك ولم أعرف ميخائيل انجلو.
              إلا ان نساءً يذرعن الغرفة في الوجد ذهاباً و أياباً.
              يتحدثن عن الطقس... وعن هملت: في الضوء انا اكثر
               مما يبدو , أو يقرأ مخذولاً كلمات...
     و....
              لست أنا الملك الضلّيل , ولم أقصد قيصر
             أو أتدثر في درع مسموم ورفيقي
            غادرني , مملكتي أخليت خيولي فيها وتركت
            عبيدي في كنْدة تعبث في الملُك ولم أعقر
             لعنيزة مهري , أثقب زق الخمر
             و أسكر ذات مســـاء......
وهنا نلاحظ استخدامات الشاعر المنفتحة على أفقي التراث والمعاصرة (ابروفروك ,ميخائيل انجلو , هملت , الملك الضليل , كنْدة , عنيزة) والى الكثير من الرموز الاخرى المستخدمة في المتن الشعري. لقد وفق الشاعر البصري في استثمار هذه المسميات وبذلك منح قصيدته حضوراً واعياً وجديراً باعجاب. أما في قصيدتـــــــه
(خمبابا حارس الغابة) ص 139 , فانه يقود مقود قصيدته الى حيث الملاحم واساطير بلاد ما بين القهرين , فهو يقول:
        احترقت ياخمبابا الغابة واحترقت اسرار الاشجار ,
         احترقت عشبة سر الخلد , هل جاءك جلجامش
         يغرق انكيدو في قعر الكأس ولا من انثى
        أو صوت بغي في الحانة , دخل الغابة أم كان تخلى
       عن جلد أسود يلبسها هل كانت اوروك بلا آلهة ,
      تأكل لحم الموتى , تقضم اثداء نساء ونهود عذاراها
      تلعق من ظمأ حلمات الأبكار.......
وفي ختام هذه القراءة التذوقية أدعو أصدقاءنا واساتذتنا النقاد ان ينصفوا الشاعر الراحل ويقرأوا تجربته الثرية بعد ان اداروا أقلامهم عنه في حياته , ليقولوا فيها ما يرونه من غنىً يستحق الاشارة والتنويه , وفي هذا بعض ما يتوجب من وفاء في كلمة حق تنصف الشاعر الراحل محفوظ داود سلمان البصري.......