رحلة   ثيرثة مايا   و  ابنتها  :..(إلى  سالتو)

رحلة ثيرثة مايا و ابنتها :..(إلى سالتو)

جاسم العايف
ولدت الشاعرة الاوروغوايية "ثيرثة مايا"، في منتفييدو عام 1932، و دَرَسَتْ الفلسفة واللغات الحديثة بالجامعة الشرقية في الاوروغواي. وصدرت لها منذ عام 1958 عدة دواوين شعرية منها:في الزمان- 1958،والحضور اليومي- 1963، والجسر-1970، وتغير..ثوابت- 1978، والصرختان- 1981،وسطوح-1990، والمرئية – 1999،

 والشمس القصيرة-2000،وآلام-2001، وفيما اطلعنا على بعض أشعارها، مترجمة إلى اللغة العربية، كانت معنيةً بعذابات وقهر الإنسان، المحبط والأعزل،إلا من الأمل.  (الأمل) الذي يساعده على الحياة ببساطة وسمو، في عالم يتمتع بحدٍ، ولو أدنى، من عدالة- اجتماعية إنسانية، وعَبرتّ "ثيرثة مايا"، عن حيرة الإنسان، الأعزل،  وهو يسعى للدفاع عن وجوده اليومي تحت ظل سلطات قمعية- قاهرة، بغض النظر عن المكان والزمان، وغالباً ما يمثلها "ذئاب بشرية" لا تعبأ نهائياً،إلا بالتوجهات والأوامر السلطوية، وتتفنن بتطبيقها بكل ما فيها من انتهاكات لبشر لا ذنوب لهم غير التمسك بالأمل، الذي لابد منه، في حياة تعاش، مرة واحدة لا غير.ولـ"ثيرثة مايا" أعمال نثرية عدة منها "هدم"، و" قناع" و" قنوط" و" حنين"و" لوعة". المترجمة (سحر احمد) قدمت (رحلة إلى سالتو) لـ" ثيرثة مايا"، وتقع في ما ترويه بنت ووالدتها، عن رحلةٍ قامتا بها في ظروف قاسية، من مدينة (باسو دي لوس توروس)، إلى مدينة "سالتو"، وبعد عودتهما، بمنتهى  القنوط  و اليأس، لمنزلهما، اقترحت الأم على ابنتها، أن تَكتبَ كلٌ منهما، على حدةٍ، ما حصل لها، من وقائع، بدقةٍ وصراحة ودون خيالٍ،لا قيمة ومعنى له في رحلة" الجحيم" تلك، التي دامت أكثر من شهور،مع التطرق لتفاصيلها، بحيادية، بقدر الاستطاعة، وكانت الأم، بحكم عمرها، و خبرتها الحياتية، وثقافتها اليسارية، تؤكد لأبنتها إنّ إنساناً لا تحرّكه أهوال الاضطهاد، ومعاناة ضحاياها، ولا تهزه آلامهم، بغض النظر عن تواجدهم أينما كانوا، ودينهم وقوميتهم، وجنسهم،و درجة القرابة معهم، ويكفي أنهم (بشر) فقط،سوف يلاحقه صمته كعارٍ أبديّ  دائم، ويتابع سيرته حتى وان انتقل إلى العالم الآخر،وتؤكد (الأم) على أن التعامل مع البشر في دولة (اللاقانون) يحول الناس إلى (أقنان)، وان العقاب، الذي يطولهم، بمجرد (الشك) ودون قرائن(مادية)، له علاقة بدولة (الإرادة) الفردية، لتعميم (العقاب) الجماعي على الناس. لم تجنس" ثيرثة مايا" ومعها المترجمة (رحلة إلى سالتو)، لكن يمكن،لنا، أن ندرجها ضمن(المذكرات)، أو الـ (يوميات) و التي تُدون فيها الأحداث التي تترك أثراً فينا، أو في محيطنا المعيش،أو(أدب الرحلات)، وكذلك (قصص) قصيرة،غير منعزلة عن الأوضاع الإنسانية، والسياسية، والفكرية، والاجتماعية ضمن تلك المرحلة التي كانت يعيشها الناس في (الأوروغواي)، وفي أمكنة عدة في العالم، متقاربة و متشابهة في نسقها العام، وما كان يجري في(الأوروغواي)،من خلال تصنيف كثير من الناس كونهم (اقرب) للتوجهات (اليسارية) والتي تعد ((لعنة))، تلاحقهم حتى بعد الفناء سلطوياً، وضمن ظروف غامضة،وهذه ((اللعنة)) تصيب حتى الأبناء والأحفاد. (رحلة إلى  سالتو) يمكن،كذلك، أن تدرج ضمن جنس القصة القصيرة التي يكون شخوصها مغمورين، لكنهم في قلب الحياة، حيث تشكل حياتهم اليومية الموضوع الأساسي لهم، ومع إن تلك القصص- الحكايات-الشهادات- المذكرات، يمكن  ملاحظة خلوها من بعض التوجهات الفنية - الجمالية، لكنها شهادة صادقة عن الانتهاكات والجرائم المرتكبة بحق المعتقلين وخصوصا (اليساريين) في سجون(الاوروغواي)، و تتحدث عن تجارب شخصية، وتخص البنت والأم، في تفاصيلها، وقد مرَّ بها الكثير من "الاوراوغوايين"، وليس لأسماء الأشخاص أهمية ما بقدر ما لحقهم من تعسف وإجحاف وعذابات ومهانات، متواصلة، وكان مبعث ذلك الأمر، مجرد الشكوك، الجاهزة، والتي لا تحصى، ويمكن تكييفها من قبل مَنْ نذروا أنفسهم لخدمات سلطات قمعية،قاهرة، غادرة. تلك الشكوك التي يتقدم بها بعض "المخبرين السريين"،بكل ما معروف عنهم من خسة ودناءة وانعدام ضمير. وان مَنَ كتب تلك: اليوميات - القصص - الشهادات - المذكرات، وببساطة شديدة فتاة لم تبلغ الـ(16) عاماً من عمرها، وأمها المعذبة - القانطة حد اليأس، خلال سنوات 1972-1974. "رحلة إلى سالتو" تروي اعتقال الأب الزوج- الطبيب- بسبب مساعدته، بحكم واجبه الطبي الإنساني أولاً، وتوجهه الفكري - اليساري ثانياً، لبعض جرحى ثوار (التوبوماروس) ومكابدات زوجته وابنته في الحصول على معلومة،مهما كانت بسيطة عنه، ومحاولة مواجهته عند نقله، الدائم، من معتقلٍ لأخر، ويشترك في هذا الموضوع ألاف النساء، لغرض الحصول على معلومة ما، عن الأبناء، والأشقاء، والأزواج، والآباء، والأحباء، الذين اعتقلوا بسبب اتهامهم بمولاة الثوار، أو إنهم حملة للفكر اليساري،أو متعاطفون معه سراً!!. قدمت المترجمة "سحر احمد" (رحلة إلى سالتو), بلغة عربية سلسة، ومؤرقة ومعذبة للضمير الإنساني، بغض النظر عن توجهاته الفكرية. وسبق لـ "سحر أحمد" أن ترجمت "التساؤلات" و"مائة قصيدة حب" لبابلو نيرودا، وصدرتا عن دار - أزمنة - الأردن. كما قدمت (البحر و الأجراس) لنيرودا أيضاً،وقد تناولنها في قراءة نشرت في ملحق(أوراق- المدى) الثقافي. كما ترجمت سحر أحمد جزءاً من بحث مطول للباحثة البريطانية"تيري دوي يونك" وأصدرته بكتاب حمل عنوان:" قراءة جديدة لأنشودة المطر"، وسبق وقدمنا له قراءة مطولة نشرت في مجلة " بيت" الفصلية - العدد الثالث،والتي تصدر عن" بيت الشعر العراقي". كما واشتركت المترجمة" سحر احمد" مع الشاعر حسين عبد اللطيف في: " بابلو نيرودا- كتاب التساؤلات- حسين عبد اللطيف- كتاب الإجابات". وأثارت ترجماتها اهتماماً جدياً، فكتب عنها الشاعر محمد علي شمس الدين، والشاعر حسين عبد اللطيف، والكاتب إحسان السامرائي،  والقاص والروائي جمال حسين علي، وبعض النقاد والشعراء والكتاب العراقيين والعرب. يذكر أن المترجمة"سحر احمد" حاصلة على درجة الماجستير في اللغة الانكليزية وآدابها - جامعة البصرة، و تكتب القصة القصيرة، و في مخزونها الثقافي- المتأني، أكثر من مجموعة قصصية، وترجمات عدة تنتظر الطبع،ولها مساهمات نشطة- متعددة في المشهد الثقافي- الأدبي العراقي- البصري.الغلاف للفنان المكسيكي (بيتر كوبر).