التحليل النفسي والديني للذات المسيحية في مسرحية  اجتماع شمل العائلة

التحليل النفسي والديني للذات المسيحية في مسرحية اجتماع شمل العائلة

زينب المشاط
" يتوجب علينا أن ندخل الشعر إلى العالم الذي يعيش فيه الجمهور والذي يعود إليه عندما يغادر المسرح، لا أن ننقل الجمهور الى بعض العوالم الخيالية الصرفة التي لا تشبه عالمه، الشعر فيها متسامح، ما أوده وآمله، ربما يتمكن من تحقيقه جيل من كتاب الدراما بالاستفادة من تجربتنا، هو أن يرى الجمهور في لحظة إدراكه أنه يسمع شعراً،

 أي أن يقول لنفسه: وأنا استطيع قول الشعر ايضاً، إذن يجب ألا ننتقل الى عالم مصطنع، على العكس فإن عالمنا اليومي القذر، الكئيب سيكون فجأة مجسداً ومضاء.".... إليوت

تعتبر مسرحية" اجتماع شمل العائلة "لكاتبها ت. س. اليوت، الحاصلة على جائزة نوبل لعام 1948، والصادرة عن دار المدى عام 2001، من ترجمة محمد حبيب، المسرحية التي نالت العناية الأكبر اثناء كتابتها، ومع ذلك فهي الاكثر تصدعا في نتاج إليوت الدرامي، وربما بين كل أعماله.
تنفذ التصدعات إلى قلب المسرحية، ومع ذلك فالأفكار التي تناقش فيها آسرة، أصيلة، وشجاعة، لدرجة أن هذه التصدعات أجدر بالمناقشة من حسنات عمل أدبي أكثر نجاحاً وتماسكاً.
خلف هذه الأشياء كلها توجد ثلاثة أهداف متبلورة تقوم عليها هذه المسرحية، أولها إعادة الاعتبار للشعر بصفته لغة الدراما: ليجدد من خلال الدراما مشهدية تورطنا بالعلاقة مع الخير والشر " الله، الشيطان".
بالاضافة الى التجربة الدينية والحدس: حتى ولو جرت هذه الاشياء في سياق العادات، في العالم المعاصر لغرف الاستقبال وما يدور فيها من محادثات وتصرفات سيطرت على مسرح لندن فترة طويلة. ففي محاولته تناول هذه الاشياء الثلاثة، كان إليوت يهاجم بشكل رئيسي لا أدرية الجمهور، بتوقه واعتياده على الحوار النثري الطبيعي، والذي كان يذهب إلى المسرح للتسلية لا لمشاهدة تجربة خلاقة.
إن الرؤيا الواقعية التي رغب إليوت بتقديمها، هي الرؤيا المسيحية، كما يثبت تطوره كشاعر وكمفكر، ومع ذلك فقد رغب تجنب ذكر المسيحية بشكل مباشر، تعاليمها الواضحة ورموزها المألوفة.
وقد صممت مسرحية "اجتماع شمل العائلة" لتنتسب سراً إلى المسرحية المسيحية، برموز روحية غير مألوفة، ونغمة وثنية طاغية، لتنقل رسائله المسرحية التي لا يمكن التشكيك بمسيحيتها مقدماً. ولكي يجد موضوع مسرحيته المنتسبة سرياً للمسيحية، انتقل إليوت من تشيخوف إلى اسخيلوس أعظم شعراء المسرح الأثيني، وإلى ثلاثيته الرائعة أوريستيا، حيث يوجد الموضوع الذي يهدف إليه إليوت في مسرحيته – الشعر السامي والمتنوع، الرؤية المسيحية للإثم والتكفير.
تورط الانسان من خلال لعنة العائلة مع قوى الخير والشر، وطريقة روحية الخروج من دائرة الجريمة، باكتشاف ابعاد الآلهة الخارقة، والتغيير الذي يطرأ عليها، كل هذه الافكار، بقليل من المعالجة، يمكن أن تقحم المفتاح المسيحي بشكل جديد.
لهذا فإن هنالك ثلاثة اهداف عميقة في المسرحية توجب على إليوت تحقيقها، ويمكن رؤيتها، ربما، كهدف وحيد للخيال، الخيال الذي يقول فيه شكسبير أنه: لتجسيد اشكال الاشياء المجهولة، يقلقنا ويثيرنا بالشيء الغامض في المألوف ويلامسنا بطرفةٍ، الشعر والدين فقط هما القادران على وضعها، ويمكنها ان تظهر أن عالم غرف الاستقبال لا يبعد عن القفر سوى خطوة واحدة وأنه من الممكن ان نكون جميعاً مدعوين لخطو خطوة من ذلك النوع في أية لحظة، كما هي حال هاري مونسنسي.
الفكرة الرئيسية للمسرحية بعينها هي حس إليوت المكثف بالاختناق الروحي والموت في الحرب التي تجتاح انكلترا واوربا.
بدأ الشعور يداخله قبل نهاية الحرب العالمية الاولى، ويحكي لنا بروفروك عن النساء المثقفات في اللقات التي كان يرتادها، النساء اللواتي كن يدخلن ويخرجن وهن يتحدثن عن ميكيل أنجلو، أنهن متزينات بالثقافة لكنهن خامدات روحياً، أنهن وامثالهن، يخنقن السؤال الملح الذي يود ان يسأله وأصواتهن توقظه في حلمه، وبإيجاز يمكن تخليص هذه الافكار بموت المسيحية  في الحياة بين الحربين العالميتين.
 يركز موضوع المسرحية على ما يحدث داخل نفس أخضعت لتحليل نفسي وديني على حد سواء، بالقدر الذي لا يلغي فيه أي من التفسيرين الآخر. لقد كُتِبت هذه المسرحية لتكون مسرحية معاصرة بمصطلحات معاصرة، وقد كان إليوت مدركاً لانتصارات علم التحليل النفسي الحديثة، ولعيادات المحللين النفسيين.