رحلة في الإبداعات المجرّدة والقيم الجمالية.. قراءة في تكوينات لونيّة  ودلالات الانتصار والهزيمة

رحلة في الإبداعات المجرّدة والقيم الجمالية.. قراءة في تكوينات لونيّة ودلالات الانتصار والهزيمة

محمود شاهين
(قراءة في تكوينات لونيّة)، من تأليف وتصميم وإخراج الفنانة التشكيليّة والأكاديميّة العُمانيّة الدكتورة فخريّة اليحيائي، رافق معرضها الفردي السابع، وفيه رسمت بدقة، الملامح المبهرة لإحدى تجاربها الفنيّة التجريديّة القائمة على تقنية التصوير الضوئي، والأقمشة الشرقيّة الملونة التي اختارتها بعناية.

وهي دراسة مستفيضة للعلاقة الناتجة عن جمعها لها، ضمن تكوينات فنيّة لافتة، حشدت فيها (كما تقول) نغمات لونيّة صفراء وذهبيّة خافتة، تتابع أمام الظلال الزرقاء الكبيرة والبنفسجيّة أحياناً.
وفي هذا التتابع صدى للألحان المتوالدة واللانهائيّة من الترنيمات المتدفقة كلها باسم اللون. وباسم اللون الواحد، تأتي أكثر من دلالة رمزيّة متعارضة، ومتناقضة في الوقت نفسه كما في دلالة (الموت والحياة) ودلالة (الانتصار والهزيمة) ودلالة (النشوة والإحباط). فطاقات اللون هائلة، وغير محدودة، ورمزيّة الألوان فيها خاصيّة التعدد والتنوّع والخفاء في الوقت نفسه.
في تجربتها المتفردة التي وثّق لها الكراس، قدمت اليحيائي رحلة في العلاقات اللونيّة المجردة، حاولت من خلالها خلق تكوينات متزنة ومكتملة من حيث القيم الجماليّة البحتة، مستعينة بالألوان شديدة السخونة، والحيويّة، بغية إيجاد تنبيهات بصريّة، موجودة أساساً.ولكنها تحتاج من يُدركها أو يُشاهدها كعلاقات جماليّة، من غير السهل إدراكها. فكما أننا مؤمنون بحاجتنا (بحسب قولها) إلى تدريب آذاننا على سماع الموسيقى لاستحسان تذوقها، فإن هذه الحاجة تزداد كلما تعلق الأمر بنوع من الألحان لم نعهده من قبل، وفي المقابل، فإن عيوننا الأشد حاجة إلى تدريب لتأمل الأشكال الفنيّة، واستحسان رؤيتها، والنفاذ إلى مضامينها، وهي بحاجة إلى تدريب كلما تعلق الأمر بطراز من الفن لم نألف رؤيته من قبل، وعملية التدريب ليس لها حدود ولا بد أن تستمر مدى الحياة عند الفنان على وجه الخصوص.
ترى اليحيائي أن الصورة الضوئيّة ساهمت في مساعدة الفنانين على تجسيد التعابير الإنسانيّة (التعبيريّة) والأحاسيس النفسيّة بشكل كبير وسريع. إذ أكد كل من مان ري وهلسمان وناش على أن الكثير من الرسامين والمصورين من أصحاب المدارس الفنيّة الحديثة، استفادوا من تقانات التصوير الضوئي في تنفيذ أعمالهم مثل لوحة (فتاة تنزل السلالم) لمارسيل دي شامب التي اعتمدت أسلوب تعدد اللقطات في الكادر الواحد.
وفي فترة ما بعد الحرب العالميّة الأولى، استخدم عدد من الفنانين السورياليين وأصحاب المدرسة الدادائيّة من أمثال ماك بين وبلهام، الصور الضوئيّة في أعمالهم بطرق مختلفة كالمونتاج والكولاج.
وبذلك يمكن القول ان دخول الكاميرا سجل تطوراً في نظريات العلوم والتكنولوجيا القائلة بأن الرؤية ينبغي ألا تعني دائماً التسجيل الصادق، وأن الحواس ليست هي دائماً كما تبدو عليه، وأن عالم الإبداع والرغبة في التغيير الدائم، هو الدليل على ظهور الحركات الفنيّة المتوالية، والتي ساهمت في إغناء مفاهيم الفن من أجل الفن.
أما بالنسبة للفنانة فخريّة اليحيائي، فاعتمدت في إنجاز أعمالها التي انضوت تحت عنوان (تكوينات لونيّة) على منظور متمايز للإدراك الحسي، يؤدي وظيفة خلاقة في تأكيد البحث عن التكوينات اللونيّة، ومن خلالها البحث عن المنظومات الجماليّة الموجودة في البيئة المحيطة بالفنانة، حيث كانت رحلة البحث مرتكزة على ألوان الأقمشة كمادة خام.
اقتصرت الفنانة، الكاتبة في تحليلاتها، على البحث في المثيرات اللونيّة للرؤية التي قد تلهم الفنان القدرة على الملاحظة والتأمل الاستكشافي من شأنه أن يقوي علاقة الفنان بالمثيرات من حوله، ويتيح له اكتشاف الإمكانات الكامنة فيما يحيط به من عناصر، برؤية تتخطى حدود الرؤية الاعتياديّة، ليفصح عنها في لحظات التفكير الإبداعي.