في رفقة الملك غازي والدفاع عنه

في رفقة الملك غازي والدفاع عنه

محمد سلمان التميمي
في الثامن والعشرين من كانون الأول عام1936، نقل فؤاد عارف إلى الحرس الملكي، وعُين آمراً للفصيل الثالث التابع لسرية المقر، التي كان مقرها في قصر الزهور. وقد اختلفت الآراء بشان اختياره لهذا المنصب، ويذكر فؤاد عارف انه لم يكن يعرف كيف تم نقله إلى الحرس الملكي، وهو مازال يجهل سبب نقله، إلا انه عاد وذكر أن نقله للحرس الملكي كان برغبة الملك غازي (1933-1939) نفسه.

أما أهم الآراء التي تستوجب البحث والتقويم، أن هناك رأياً يربط بين الانقلاب العسكري الذي قاده قائد الفرقة الثانية – آنذاك- الفريق الركن بكر صدقي، الذي أطاح بالوزارة التي كان يترأسها (ياسين الهاشمي)، وأدى إلى مقتل وزير الدفاع – آنذاك- الفريق الركن (جعفر العسكري)، في التاسع والعشرين من تشرين الأول عام1936، وبين نقل فؤاد عارف إلى الحرس الملكي بعد ذلك الانقلاب بشهرين، إذ أشارت بعض المصادر إلى أن بكر صدقي أراد أن ينفرد بالحكم في العراق، عن طريق إقامة نظام ديكتاتوري عسكري على غرار الأنظمة التي كانت قائمة في تركيا وإيران في ذلك الوقت، إذ كان بكر صدقي متأثراً بتجربة أتاتورك في تركيا، فعمل على تعزيز موقعه في الدولة بالاعتماد على العناصر المؤيدة له في الجيش بشكل خاص، من خلال التعجيل بترقيتهم ومنحهم امتيازات خاصة، ليجعل منهم سندا لحكمه وعينا لمراقبة الأوضاع. وقد شملت تلك المراقبة الملك غازي نفسه، فقد استبدل موظفو البلاط الملكي بأنصار بكر صدقي، فمثلا عين المقدم(رشيد علي) الذي كان يشغل منصب معاون مدير الإدارة في وزارة الدفاع، والمعروف بولائه لبكر صدقي رئيسا للمرافقين، كما انه قرب فؤاد عارف الذي كان برتبة ملازم ثان وعينه مرافقا للملك غازي كونه من أنصاره أيضاً. وبقدر تعلق الأمر بفؤاد عارف فإن من الصعب الجزم بصحة هذا الرأي، أو نفيه تماما، ومن المهم الإشارة إلى انه بعد قيام الانقلاب وتشكيل وزارة (حكمت سليمان)، تم تغيير أفراد الحرس الملكي، لاسيما وان الملك كان يضيق ذرعا من تصرفات بعض ضباط الحرس الملكي السابق، الذين كلفوا بمراقبته أكثر من حراسته، فقد كان الملك يعاني من ضغط رئيس المرافقين العقيد (سيد احمد) الشديد عليه((الذي كان يحصي على الملك أنفاسه ويخبر ياسين الهاشمي بذلك....))، فبلغ الأمر قيام رئيس أركان الجيش الفريق الركن (طه الهاشمي) بإصدار تعليمات إلى رئيس المرافقين، بإرسال تقارير يومية إلى (رئاسة أركان الجيش) بعد تأشير كلمة (سري) عليها، كما أكدت تلك التعليمات عدم السماح للضباط مطلقا، أن يذهبوا إلى البلاط الملكي أو قصر الزهور بأية دعوة كانت، إلا بموافقة وزير الدفاع ورئيس أركان الجيش، الأمر الذي أدى إلى استياء الملك غازي وتذمره من إجراءات الوزارة ضده، لاسيما بعد أن أصدر ياسين الهاشمي قانون العائلة المالكة رقم (75 لسنة1936)، وإبعاد الكثير من موظفي البلاط الملكي، ومنع أصدقاء الملك المقربين من مقابلته بصورة اعتيادية، كما كان عليه الحال قبل ذلك، حتى انه اخذ يشعر بالوحدة إلى حد انه قال ذات مرة لفؤاد عارف: ((هل تدري يا فؤاد! من أنا؟ أنا سجين محترم،....)). نظرا لما تقدم، ويبدو أن نقل مرافقي الملك وضباط الحرس الملكي، كان إجراء (ملكياً) يتعلق بالملك غازي نفسه، أكثر من كونه إجراء (انقلابياً) يتعلق بقادة الانقلاب، وعلى رأسهم بكر صدقي. وهكذا يمكن القول أن نقل فؤاد عارف إلى الحرس الملكي، هو رغبة ملكية، لاسيما وأن (الملك غازي) يعرفه جيدا سواء كان ذلك خلال مدة الدراسة في المدرسة العسكرية أو بعدها، إذ يذكر فؤاد عارف إنه التقى الأمير غازي مرات عدة بعد تخرج الأخير، فمثلا عندما زار غازي قضاء العمادية في صيف عام 1933، كان فؤاد عارف يقضي إجازته في دار خاله ماجد مصطفى الذي كان قائم مقام قضاء العمادية آنذاك، إذ تم الاتصال به هاتفيا لإبلاغه رغبة الأمير غازي برؤيته، فذهب إليه والتقيا، حيث جلسا معا واستذكرا أيام الدراسة في المدرسة العسكرية.
عند قيام الانقلاب، كان فؤاد عارف يشغل منصب آمر فصيل في معسكر مشاة الموصل، فلم يكن له دور في الانقلاب ولم يكن له علم به، أما علاقته ببكر صدقي فكانت علاقة عمل عابرة ومؤقتة، وحين كان بكر صدقي آمر المنطقة الشرقية في كركوك في عام 1935، كان فؤاد عارف يشغل منصب آمر فصيل في الفوج السابع في كركوك، وقد نقل من ذلك الفوج إلى معسكر مشاة المنطقة الشرقية في كركوك أيضا بصورة مؤقتة لغرض تدريب الجنود الجدد، فكانت علاقته ببكر صدقي علاقة أمر ومرؤوس، فلم يزر فؤاد عارف بكر صدقي في مكتبه سوى مرة واحدة، أثر قيام فؤاد عارف بضرب أحد الجنود الجدد من الذين كان يدربهم، فشكل مجلس تحقيق لمحاكمة فؤاد عارف، أما انطباع بكر صدقي عنه فتجسد في قوله له))أنت ضابط جيد، ولكنك معلم سيء)). أما بشان استدعاء بكر صدقي فؤاد عارف إلى مكتبه، بعد تعيين الأخير مرافقا للملك غازي، فكان لتهنئته على منصبه الجديد والإعراب عن ارتياحه لهذا الاختيار لما عرفه عن فؤاد عارف من خلق من جهة، وإعطائه بعض التعليمات (النصائح) التي تتعلق بالمسؤولية التي أنيطت به من جهة أخرى، لاسيما أن بكر صدقي بدأت تساوره الشكوك من أن بريطانيا تخطط للإطاحة به واغتياله، لذا فانه كان يقدر حجم الخطر الذي قد يلحق بالملك غازي في حالة تعرض بكر صدقي لخطرا ما، بسبب تأييد الملك للانقلاب، ومما يجدر ذكره أن فؤاد عارف كان من الضباط المعجبين والمتأثرين ببكر صدقي، إلا أن ذلك الإعجاب لا يتعدى كون بكر صدقي شخصية عسكرية لامعة آنذاك، لما عرف عنه من دقة وانضباط، واهتمام عال بالتدريب العسكري، إذ عرف بكر صدقي بأنه عسكري ممتاز، فضلا عن تمتعه بثقافة عسكرية واسعة وشخصية قوية، فقد وصفه العقيد الركن صلاح الدين الصباغ، بأنه (...ضابط ركن قدير في الجيشين العراقي والعثماني))، لذا يلاحظ أن فؤاد عارف يطري كثيرا عليه في مذكراته، وذلك لان بكر صدقي كان يعير أهمية كبيرة للضباط والمراتب الذين كانوا بإمرته، من خلال حرصه على إقامة علاقات ودية بينه وبينهم، لاسيما الضباط الصغار أو الجدد، فكان يتبسط معهم ويستفسر عن أحوالهم والمشاكل التي يعانون منها، دون أن يعير لفرق الرتبة العسكرية اهتماما، يتضح مما تقدم أن إعجاب فؤاد عارف ببكر صدقي، كان أعجابا بشخصيته العسكرية، ولم نجد في كلامه شيئا يتعلق بالسياسة حتى نعده من أعوان بكر صدقي.
بقى فؤاد عارف في الحرس الملكي لغاية السابع من آب عام 1937، وخلال تلك المدة كان حريصا على أداء واجبه بشكل جيد، دون أن يتساهل أو يتهاون في ذلك، حتى مع أقرب المقربين من الملك غازي، ولعل حادثة(وصل)، خير دليل على ذلك، التي ذهب على أثرها فؤاد عارف إلى بكر صدقي طالبا نقله إلى السليمانية، فوافق الأخير على طلبه، وهذا الأمر يدل على أن فؤاد عارف لم يكن على علاقة ببكر صدقي، وإلا كيف يكون الأمر عكس ذلك ويوافق على نقله بهذه السرعة والسهولة.
سافر فؤاد عارف بعد ذلك مباشرة إلى السليمانية، قبل أن يصدر أمر نقل رسمي، فعندما راجع أمر الحامية في السليمانية، وابلغه بأنَّه منقول من الحرس الملكي إلى حاميته، أجابه آمر الحامية أن أمر نقله لم يصل إلى الحامية، فقد فهم فؤاد عارف أن الموافقة الشفوية لرئيس أركان الجيش بكر صدقي، كانت كافية لإتمام أمر النقل. وبعد ثلاثة أيام وصلت برقية من بغداد إلى حامية السليمانية، تبلغ آمرها بتسفير فؤاد عارف إلى بغداد فورا، ومن جانبه اعتقد أنه أصبح بحكم المعتقل وسوف يتم سجنه فور وصوله إلى بغداد، لكن شكوكه سرعان ما تبددت فما أن وصل إلى بغداد حتى استقبله آمر الحرس الملكي بحرارة وهنأه على منصبه الجديد، إذ تم تعيينه مرافقا للملك غازي في الثامن من آب عام 1937، بناء على طلب الملك غازي نفسه، وتلبية لرغبة الملكة (عالية)، وفي هذا السياق يذكر فؤاد عارف انه بعد أن التحق بمنصبه كمرافق للملك غازي، رافق الملك غازي والملكة إلى (أبو غريب) حيث يقع قصر(تل الملح)، وحين وصلوا إلى هناك طلب الملك من فؤاد عارف أن يجلس معهم على مائدة واحدة، وفي تلك الجلسة عرف فؤاد عارف أن الملكة عالية كانت وراء تعيينه مرافقا للملك غازي، بعد أن عرفت بأنه طلب النقل إلى السليمانية، اثر حادثة ضربة الوصل، فطلبت من زوجها إعادة فؤاد عارف للحرس الملكي، وبناءً على ذلك طلب الملك غازي من وزارة الدفاع إعادته ليكون مرافقا له، وبدوره قدم فؤاد عارف شكره للملك غازي والملكة عالية لثقتهما به، وهذا يؤكد مدى الثقة المطلقة التي حظي بها فؤاد عارف من لدن العائلة المالكة. تمتع فؤاد عارف بثقة واحترام العائلة المالكة، لاسيما الأمير (زيد بن الشريف حسين)، الذي كان يحب فؤاد عارف ويعتبره من اخلص أصدقاء وضباط الملك غازي، وأراد الأمير زيد أن يكون فؤاد عارف عاملاً من عوامل كبح جماح الملك غازي كما انه أوحى لفؤاد عارف بالزواج بإحدى الأميرات، وكان الأمير زيد يريد أن يؤسس للملكية في العراق، بعد الفراغ الذي تركه رحيل الملك فيصل الأول، وعدم مقدرة نجله على ملء ذلك الفراغ، مما جعل العرش الهاشمي في العراق يقع تحت تأثير ورغبات الساسة العراقيين في تلك المدة.
وعندما قتل بكر صدقي في الموصل مساء الحادي عشر من آب عام1937، كان فؤاد عارف المرافق الخفر في قصر الزهور، وقد علم بخبر مصرعه من الملك غازي نفسه، الذي استدعاه وابلغه بتلك الحادثة التي قتل فيها أيضا قائد القوة الجوية – آنذاك- المقدم (محمد علي جود)، وطلب الملك من فؤاد عارف الاتصال بآمر حامية الموصل اللواء (محمد أمين العمري)، لإبلاغه بضرورة التحفظ على الحقيبة التي كانت بحوزة بكر صدقي، كما أمره بتكرار الاتصال بآمر الحامية لمتابعة موضوع الحقيبة، إلا أن تلك المحاولات باءت بالفشل بعد أن علم الملك في ساعة متأخرة من تلك الليلة بان الحقيبة أصبحت بحوزة احد ضباط الاستخبارات البريطانية.
ترفع فؤاد عارف بتاريخ الثامن من أيلول عام 1937، إلى رتبة ملازم أول، وذلك بموجب الإرادة الملكية رقم (516) الصادرة في الرابع من أيلول عام 1937.
ومن جانب آخر تعرض فؤاد عارف، خلال المدة التي قضاها مرافقا للملك غازي، لمضايقات عدة منها ما يخص قوميته الكردية إذ تحدث بعض الضباط بلهجة استغراب وحسد بشان اختيار الملك لمرافق(كردي)، إذ ذكر فؤاد عارف انه عندما كان مرافقا للملك غازي كان بعض الضباط القوميين العرب يتنابزون بشأن وجود مرافق كردي للملك، وكان من بين هؤلاء الضباط ضباط سوريون، إذ ذكر اسم احدهم وهو (صبحي العمري),أما الضباط العراقيون فكان من بينهم (حمود برجس السعدون، رشيد فليح، وعبد الوهاب الشيخ علي)، مما جعله يطلب من الملك غازي إعفاءه من منصبه، إلا أن الملك رفض طلبه، واتصل برئيس الوزراء ووزير الدفاع آنذاك (جميل المدفعي)، وأكد له: ((..... أن احد أسباب اختياري لك كوزير دفاع هو للحفاظ على الوحدة الوطنية في العراق، ولا أريد أن اسمع أي خلاف بين عربي وكردي في هذا الوطن))، فاستدعى المدفعي الضباط الذين تحدثوا بشان فؤاد عارف، وأجرى تحقيقاً معهم، وهدد غير العراقيين منهم بالتسفير إلى خارج العراق إذا ما قاموا بتكرار ذلك، أشار فؤاد عارف إلى أن جميل المدفعي وبخ هؤلاء الضباط لاسيما السوريون، إذ يذكر فؤاد عارف أن المدفعي قال لهم: ((..... انتم غرباء وهذا ابن البلد)).
أثر مقتل بكر صدقي واستقالة وزارة حكمت سليمان بعد ذلك مباشرة، ازدادت مخاوف الملك غازي على حياته، إذ أن الشكوك كانت تحوم حول معرفته المسبقة بالانقلاب، فأصبح يخشى من قيام معارضي الانقلاب بعمل ما ضده، لاسيما السياسيون الذين لحقهم الضرر بشكل مباشر وغير مباشر نتيجة للانقلاب، فعلى الرغم من تسلم جميل المدفعي – الذي كان يعد من الساسة المعتدلين – رئاسة الوزارة في السابع عشر من آب عام 1937، وكانت مهمة تلك الوزارة إعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل الانقلاب، باتباع سياسة (إسدال الستار) على الماضي، إلا أن ذلك لم يمنع عودة النمط القديم في الصراع على السلطة والخصومات الشخصية، الأمر الذي يبرر مخاوف الملك غازي على حياته، وتوقع تعرضه للخطر في أي وقت.
انعكست تلك المخاوف بشكل مباشر على الرجال المحيطين بالملك، ومنهم فؤاد عارف، إذ بدأت الشكوك تساوره من أشياء كانت تحاك بعد مقتل بكر صدقي وسقوط وزارة حكمت سليمان، ما أدى إلى ظهور مناخ نفسي غير اعتيادي، يختلف تماما عما كانت عليه حياة الملك قبل ذلك، إذ ظهرت بعض الشائعات التي تتعلق بحياة الملك،
ومن جملتها الشائعة التي تحدثت عن وجود (مؤامرة) تستهدف حياة الملك غازي، أثناء قيامه بافتتاح مطار البصرة المدني في الخامس والعشرين من آذار عام 1938، وعلى
 اثر ذلك كلف الملك غازي فؤاد عارف بالسفر إلى البصرة بطائرة خاصة قبل
موعد الافتتاح بيومين، للتقصي عن مدى صحة تلك الشائعة، كما أمره بتبليغ أمر حامية البصرة، بأن تكون مهمة حماية الملك وتأمين حياته من مسؤوليته من وصول الملك إلى مطار البصرة وحتى مغادرته، فاتخذ آمر الحامية الاحتياطات والتدابير الأمنية اللازمة.
بذل فؤاد عارف قصارى جهده لحماية الملك، ففي أثناء جولة الملك في مياه شط العرب والخليج العربي على متن الباخرة (فيصل) التي استمرت قرابة أسبوع، كان فؤاد عارف يبقى طوال الليل مستيقظاً لحماية الملك غازي، لاسيما وان طاقم الباخرة كان خليطاً من البريطانيين والهنود، وفي إحدى الليالي استيقظ الملك غازي فوجد فؤاد عارف مستيقظاً، فاستعلم منه عن سبب عدم نومه، فكان جواب فؤاد عارف للملك غازي انه مستيقظ لحراسته، فقال له الملك: ((..... الآن علمت لِمَ تبقى نائما في الصباح، والكل يستفيقون، كنت أتصورك تحب النوم، ولم أكن أعلم انك الساهر الوحيد على هذه الباخرة.....))، وقد التقط الملك صورة مع فؤاد عارف لإخلاصه وتثميناً لموقفه.
عن رسالة (فؤاد عارف ودوره العسكري والسياسي)