حكاية تأسيس اول حزب معارض في تاريخنا الحديث..الحزب الوطني ودور ابي التمن والبصير في بروزه

حكاية تأسيس اول حزب معارض في تاريخنا الحديث..الحزب الوطني ودور ابي التمن والبصير في بروزه

علي كاظم الكريعي
في 9 شباط 1921م. أصدرت جريدة الإستقلال عدداً خاصا. بمناسبة عودة المنفيين الى بغداد وكتبت في صدر صفحاتها تقول:ـ
     ((نهنئ الأمة العراقية، بقدوم منفينا الكرام، ونطلب إرجاع جميع المنفيين بلا استثناء)) كما انها حملت مطاليب العراقيين ومنها اطلاق حرية الصحافة، واطلاق حرية الإجتماعات وتشكيل الأندية السياسية، كما طالبت الجريدة بأطلاق سراح المسجونين وإرجاع المبعدين والمنفيين، ورفع المحاكم العسكرية، والإسراع في الانتخابات الحرة، وتشكيل المؤتمر العام ومن دون تدخل رجال الإحتلال البريطاني.

وعندما صدرهذا العدد من الجريدة، كان له تأثيرة المدوي في المجتمع، فأحدث هزة عنيفة وخاصة فيما يتعلق بعودة بعض المنفيين، فقامت السلطات المحتلة باصدارأمر يقضي بتعطيل الجريدة، ومنعها من الصدور، ثم القت القبض على مدير الجريدة عبد الغفور البدري وعلى رئيس تحريرها قاسم العلوي وعلى محمد مهدي البصير أحد كبار محرريها. وجرت محاكمة هؤلاء في محكمة الجزاء وأمام رئيسها البريطاني ((الكسندرجي)) وصدر الحكم على البدري بالحبس لمدة سنة وعلى قاسم العلوي ستة أشهر. وحكم على محمد مهدي البصير بالحبس الشديد مع الأشغال الشاقة لمدة سنتين، وبدفع غرامة قدرها ثلاثة الآف روبية ((225)) جنيه استرليني، ومنعه من العمل في الجريدة. وذلك بتهمة الإخلال بالأمن وتحريض الناس ضد السلطة0
     وكان من بين المستمسكات التي أبرزها القاضي البريطاني بيتين من الشعر، من قصيدة ((ياعلم)) التي أنشدها مساء 12 رمضان سنة 1338هـ / الموافق 30 آيار سنة 1920م، في الحفلة التي أقامتها المدرسة الجعفرية.

        وغلى الدم العربي فيَّ فواجبي
    تضميخ مجدي بالدم المهراق
        لأسددن الـى العـدو شـــــوارداً 
   كالموت مالطريدها من واق0
وقد إعتبرت المحكمة هذين البيتين دليل جرم عند محاكمته، إلا أن المندوب السامي ((كوكس)) الذي أحيل اليه هذا الحكم للمصادقة عليه، إستبدله بالحبس الشديد لمدة سنة واحدة. بعد أن أسقط الإستئناف الغرامة وجعل مدة الحبس سنة واحدة.
     وحينما دخل البصير، الى السجن نظم الأبيات التالية، وكان ينبغي ان تذكر في طليعة القسم الخامس من ديوان البركان، ولكنها اهملت سهواً:ـ

        لا جبن يـحـجـزنـي ولا رهب   
   فالمجد يحُرس فيَّ والحسبُ
        غرضي رضاء الشعب اطلبه   
   لا الساحران: المـال والرتب
        يا شعب ثق بمـحـرريك  فهم   
   متــأزرون بـــكـــل مـــا يجب
        لا ينصــرون ســواك ان كتبوا 
  لا يعضدون سواك ان خـطـبوا
        اللـــه يـــعــلــم إنــنــا عـرب  
    قمنا لـكـي يتحـــرر الـــعــرب.

    وفي أواسط شهر آذارمن السنة نفسها، زار طالب النقيب السجناء الثلاثة في سجنهم، وقد أشار البصير الى تلك الزيارة قائلاً:ـ

 ((جاءنا السيد طالب، معاتباً ومشفياٌ لما كنا نكتبه في تأييدنا لملوكية أحد أنجال الشريف حسين بدلاً من تأييده في تتويجه لعرش العراق، ونعمله في الحقل الوطني، وإصرارنا على المضي في سياستنا القومية المعارضة للحكم المزدوج في البلاد، وأشرنا الى السلاسل التي قيدت فيها أرجلنا قائلين: إن هذه السلاسل قد زادت من عقيدتنا لحب الوطن، وزادت في التفاني في سبيل إستقلال بلادنا، إستقلالاً لا تشويه شائبة، وما زلنا نفخر بها كلما مرت ساعات السجن هنا)).
       لبث البصير، في السجن ستة أشهر، نظم خلالها عدة قصائد ومقطوعات، ضمها القسم الخامس من ديوانه ((البركان)) ففي قصيدته ((أيها المسجون)). بدأ البصير فيها ثابت الرأي، راسخ العقيدة، صادق العزيمة، لم ينل منه سجنه، فقد بقي على ما عاهده قومه، وظل صابراً على هذا الأمر، غير عابئ به لإعتقاده أن المناضل في سبيل وطنه وقومه لا بد أن يتعرض للسجن والتشرد والنفي.

        مـك السجــون مــصـــائب وشجون    
                                           فــالله جارك أيـهــا المـسـجو
        صــبراً نــزيل السجــن انـك ناهضٍ    
                                          لتعـز شعبك والخـطــوب تهون
        مـاذا يضـــرك حيـــن تــوقــظ امةً    
                                           من قـاع سجن انـت فيـه رهين
        ولئن سرى في الكون صـوتك عالياً    
                                    وحجبت فالعلق الثمين مصـون
        عـاهــدت قـــومك ان تجـاهـد دونهم   
                                           إن الكريـــم علــى العهود امين
        فأقم على الــعــهـد الـــذي اعطيتهم    
                                           واثبـــت فانـك بــالثبــات قـمين
        واصبـر فكــم غمزت قنـاتــك من يدٍ    
                                           فــأذا بـهـــا صـمــاء ليــس تلين
        كـم قــد زأرت وكــم وثبـت مغاضباً     
                                          فــأهــدأ فــهــذا يـا هـزير عرين
        واذا عــداك رضــوا بسجنـك وحـده     
                              فسواك في ذى الصفقة المغبون.


ظل محمد مهدي البصير في السجن، حتى قدوم الأمير فيصل الأول0
وتتويجه ملكاً على العراق0 فأفرج عنهُ بكفاله نقدية، بشرط أن يبقى تحت رقابة الشرطه لمدة سنة كاملة0 لكن البصير، لم يعبأ بهذين الشرطين، فواصل نشاطه السياسي بكل همة وإصرار، ولم تثنيه عقوبات أعدائه وإجراءاتهم القمعية، فأسهم في تأسيس حزب سياسي سري هو((الحزب الوطني العراقي)). وأصبح عضواً بارزاً في لجنته التأسيسية. و تألفت اللجنة التأسيسية كلاً من، محمد مهدي البصير، ناجي السويدي، محمد رضا الشبيبي، بهجت
      زينل وجلال بابان. محمد مهدي البصير.ثم أختير البصير، عضواً للجنة الدعائية والنشر لهذا الحزب. وعندما كانت هذه اللجنة مجتمعة في دار آل السويدي للمذاكرة في تكوين هذا الحزب، أوفد الملك فيصل، كبير أمناء بلاطة فهمي المدرس ليقول للمجتمعين ((ان الملك لا يرى من المصلحة ان يشتغل العراقيون اليوم في تأليف الجمعيات السياسية، خشية أن تؤدي بحالتهم الى ما آلت اليه حالة الأحزاب في سوريا)).
      كان لهذا التحذير الشبه رسمي، معناه ومغزاه، فما كان من المجتمعين إلا أن يوقفوا نشاطهم، ريثما يتصلون ببعض الساسة للتذاكر معهم، وعندما استأنفوا إجتماعاتهم مرة أُخرى في بيت آل ابي التمن، شعروا ان الآراء قد تضاربت، والأفكار قد تناقضت وتباينت، مما دل على وجود أيد خفية كانت تعمل من وراء الستار، لإحباط كل مسعى خير لتأسيس الأحزاب. وعند عودة جعفر ابو التمن من موسم الحج الى العراق في الأول من ايلول سنة 1921م. وجد محمد مهدي البصير، وجمعاً من الوطنيين يجتمعون بين مدة وأُخرى للمداولة في تأسيس " الحزب الوطني العراقي" فأنظم اليهم وسعى سعيهم لتحقيق فكرة إنشاء هذا الحزب.

فبعد ترشيح فيصل لعرش العراق وتوجهه الى العراق، عاد معه معظم قادة الثورة الذين لجؤوا الى
      الحجاز ومنهم ابو التمن، إلا انه تخلف عن موكب الأمير، زاعماً أ نه يرغب في اداء فريضة الحج، ولما كان البصير من اصدقاء ابو التمن المقربين، فقد نظم قصيدة ترحيبية بحقه بعنوان " ايها البطل    نقتطف منها بعض الأبيات:

       طــرقــت بــغــداد والأقبــال مقتبـــل   
  فعش لشعبك واسلم ايها البطل
       سافـرت امس فكم هز الـحشا وجل    
  وقد سفرت فكم هز الحشا جذل
       يصفق ا لشعب والأحشاء راقصـة  
    وكلنا بك من خمر الهنا ثمــل
       هجرت بـغـداد حينـا ثـم عــدت لهـا 
    وقد تقلص ذاك الحادث الجلـل
وقد تقدمت اللجنة التأسيسية يوم 8 آذار سنة 1922م، بطلب لوزارة الداخلية بأن تسمح لهم بتأسيس حزب سياسي علني باسم " الحزب الوطني العراقي " وأرفقوا طلبهم بالنظام الأساسي للحزب، فكانت الوزارة تماطل وتسوف لأنها كانت تستهدف تكوين حزب واحد معتدل يظم الوطنيين والموالين على السواء.
     وفي 25 حزيران 1922م، أصدر مجلس الوزراء قانوناً أجاز بموجبه تأسيس الأحزاب السياسية، ووضع عقوبات صارمة على أي تجمع لم تصدر به إجازة رسمية. أما وزارة الداخلية، فقد رأت هي الأخرى، أن تضع حداً للإجتماعات السياسية السرية، التي أخذت تنتشر وتتوسع في دور الوطنيين وأنديتهم، فسنت قانوناً نشرته يوم 7ذي القعدة سنة 1340هـ/الموافق 2 تموز 1922م، منعت بموجبه عقد أي إجتماع لم تصدر به إجازة رسمية، فكان قانوناً مقيداً لحرية الأجتماع والتفاهم، وكان ضربة للحركة الوطنية في العراق.
     وعلى ضوء ما تقدم، تأسست في بغداد خلال شهر آب سنة 1922م، ثلاثة أحزاب سياسية هي: الحزب الحر العراقي. وهو من الأحزاب المؤيدة للسلطة، وحزبان معارضان، وهما حزب النهضة العراقية  والحزب الوطني العراقي. وأعلن هذان الحزبان في برنامجهما، وقوفهما ضد الإنتداب أو أي شكل يدل عليه، وكان لظهورهما دليل على نضج الحركة الوطنية.
     وعندما قدمت الوزارة النقبية الثانية إستقالتها يوم 14 آب 1922م، بسبب إنتشار الإضطرابات في بعض أنحاء الفرات الأوسط، ولاسيما في منطقة أبو صخير والشامية، وتصاعد نشاط العناصر الوطنية ضد سياسة الحكومة، اعتبر الوطنيون ذلك نصراً لهم، واخذوا يجاهرون أمام الناس، بان وزارة وطنية سوف تخلف الوزارة النقبية المستقيلة قريباً برأسة محمد الصدر، وان جعفر أبو التمن وحمدي الباجةجي ومولود مخلص سيدخلون فيها، وفي 19 آب نشرت جريدة المفيد بياناً من محمد الصدر، يحث الناس فيه على المثابرة في المطالبة بالإستقلال التام ورفض الإنتداب بكل الوسائل المشروعة.  فعقد الحزبان جلسة مشتركة بتاريخ 20 اب 1922م، برئاسة محمد الصدر، وتلتها جلسة أُخرى في اليوم التالي، حيث قررالحزبان المعارضان تنظيم مظاهرة عامة في يوم التتويج، وتقديم عريضة الى الملك، تتضمن مطاليب الشعب في الإستقلال التام، وتأليف وزارة وطنية من الأكفاء المخلصين، وان لاتعقد أي معاهدة مع بريطانيا قبل تأليف المجلس التأسيسي.
وأقيمت يوم 23 آب 1922م، حفلة بمناسبة الذكرى الأولى لعيد إرتقاء الملك فيصل عرش العراق، فقرر الحزبان ((الوطني والنهضة)) توحيد مساعيهما للمطالبة بحقوق البلاد وإقامة مظاهرة صاخبة في هذا اليوم، فانتخبا لجنة مركزية من أربعة اشخاص، مثل الحزب الوطني العراقي فيها كل من جعفر ابو التمن وبهجت زينل، ومثل حزب النهضة العراقية كل من: محمد حسن كبة وآصف قاسم وفائي، مهمتهما وضع بيان مفصل يتم رفعة الى البلاط الملكي.
     جرى الأحتفال في مقر الملك المطل على نهر دجلة في القشلة، وبينما كان الملك فيصل يستقبل المهنئين، جاءت المظاهرة التي نظمها الحزبان، وكانت كبيرة، حيث قدر عدد المشاركين فيها نحو عشرة الآف متظاهر، فإمتلأت الساحة بهم. إستقبل فيصل وفداً عن الحزبين قبل استقباله المندوب السامي للتهنئة، وسمح لأحد أعضاء الوفد وهو محمد مهدي البصير، بإلقاء خطاباً حماسياً باسم الحزب الوطني من الشرفة المطلة على ساحة الإستقبال((شرفة إستقبال الملك))أوضح فيه
 كيف إنهم كانوا يطالبون باجراء الأنتخابات، لجمع المجلس التاسيسي ليتألف على اثرهالبرلمان وتكون حكومة جلالة الملك مسؤولة أمامه، ثم قرأ محمد حسن كبة وهو من أعضاء اللجنة التنفيذية لحزب النهضة كلمة في التجمع.وبحضور فهمي المدرس كبير أمناء الملك، الذي حضر لسماع كلمة الحزبين، وقد ندد الخطباء بالإنتداب البريطاني على العراق 0
     وفي الوقت الذي كان محمد مهدي البصير، يلقي خطبته على الجماهير المحتشدة، وصل المندوب السامي البريطاني كوكس بصحبة المس بيل وأفراد حاشيته، وحين أخذ كوكس يصعد الدرج المؤدي الى قاعة استقبال الملك، هتف أحد المتظاهرين وإسمه حسون أبو الجبن قائلاً((تسقط انكلترا، يسقط الإنتداب))فردد المتظاهرون هذا الهتاف بصيحات مدوية، فظهرت علامان الإرتباك على وجه كوكس وحاشيته، غير إنهم استمروا في صعودهم الدرج، ثم أدوا مراسيم التهنئة كما ينبغي وعادوا من حيث أتوا.
 إعتبر كوكس هذه الحادثة، إهانة شديدة وجهت اليه والى دولته العظمى، فظن إنها لم تكن قد جرت مصادفة، بل كانت مدبرة من قبل أمناء الملك وخاصة رئيسهم فهمي المدرس، وإن أمناء الملك تعمدوا تعيين موعداً لزعماء المعارضة بالحضور لتهنئة الملك قبيل وصوله، كما إنهم تعمدوا إطالة بقائهم.
     عاد كوكس الى مقره غاضباً لما حصل، فبعث على لسان سكرتيره جانين برسي (Janen Bers) إنذاراً شديد اللهجة الى رئيس الديوان الملكي، أوضح فيه ما لقيه من الإهانة، في وقت كان يقدم مراسيم التبريك بأسم الحكومة البريطانية، وان مثل هذا العمل لا يصح السكوت عنه، وطالب كوكس بمعاقبة المسؤولين عن
هذه الحادثة، وبتقديم إعتذار اليه، وان يعزل فهمي المدرس، إذا كان هو المسؤول رسمياً عما جرى، ويطالب كوكس (ايضاً) ايضاحاً عن الإجراءات التي ينوي جلالة الملك إتخاذها ضد الخطيبين اللذين حقرا مقام الملك بالقائهما خطباً مهيجة.     وبموجب ذلك، سارع الملك الى عزل فهمي المدرس من منصب رئاسة الديوان الملكي، وتقديم الإعتذار نزولاً عند رغبة المندوب السامي وتهديده...
 
عن رسالة
(محمد مهدي البصير ودوره السياسي و...)