تشكلات الموت في الرواية، الصورة الثالثة، والقمحية نموذجاً.

تشكلات الموت في الرواية، الصورة الثالثة، والقمحية نموذجاً.

د. محمد المحفلي*
الرواية إعادة تشكيل للعالم باللغة، أي أن الكاتب يسعى من خلال هذا العمل الأدبي والفني إلى خلق عالم خاص به بواسطة التراكيب والجمل والكلمات، يسمى عالم الرواية أو العالم الروائي، فهو عالم تختلف قدرات الكتاب في تشكيله وهندسة تمظهره. وقد تطور الأدب باختلاف نظرياته ابتداءً من إفلاطون الذي يرى أن الأدب محاكاة للواقع المحسوس،

 مرورا بالرمزية والتجريدية والواقعية وحتى النظريات الحداثية ومابعدها وبعد مابعدها. بيد أن الثابت في هذه النظريات كلِّها أنها جزء أساسي من حركة الحياة التي يعيشها الإنسان‘ تمتح منها أدواتها وتبني أشكالها من موادها الأولية. ولعلَّ الموت جزء أساسي من الحياة، وإن بدا في هذه الصورة المباشرة نقيضا لها. الموت هو الوجه الآخر للحياة، ذلك حين نسلِّم أمرنا إلى فكرة الثنائيات المتقابلة التي تمنحنا قيمة الأشياء، فقيمة الحياة هي أنها ضد الموت. فالراوية إذا هي تشكيل للحياة أو جزء منها، على أن الموت حاضر في هذا التشكيل، ويختلف في تمظهره من نص روائي إلى آخر.
كيف يصنع الكاتب هذه الحياة الموازية في الرواية؟ إن براعة الكاتب تكمن في قدرته على تشكيل هذه الحياة، من حيث المكان والزمان، واستكشاف الأحداث، وتركيب الشخصيات وحركاتها، وبث الحياة في تفاصيلها، وتركيب المنظور الذي يتخللها ويهندس مشاهدها. يصنع الكاتب كل ذلك ثم يضع لها حياتها وموتها، بيد أن القارئ يكون مشدودا في كل التفاصيل بعرى الحياة، ويكون الموت استثناء من ذلك. ولكن يمكن للقارئ المتأني أن يجد أن الموت قد يحضر هو الآخر عنصرا بارزا في تشكيل الحياة، بل قد يكون شخصية من شخصيات هذا العالم الروائي أو حاملا مركزيا لعدد من الدوال التي تستكمل فيها صورة الحياة ومن منظورات مختلفة.
هل يشكل الكاتب الموت بوعي داخل الرواية أم أنه حاضر بفعل الحياة ذاتها؟ الحقيقة أن قارئ الرواية يجد أن هناك الكثير من الكتابات الروائية تستحضر الموت بوصفه هنا جزئا فاعلا في العالم الروائي، فيغدو في كثير من الأحيان الثيمة الرئيسة والمسيطرة كما هو مثلا في رواية نزلاء العتم) لزياد محافظة، التي خصصت لها قراءة سابقة، وجدت في الختام أن ثيمة الموت تصل بها إلى فضاء الحياة ذاتها. وكذلك رواية مياه متصحرة للروائي العراقي حازم كمال الدين، التي يؤسطر فيها الواقع بأدوات الموات. ومن هنا فإن الكثير من الروايات تستدعي الموت وبتشكلات مختلفة، إما بامتداده في مختلف أجزاء المتن، أو بتشكله بصورة مباشرة شخصية وزمانا ومكانا وأحداثا وترميزا.
لقد قرأت روايتي "الصورة الثالثة" للروائي العراقي علي لفتة سعيد، و"القمحية" للروائية الأردنية نوال القصار. ومنذ المفتتح وما قبله نلمح ثيمة الموت، لنجدها تتشعب على أكثر من اتجاه في بواطن النص حضورا مباشرا، وغير مباشر، فهو يحرك الأحداث حينا، ويسكتها حينا، ويحول أحداثا أخرى، ويخرج شخصيات ويدخل أخرى، وهو ماحرك سؤالا مركزيا عن الموت وتشكلاته، ووظائفه داخل النص الروائي.
الموت داخل الرواية هل هو ضرورة روائية؟ أم هو امتداد للحياة الروائية التي يصنعها الكاتب؟ وهل يكون المكون شخصية ضمن الشخصيات الفاعلة في النص؟ وهل هو فاعل أم وظيفة؟ كل هذه التساؤلات ستحاول المقالة الموجزة أن تجد لها إجابات من خلال تحليل الروايتن المذكورتين، التي ربما تستطيع أن تقدم إجابات شافية لهذا المكون الروائي، واستكشاف الأهمية الفنية التي يمثلها داخل النص.
لأغراض منهجية يمكن تقسيم المقال إلى جزءين رئيسين يبحث الأول في وظائف الموت الفنية داخل الرواية، ويبحث القسم الثاني في تشكلاته، على أنه خلال القسيمن ستعمد المقالة إلى الوصول إلى إجابات تبحث في التساؤلات السابقة.
وظائف الموت:
للموت أكثر من وظيفة داخل الرواية بيد اننا هنا سنركز على أهم الوظائف التي تم ملاحظتها داخل الروايتين قيد القراءة، وهي ثلاث وظائف مركزية: وظيفة الاستهلال، ووظيفة التحويل، والوظيفة الرمزية.
وظيفة الاستهلال الروائي: وضع فيلاديمير بروب وظيفة الاستهلال كواحدة من وظائف القصة، بيد أنه في هذه الجزئية نجد الموت بوصفه فاعلا يقوم بوظيفة الاستهلال القصصي أو بالأصح الاستهلال الروائي. وهو قلب فكري يحدث صدمة لدى الملتلقي يدعوه للبحث عن الحياة. فإذا بدأنا برواية الصورة الثالثة نجد أن الموت يتشكل في الاستهلال عبر ثلاث نقاط مركزية، الأولى في الإهداء والثانية في التصدير والثالثة في الموقف البدئي للنص. فقد قال في الإهداء: "إلى والدي الذي علمني أن الوطن أن تعيش ثم مات" (ص: 5). وتبعه في الصفحة التالية بالتصدير الذي عنونه بـكلمات أولى: بمقطوعة من ملحمة جلجامش: " عندما كوَّن الآلهة البشر خصُّوا البشرية بالموت وحفظوا الحياة بين أيديهم" (ص: 7) ثم تبعها في وصف الموقف البدئي الذي افتتحه بمشهد تساقط الوقت من الساعة بما يجسد حالة من تساقط الزمن باتجاه الموت. ثلاثة مواطن مركزية تجسد الموت وتجعل القارئ متجها بحاسة القراءة باتجاهه، جعلت قارئ الصورة الثالثة في هذه العتبات والمداخل الثلاث المتوالية مشدودا ليدخل لأحداث حياة الرواية من بوابة الموت. أما في رواية "القمحية" فلم تتضمن إهداءً ولا تصديرا، وكان الاستهلال الروائي عبر الموقف البدئي للرواية بالوصف المباشر للموت: " كان صوت النحيب هزيلا رغم هول الحدث. وفي بلدة القمحية هذه يعتبر الموت فاجعة في حاراتها المتجاورة الممتدة بغض النظر عن سن المتوفي." (ص:5). هكذا تدخل الكاتبة الأحداث من هذا المشهد المليء بصوت النحيب، تاركة القارئ متسائلا عن هذه الحياة الروائية التي تتفتح بالموت. لعل في الأمر ما يشبه الاستباق في سياق المفارقات الزمنية في البناء الروائي، بيد أن الاستباق هنا جاء من نقطة الموت تحديدا حيث إن الأمر مختص باختيار نقطة الموت لتكون استهلالا جيدا يراى الكاتب أنه الأنسب لجذب القارئ إلى حياة الرواية.
وظيفة التحويل للأحداث: بمعنى أن الموت يحضر هنا بوصفه حيلة فنية يستعملها الكاتب ليساعده على إحداث تحولات في سير أحداث الرواية أو في حصول أحداث عميقة في الذات أو في الشخصيات. تغيرات داخلية قد تنعكس بعد ذلك على مستوى السلوك. في رواية القمحية وبعد المشهد الافتتاحي مباشرة تقول: "نظرت عليا إلى جسده المسجى أمامها وتنفست الصعداء، "أخيرا" همست لنفسها "ظننت أنه لن يموت أبدا" (ص:5) في الحقيقة لقد مثل هذا الموت - بالنسبة للزوجة- تحولا كبير في حياتها وفي حياة الشخصيات كلها، فموت الزوج هو الحدث المركزي الذي انبنت عليه تحولات الرواية كلها وتعقيداتها وأفكارها، فلو لم يكن هذا الموت لكانت الرواية بكلها في حكم المعدومة، إذ نرى أن الرواية تتصاعد على جانبين الجانب الأول ما قبل موت سلمان، والآخر ما بعده، ولكل وجه صورته المغايرة تماما، ولكل وجه تجلياته المختلفة. في رواية الصورة الثالثة يسأل البطل: "متى ستكتب روايتك؟" فيجيب: "عندما يموت أبطال روايتي، فأنا أراقب الطريقة التي تنتهي بها الحياة" (ص: 25). فالموت هنا فنيا هو الفاصل لتحويل الموت إلى حياة، حين يأتي الموت سيكون بداية لحياة أخرى هي الحياة الروائية، على أن الروية في كل مفاصلها لا تخلو من هذا التجسيد لوظيفة التحويل، فقد يكون تحويلا إيجابيا وقد يكون سلبيا، على مستوى الشخصيات أيضا. فالحرب مثلا وهي التي تمثل الموت على امتداد الرواية؛ كانت السبب الرئيس في الكثير من التحولات السلبية التي مست حياة الشخصيات الروائية لا سيما سلوى بطلة الرواية وزوجها والبطل (الراوي) أيضا.
الوظيفة الرمزية: لا يمكن لقارئ الرواية أن يرى الموت دون أن يحمله مسؤولية رمزية لا سيما حين يكون الموت ثيمة مركزية وحين يكون مسيطرا على أجزاء الرواية ومتحكما في مفاصلها، فرواية الصورة الثالثة على سبيل المثال لا يمكن أن نزيح الحرب عن فكرة الموت، فالحرب تجسديا للموت والموت معادلا موضوعيا للحرب، أما في رواية القمحية فالموت هو المعادل الموضوعي لانحراف التقاليد الاجتماعية البالية التي تؤدي إلى الظلم والاضطهاد ومن ثم إلى الموت، فالموت في هذه الحالة يشير صراحة إلى موت الضمير والقيم الجميلة والحرية والعدالة والمساواة وغيرها. وقد تحضر مثلا أن ترتبط فكرة الموت بأقدس الكلمات اللاجتماعية (الشرف على سبيل المثال) الذي سيطر على حيز كبير داخل الرواية تقول في أحدى مقاطعها: "عادت فكرة الشرف تؤرق مضجعها وهي تتذكر سمية التي تزوجت حبيبها رغما عن كل الظروف، وأكملت تعليمها الجامعي ودخلت سوق العمل، وهي زوجة وربة بيت وأم ونجحت وحققت ذاتها، غير أن فكرة الشرف السائدة في مجتمعها ومحيط أسرتها حرمت أولادها من أمهم" (ص: 71) لقد تم الربط رمزيا هنا بين الشرف وبين الموت، فالموت هو المعادل الموضوعي لفكرة الشرف، بالمفهوم الذي يحرم الأطفال من أمهم، ومن ثم أن استمرار فكرة الشرف بهذا المعنى يعادل الموت والانعدام والاندثار لكل ماحولها من القيم التي رصدها، الاستقلال العمل الحرية الطموح وغيرها. أما رواية الصورة الثالثة فقد كثفت أحيانا، ووسعت أحيانا أخرى من مشاهد الموت، وهي في إطار تصوير الحرب.

• اكاديمي وناقد يماني
•   القيت الدراسة في مؤتمر فضاءات للرواية العربية الذي انعقد مؤخرا في العاصمة الاردنية عمان