اول محاكمة سياسية لجريدة عراقية سنة 1921

اول محاكمة سياسية لجريدة عراقية سنة 1921

د.علي الوردي
عد تردد ومماطلة من قبل سلطات الانتداب البريطانية استطاع السيد "عبد الغفور البدري" وهو ضابط عراقي ممن شارك في الثورة العربية الحصول على امتياز إصدار جريدة "الاستقلال" والتي صدر العدد الأول منها بتاريخ 28/أيلول/1920.. حيث جاور مقرها شاطئ النهر في صوب الرصافة قرب المحكمة الشرعية..

تمتع "البدري" بالحزم والقوة في إدارة الصحيفة وبذلك استطاع أن يجمع نخبة جيدة من أصحاب الأقلام الوطنية ليكونوا أسرة تحرير الصحيفة حيث كان يتصدى ويتحمل تبعة ما يكتبونه ويبرز في كل وقت للدفاع عنهم.
تولى رئاسة تحريرها السيد "قاسم العلوي" في حين تكونت أسرة التحرير من "علي محمود الشيخ علي وطالب مشتاق ومهدي البصير وسامي خونده ورشيد الصوفي وعدي بكر صدقي وحسين الرحال ومصطفى علي وباقر الشبيبي وسلمان الشيخ داود وأحمد جمال الدين وفهمي المدرس وعبد اللطيف حبيب وخيري حماد الفلسطيني وغيرهم.
أعطت المس "بيل" الباحثة الاجتماعية البريطانية التي عملت مستشارةً للمندوب السامي البريطاني في العراق والتي تعود لها فكرة تأسيس المتحف العراقي وصفاً غريباً للذين التفوا حول هذه الجريدة.
حيث تقول:- إنهم لا يريدون الأتراك ولكنهم غير راضين عن وضعهم الحالي في ظل الانتداب البريطاني وهم يروجون للأسطورة "البعبع التركي" على أمل عودة الأتراك إلى البلاد بغية ممارسة دورهم في طردهم منها. وتستطرد المس"بيل" في تشخيصها لهذه الجماعة قائلةً: إن أي حكومة تأتي لا تستطيع أن تعتمد على هذه الجماعة التي تمتاز بالصخب وتؤكد ؛ إن هذه الجماعة في حال خروجنا وتقصد "البريطانيين" من العراق ستقف ضد الذين يأتون بعدنا.
كانت صحيفة "الاستقلال" تنادي بولاية الأمير "فيصل" على العراق وتنشر مقالات ومواضيع في مدحه وتذم السوريين الذين أخرجوه من ولاية بلادهم، ويذكر إن هذه الصحيفة كانت قد نشرت في 11/ آب /1920 برقية بريطانية المصدر تناولت خبراً مفاده إن الأمير "فيصل" توجه إلى سويسرا لمقابلة رئيس الوزراء البريطاني الموجود هناك للمداولة في شأن إجلاسه على عرش العراق.
ويذكر أيضاً أن تولي الأمير"فيصل" حكم العراق في ذلك الوقت كان له من يؤيده أمثال الضباط العراقيين الذين شاركوا في الثورة العربية والذين بقوا في سوريا حيث تردت أحوالهم المعيشية وبدأوا يعانون الفقر والفاقة إلى أن نجح وزير الدفاع في أول حكومة عراقية "جعفر باشا العسكري" ونسيبه ومعاونه في وزارة الدفاع "نوري سعيد باشا" تمهيد عودتهم إلى العراق ليمارسوا دورا حقيقيا في تشكيل ملامح الدولة العراقية الفتية.
وأيضا كان في العراق من يعارضون تولي الأمير "فيصل" عرش العراق ومنهم من كان يأمل في الاستئثار بالعرش لنفسه مثل السيد "طالب النقيب" الذي لم يقنع بمنصب وزير الداخلية في أول حكومة عراقية (1921) رغم الامتيازات التي منحت له دون باقي الوزارات من حيث الراتب والمكانة الممنوحة لوزارته في بناية "القشلة" يقال إن السيد "طالب" عرض على "عبد الغفور البدري" مالك جريدة "الاستقلال" مبلغ اثني عشر ألف روبية مقابل التوقف عن مدح الأمير "فيصل" والترويج له عن طريق الصحيفة فرفض "البدري" تلك المساومة ولكن السيد "طالب" لم ينسَ للبدري هذا الموقف حيث بقي يتحين له الفرص للإيقاع به وبصحيفته وقد نجح في ذلك بعد أن تهيأت له الظروف المناسبة.
ما يدعم هذه الرواية:-
ما رواه "سلمان الشيخ داود" أحد محرري صحيفة "الاستقلال" الذي قال إن السيد "طالب" عندما قدم استقالته المسببة من أول حكومة عراقية عازياً سبب استقالته إلى تدخل مستشاري الحكومة البريطانية في عمل الوزارات. قائلاً له: إن ضغوط مورست عليه من قبل جهات بريطانية متنفذة في العراق لسحب الاستقالة وإنه نزولاً عند هذه الطلبات وعد بسحبها طالباً من السيد "سلمان" كتابة مقالاً يمدحه فيه..
أي يمدح السيد "طالب" ويشيد بوطنيته ومواقفه الوطنية، والذي حصل في اليوم التالي من اللقاء كان قد أثار غضب وحنق السيد "طالب" حيث كتب السيد "سلمان الشيخ داود" مقالاً بعنوان "أريد حياته ويريد موتي"تضمن هجوماً لاذعاً على السيد طالب النقيب" من دون ذكر أسمه ولكنه تضمن إشارات واضحة لا تقبل الشك إلى شخص السيد "طالب" بعد هذا الحادث صار السيد "طالب"يتحين الفرصة للإيقاع بجريدة "الاستقلال" وبالعاملين فيها وعلى رأسهم السيد "عبد الغفور البدري"ومحررها "سلمان الشيخ داود".. إلى أن حانت الفرصة وجاءته على طبق من ذهب ففي 9/ شباط /1921 عادت إلى بغداد بعض الشخصيات العراقية التي كانت منفية إلى جزيرة "هينجام" ومن بينهم "أحمد الشيخ داود وجعفر الشبيبي وعارف السويدي ومحمد مصطفى الخليل ونوري فتاح وآخرون" فما كان من صحيفة "الاستقلال" إلا أن أصدرت عدداً خاصاً عن تلك المناسبة تصدره مانشيت يقول "نهنئ الأمة العراقية بقدوم بعض منفييها الكرام ونطلب إرجاع جميع المنفيين بلا استثناء كما إننا نواصل الطلب في تنفيذ سائر المواد السبعة".
من الجدير بالذكر إن أهم ما جاء في المواد السبعة التي طالبت بها الصحيفة في تلك المناسبة كانت تتضمن إطلاق حرية الصحافة والاجتماعات، وإصدار العفو العام، وإلغاء الإدارة العرفية مما أعد بمثابة إعلان منهاجاً للكفاح السياسي لم يكد ينشر العدد بين الناس حتى صدر الأمر من وزارة الداخلية التي يترأسها السيد طالب بإغلاق الجريدة وتوقيف صاحبها مع أحد عشر رجلاً من كادرها.على الفور تَدَخّلَ مستشار وزارة العدلية في وقتها "بونهام كارتر" واستطاع إطلاق سراح سبعة من المعتقلين ثم أبعدت الحكومة إثنين آخرين منهم.. أما الثلاثة الباقون وهم "عبد الغفور البدري صاحب الامتياز وقاسم العلوي رئيس التحرير ومهدي البصير محرر" فقد سيقوا إلى المحكمة.. التي تعتبر أول محاكمة صحفية في تاريخ العراق الحديث، حكمت المحكمة على "البدري" بسنة مع الأشغال الشاقة و"البصير" بتسعة أشهر أما "العلوي" فقد حكم بستة أشهر فيما صدر الحكم بتعطيل الصحيفة لمدة سنة كاملة.
بعدها يحكى إن السيد "طالب" مر بـ"البدري" وهو يعمل في تكسير الأحجار في الشارع مع السجناء العاديين فقال له: "أيعجبك هذا يا عبد الغفور؟" فأجاب البدري: "ليس أحب إلي من التعذيب في سبيل وطني وشعبي، إمضوا في تعذيبي ما شاء لكم الهوى، والويل لكم من الشعب".أما السيد "طالب" والذي لم يفارقه حلم توليه ملك العراق فقد استمر في ممارسته في حشد الدعم من قبل زعماء العشائر معتمداًً في ذلك سياسة الترهيب والترغيب حيث كان يدر الأموال الطائلة في سبيل الوصول إلى هدفه.
وفي وليمة قد أعدت من قبله دعا فيها فضلاً عن بعض الشخصيات وشيوخ العشائر العراقية وبعض البريطانيين وكانت على شرف السير "برسيفال لاندون" المندوب الخاص بجريدة "الديلي تلغراف" اللندنية والذي كان يتكلم العربية بطلاقة، وقد خطط السيد "طالب" لإيصال رسالة إلى السيد "بيرسي كوكس" المندوب السامي البريطاني مفادها إنه باستطاعته تأليب عشائر العراق على النفوذ البريطاني ومهدداً بالثورة مشيراً إلى الشيوخ الذين كانوا حاضرين في الوليمة وما يملكوه من رجال وسلاح.. جاء الرد البريطاني أسرع مما كان متوقعاً.
وصل السيد "كوكس" تقريراً مفصلاً عن الحادث متضمناً تحذيراً من المس "بيل" بأن السيد "طالب" يحاول التهديد بالثورة فضلاً عن تأكيدها على محاولة السيد "طالب" قتل الأمير "فيصل" في حالة قدومه إلى العراق.
من جهته اعتبر السيد "كوكس" كلمة السيد "طالب" في تلك الوليمة بمثابة تهديداً بإعلان الثورة، وإعلاناً ضمنياً بالجهاد وإن الأمر يتطلب سرعة إسكاته وإلا فإن السكوت عنه سوف يقوي شوكته و يجمع الناس حوله فاٌتخذ السيد "كوكس" القرار باعتقال السيد "طالب" وفي عصر 15/ نيسان /1921 إعتقل السيد "طالب النقيب" بعد خروجه من بيت السيد "بيرسي كوكس.
وفي 19/ نيسان /1921 أذيع بيان من المندوب السامي في تبرير نفي السيد "طالب" إلى جزيرة "سيلان" وحسب البيان انه قد تفوه بكلام ينم عن تهديد شائن بإشهار السلاح بوجه الحكومة البريطانية. وإن المنصب الخطير الذي كان السيد طالب يشغله لا يتيح له إقتراف مثل هذه الجريمة.

عن كتاب -لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث /
 الجزء السادس