السرد الروائي وارتباطه بالرؤية المستقبلية.. قراءة في رواية  الخيمة البيضاء

السرد الروائي وارتباطه بالرؤية المستقبلية.. قراءة في رواية الخيمة البيضاء

ضحى عبدالرؤوف المل
لمست الروائية " ليانه بدر"  في روايتها" الخيمة البيضاء"  الصادرة عن دار نوفل تبلورات الاحداث المرتبطة بالمعنى الجوهري لوجود الرئيس" ياسر عرفات"  بالاقامة الجبرية،  لتكتسب الشخصيات اهمية كبرى في الفعل الروائي المبني على الواقع المؤلم لما يجري في المناطق الفلسطينية المحتلة،  من سلب وهدم واحتيالات تؤدي الى مكاسب اسرائيلية وخسارات فلسطينية،

 وذلك بأسلوب درامي تفاعلي يعتمد على الحقائق في الكثير من  الوقائع التي ترصدها روائيا،  لتبقى ضمن ارشيف الرواية كحكاية فلسطينية لا يمكن محوها تاريخيا "منعا لأية مساءلة مفترضة،  اذا ما حصلت أية تسوية قسرية في المستقبل". ربما،  لخوفها من ذلك فعلا استخدمت العنصر الواقعي الاكثر تأثيراً في الواقع لروائي المر، المرتبط بالكثير من الاحداث التي وقعت في فلسطين المحتلة، التي تقع كل يوم وبلسان شخصيات جعلت القارئ يتحسس معهم الاحزان والمخاوف والتحليلات التكوينية،  لمجتمع  يعيش كل يوم الاحساس بالاضطهاد،  وبخطورة ما يجري من ادق التفاصيل اليومية التي تقف خلف كواليس يتم التحضير لها دون علم من الكثيرين "هل يعرف هذا العالم الصغير الكبير أن سكان مدينة كاملة ينهالهم عقاب المحتلين حينما يفرضون عليهم العيش وراء بوابات السجون، وأن عليهم المكوث داخل بيوتهم رغما عنهم.." مما منح الكثير من التفاصيل الروائية حيوية دراماتيكية  اعتمدت على التنوع في بناء الاحداث المنطقية المتنوعة في الرؤية الاجتماعية لبلد يعاني من انتهاك حقوقه،  والصمت العالمي لما يجري فيه، فهل تسهم رواية" خيمة بيضا"  في تكوين رؤية مستقبلية لمخاوف تتسرب الى قلوب الفلسطينين من اية تسويات تجر الكثير من البنود التي لا يمكن الموافقة عليها في ظل الماضي والحاضر وما يجري فيهما؟
تناقضات الواقع في الرواية  وتعدد البيئات في مجتمع مازال ذكوريا دون مبررات لقيم تعتمد على مخلفات الزمن له تأثيره في غنى الدلالات الفكرية ومحاورها المحتفظة بالتصورات ذات النكهة السردية،  المبنية على المادة الواقعية واشكالياتها المرتهنة  بالاحتلال الاسرائيلي وعذابات الشعب الفلسطيني الداخلية والخارجية،   بغض النظر عن الابعاد المستقبلية في الرواية والمخاوف التي ترتسم في الحوارات المبطنة. اذ وظفت الهواجس الروائية لتنتقل تلقائيا الى القارئ عبر تخيلات احتلت ركنا مهما في الرواية وطابعها السردي في معالجة عدة مفاهيم ارتبطت بالنزاع الفلسطيني الاسرائيلي وايديولوجيته المرتبطة بإعادة تشكيل الهوية الفلسطينية في ظل الاحداث والموروثات القديمة لتحديث مسألة الاحتلال  وفهمها بالكامل عبر السرد الروائي الفلسطيني وارتباطه بالرؤية المستقبلية.
صرخة روائية مدوية منحت الرئيس "ياسر عرفات"  عودة لفترة عصيبة مرّت " صار الجيش العدواني يعتبر نفسه حاكما للعالم. سجنوا الرئيس عرفات وقيدوا كل من يتحرك من اهل المدينة. اذ تحكم المكونات الروائية المعنى المترابط،  والذي يحدد مسارات الطبيعة الروائية لخيمة بيضا مكنتها "ليانه بدر"  بخصائص سردية متماسكة، تضمنت عباراتها  شتى المعاني الغارقة بسمات وضعتها ضمن الاطر والمفاهيم المرتبطة بالاحتلال وسيطرته وبطشه. " الجميع كانوا محرومين من الاطلالة على الحياة ذاتها". وكأن الشعب الفلسطيني لا يحيا كبقية الشعوب التي تمارس حقها في الحياة،  لتكون بذلك قد منحت المعنى قوة وجودية بلغت ابعادها خارج النص الروائي،  لينفلت القارئ بتخيلاته لاقصى الواقع المر الذي يعيشه شعب فلسطين في ارضه المحتلة.
وعي في استدراك الوصف بكل انواعه،  ان للطبيعة او لسواها،  وكأن معاناة شعب فلسطين مرتبطة بكل ما حوله،  لأنه بات مشوه الحياة "واتى الصيف حارا مرعب الجمال" اذ يكمن المعنى في عوالم الرواية كافة المرتبطة بالظروف الاجتماعية والسياسية والحياتيه بكافة مراحلها،  وحتى فصول الطبيعة التي تخدم تعابيرالوجع التي بات يشعر فيها الفلسطيني،  وكأن تكاتف الظروف هي البؤرة الحقيقية لتأسيس التحديات في القدرة على البقاء او بالاحرى بلاغة الحياة الفلسطينية ومقاومتها للاحتلال بشتى الانواع النفسية والجسدية.  ليبرهن على وجوده المستهدف للازالة في كل لحظة وتحت اعين الجميع. فهل تحاول "ليانه بدر" بناء خيمة بيضاء تعكس السواد والعتمة التي تلف فلسطين المحتلة في ظل القوة الاسرائيلية الحاكمة للعالم كما توحي الرواية؟
تساؤلا ذات طابع مرير في بنية الرواية كافة "أيجدر بالمرء أن يحزن إن كان يعيش حياة مريرة  يتحكم الاحتلال في جميع تفاصيلها؟! " فهي تخضع لمفهوم العصف الذهني المؤثر على استخراج الاجوبة الاكثر مرارة من التساؤلات، فهي تركت لكثافة التفاصيل الحياتية الفلسطينية الخاصة برام الله والمناطق الاخرى وضمن شخصبات ثابتة ومتغيرة منها ما يبقى في الرواية كالفلسطيني المغروز في ارضه المحتلة،  والبقاء تحت معاناة حتى الطبيعة ومنها من رحل دون عودة الى الرواية مع الامتداد المكاني تارة والاحتفاظ بالبيت الفلسطيني وعاداته من اكل ولباس تارة اخرى.   لتشكل الثوابت الروائية في خيمة بيضا  خصائصها دون التخلي عن متانة اللغة التي استخدمتها،  وببلاغة وبراعة في الحبك ووظائف الاقناع والتأثير ليكون لنشيد البنت ذات الايمان بحقوقها الحضورالمشارك،  وكانها النقطة الفلسطينية التي تسير على الارض والكل ينظر اليها بصمت ويتفاعل مع قضاياها دون مد يد المساعد ة، فهل اغاني الراب الفلسطينية هي نقطة مخفية في توجيه رسائل الجيل الجديد؟..
لم تغفل "ليانة بدر " عن المرأة الطفلة او الشابة او العروس او الكهلة،  وحتى المرأة المسنة " كما أن وضع النساء المسنات حين يعشن وحيدات في هذه البقاع يجعل من تحريك الواقع وترميمه او تغييره شيئاُ في غاية الصعوبة".مع تنظيم ردات الفعل تجاه المرأة التي تنهض بالدور الاساسي في المعاناة،  فهي مضطهدة من الاحتلال الاسرائيلي،  ومن مجتمعها حتى في قضية توريث الارض لها . اذ تبدو المدلولات الروائية المتحدة مع بعضها متشابكة الرؤية،  وكان القارىء دخل المعترك الروائي،  وكانه دخل الى وطن انفرد بعذاباته المختلفة حتى عبر الكاميرا التي تصطاد الاحداث لتوثيقها، فيستخدمها العدو لاصطياد الاماكن وضربها لتكون رديفة للظلم بكل اشكاله والوانه وعذاباته.
ما بين خيمة النهار البيضاء وخيمة الليل السوداء خيمة روائية ارخت ستائرها لترتبط بالاحداث الفلسطينية،  وبالربيع العربي الذي لم ينجب الا الويلات على كافة المدن دون استثناء،  وعلى فلسطين بشكل خاص " المشكلة ان الربيع العربي اثبت أن الجيل الجديد لا يستطيع التغيير بالسهولة ذاتها  التي تصورناها. تبدأ المعادلة بالصح الذي يريده الشباب، لكنها قد تنتهي بخطأ الانظمة القامعة المعتاد."وبتنوع الشخصيات المحبب من نشيد الى من هم داخل السجون الذين ولدوا،  ليكونوا طعاما لسجون الاحتلال او العدو الذي يفعل ما يريد بابناء المجتمع الفلسطيني الذي يعاني ما يعانيه في خيمته الكبرى او بيئته النهارية التي يمضي فيها يتكبد المشقة للحصول على قوت يومه او رؤية سجين يقبع خلف قضبان الظلم الاخرى وبملحمية لم تغفل الاجزاء الصغيرة في الحي الفلسطيني.
تراجيديا روائية تنتقد فيها "ليانه بدر"  الحجر والبشر وبلغة تعكس فهمها السياسي والاجتماعي،  لما يجري في الاراضي المحتلة بل! ويتخطى ذلك لتكون رواية مستقبلية او تحليلية لما يجري في الحاضر،  وارتداد ذلك على المستقبل الذي يتكون دون رؤية عميقة من البعض الذين يصمتون عن العديد من القضايا الانسانية عامة برمتها." ما قيمة هذه المدينة، ان كان الاستثمار العقاري سيحولها الى مخيم من حجر، حيث البيوت تبنى بلا هوية، وحيث الشقق متراصة على شكل ارقام متواصلة تشبه سلاسل السجن."اذ لا يمكن ان تولد المجتمعات بعبثية وعشوائية والبعض يكتفي بالنظر فقط، فجمالية المجتمعات بتكاملها من كافة النواحي ولو كان الاحتلال يدرك ذلك ما بنى المستوطنات التي تاكل من البصر والبشر فالرواية بموضوعيتها الخاصة تمثل نوعا من لفت النظر العالمي الى اصغر الامور التي لا يهتم لها البعض،  وهي تشكل خطورة كبيرة وبتوثيق سردي لم تخلو حبكته من حيوية ومنطقية وتطور في الاحداث الروائية  المنسجمة مع تسلسل الفكرة،  لندخل الى وعي القضايا الفلسطينية وتحت خيمة بيضاء هي ضوء نهار معتم والسعي خلف مفهوم البقاء الفلسطيني في ارض محتلة ينازع فيها الفلسطيني حتى الرمق الاخير.