حكاية (رصافية)..  الشاعر الكبير والعامية البغدادية

حكاية (رصافية).. الشاعر الكبير والعامية البغدادية

صــــادق الازدي
صحفي راحل
من المصادفات الغريبة أن أكون بين القلة التي شيعت الشاعر معروف الرصافي  إلى مقره الأخير في مقبرة الإمام الأعظم مع إنني لا معرفة شخصية لي به. وقد  رأيته للمرة الأولى وهو يلقي قصيدته التي مطلعها:
ابنوا المدارس واستقصوا بها الاملا

حتى نطاول في بنيانها زحلا
وقد ألقاها عند وضع الحجر الأساس لبناية مدرسة التفيض الاهلية في "محلة العاقولية" وكنت انا من طلاب صفوفها الابتدائية وكنت ضمن فريق الأناشيد وكان يشرف عليه المعلم المرحوم حسن الخطيب.

 مقهى الزهاوي
وبعد ان عملت في الصحافة صرت ارى – الرصافي – وهو بين رواد "مقهى الزهاوي". وكان الزهاوي من رواد ذلك المقهى بطبيعة الحال، وكانا – رحمهما الله – يجلسان وحولهما يجلس بعض المعجبين بهما، ولم يكن بينهم من قد توطدت علاقتي به حتى ارجوه أن يقدمني للشاعرين!
وكان مبنى المقهى يومذاك من المباني القديمة. ثم جدد البناء، كما تم تجديد أثاث المقهى، وهو اليوم لا يمت بصلة الى المقهى الأول، لا بمبناه ولا بأثاثه، وان كانت الأرض التي يقوم عليها هي هي!!
الأدب الشعبي!
وكنت قد تتبعت ما صدر من أعداد جريدة "حبزبوز" وكان صاحبها من المعجبين بشخصية الشاعر معروف الرصافي وبسعره فكان لا يذكره على صفحات جريدته إلا بالاحترام الصادق، وكان الرصافي من جانبه يمنح حبه لنوري ثابت وللمرحوم الشاعر الملا عبود الكرخي ايضا، وربما جاء ذلك عن حب الرصافي للادب الشعبي العراقي.
والأعجب فالرصافي قد عرف بغداد خلال حياته منذ مولده سنة 1875 حتى وفاته فيها سنة 1945، فعرف الشعر الشعبي، والامثال البغدادية، والاغاني والبستات وغيرها.
كما تكلم باللهجة البغدادية، ويبدو انه قد استهوته فكرة اعادة كل كلمة ينطقها العامة الى اصلها العربي، اما الكلمات الاعجمية فهي واضحة ومعروفة.

حكاية رصافية
ويروي المرحوم رزوق عيسى حكاية طريفة، وقد نشرها في مجلة "لغة العرب" بعددها الصادر في شهر تشرين الثاني من سنة 1911، وذلك ضمن مقال له كان عنوانه هو: "نظرة عامة في لغة بغداد العامية" قال فيه:
(والى وجود الكلم التركية، قال الرصافي "بينما كنت واقفا مع الواقفين على جسر سامراء تقدم الى رجل وقال لي: "اين تريد؟" فقلت: "اريد العبور الى سامراء" فقال: "أنت قالي؟" وفخم اللام، فلم افطن لما اراد، فقلت: "وما تعني يا هذا؟" فأعاد عليّ الجملة الاستفهامية، وزاد فيها كلمة (هنا) فلم افهم ايضا، فقال: "امقيم انت هنا ام لا؟" فقلت: "لا" وحينئذ علمت ان كلمة (قالي) قد اخذها من كلمة (قالمق) بمعنى البقاء في اللغة التركية.

دفع المراق!!
وقد نشرت جريدة "حبزبور" في عددها الصادر يوم 12 كانون الثاني 1932 ثم في الاعداد الاربعة التالية، نشرت تحت عنوان (دفع المراق في اللغة الدارجة في العراق) بحثا عن عامية بغداد، ومن امثالها على وجه التحقيق، تحدث فيه كاتبه عن الامثال البغدادية، وعلاقة مفردات الكثير منها بالفصحى!.

كاتب البحث...
واشارت الجريدة في مقدمة كتبتها للحلقة الاولى من المقال الى ان كاتبها هو الشاعر الرصافي، وقالت ان البحث قد نشر سابقا في مجلة "لغة العرب" التي اصدرها الاب انستاس الكرملي عام 1911. ثم توقفت عن الصدور عند قيام الحرب العالمية الاولى، واستأنفت الصدور عام 1926 واستمرت تصدر حتى نهاية عام 1931.

طبعة جديدة
وقد قامت "وزارة الإعلام" بإعادة طبع المجلد الأول من تلك المجلة الأدبية والعلمية ذات القيمة التاريخية وذلك سنة 1971، واشرف على اعادة الطبع الأساتذة الدكتور زكي الجابر والدكتور إبراهيم السامرائي وعبد الجبار داود البصري، ثم صدر المجلد الثاني من المجلة سنة 1975 وقد اشرف على طبعه الاستاذ جميل الجبوري، ولم يصدر بعد ذلك المجلد ما يشفي غليل  القراء الذين طال انتظارهم لصدور بقية مجلدات "لغة العرب" دون طائل!.

الما يوني يغرك!
وقراءة جاءت لمقالات الرصافي تجعلنا ندرك مدى المامه بلغة العامة في بغداد، ومن ذلك ما قاله عن المثل البغدادي: "الما يوني يغرك" قال:
- يضرب للامر بالحزم والاحتياط، اي ان الذي لايحتاط في اموره ولايتخذ الاسباب اللازمة للنجاة فيقع في الهلكة كالذي لايحفر حول خيمته نؤياً يمنع السيل عنها، فانه اذا جاء السيل اغرقه، فقولهم في المثل المذكور – يوني – معناه يحفر نؤياً، والنؤي هو الحفير حول البيت لمنع السيل الا انهم حرفوه، فقلبوا الهمزة منه واوا وقدموها على النون وكسروها فصارت – وني – وقالوا منه: ونِّى، يوني، اذا عمل نؤياً.

مثل آخر
وعندما يتطرق الى مثل شعبي اخر هو: "يجد ابو كلاش وياكل ابو جزمة" فيقول الرصافي:
- يضرب للغني الذي يعيش من كد الفقير، ولكل من يعيش من كد غيره الذي هو ارق منه حالاً وكاسف بالاً، فابو كلاش كناية عن الفقير، لان الكلاش عند الفقراء حذاء من خرق يلبسه اهل الارياف من الفلاحين والرعيان وامثالهم، وابو الجزمة كناية عن الغني لان الجزمة هي حذاء ذو رقبة طويلة تغطي الساق يلبسه اهل الترف وسعة العيش.