تذكرة وحيدة للقاهرة  رقصة تانجو جديدة للعشماوي

تذكرة وحيدة للقاهرة رقصة تانجو جديدة للعشماوي

لم يخطط الروائي المصري أشرف العشماوي لكتابة رواية متفردة عن تهجير النوبيين وحياتهم بمصر، فى نادي الجزيرة وحي عابدين وتنقلهم لخدمة البهوات والباشوات بحي الزمالك، ولم يدرك العشماوي للحظة أن رئيس الوزراء  المصرى الأسبق ابراهيم محلب وهو يوقع قرار تعيينه مساعدا أول لوزير العدالة الانتقالية فى آب 2014 ومسؤولا عن الملف النوبي بأكمله،أنه يضعه على أعتاب رواية جديدة ستجبره على كتابتها ليحلق فى آفاق الشهرة مجددا،

 بعدما كان أعد العدة وجهز افكاره وشحن خياله لكتابة رواية أدب جريمة اشتاق لكتابتها كثيرا كما قال، ليفاجئ بعجيبة سر الختم بطل رواية "تذكرة وحيدة للقاهرة" يدعوه لتدوين رحلته الغريبة والشيقة جدا من جبال النوبة لقلب الزمالك لحواري عابدين العتيقة لشاطئ الاسكندرية لجبال سويسرا..

عن تلك المشاعر المتباينة صرح العشماوي بأنه أحب النوبيين جداويعتبرهم جزءا لن ينفصل من وطنه كما يردد المغرضون، تأثر العشماوي  بهم وانحاز لهم، لكن الناقد المصرى الكبير الدكتور جابر عصفور رأى أن العشماوي كتب رواية بارعة فى التشويق وحلاوة الأسلوب وقوة السرد الروائي السلس، لكنه تحامل علي النوبيين جميعا لما رسم  بطل الرواية النوبي ساذجا للغاية وانتقده بأنه كان ينبغي عليه رسم شخصية قوية لا طيبة مستشهدا بسائقه النوبي الذى يلعب بالبيضة والحجر على حد قول الوزير الأسبق فى ندوة الدار المصرية اللبنانية ناشرة الرواية التى يدين لها العشماوي بفضل كبير فى مسيرته الأدبية حسبما يردد بندواته وأحاديثه دوما.

الحقيقة لم يكن عجيبة سر الختم ساذجا كما تصور بعض النقاد والقراء بل كان طيبا مسالما مصدقا للوعود، هكذا رد العشماوي بثقة كبيرة على نقد عصفور مضيفا: انا رسمت الشخصية هكذا وقصدت كل موقف مر به عجيبة للدلالة على أمر آخر بين السطور. ثم داعب العشماوي الوزير الاسبق للثقافة جابر عصفور واصفا سائقه بأنه ليس نوبيا حقيقيا وانما قرر له ذلك فقط ليضمن تعيينه باعتبار أن النوبيين طيبون والوزير قلبه رقيق.

أشرف العشماوي الذى تقبل نقد عصفور بصدر رحب، كان محقا فيما قاله، فرمزية شخصية عجيبة سر الختم تجبر القارئ على اعمال العقل لادراك الاسقاط المقصود من ثنايا الحكاية بين قضية النوبيين الذين صدقوا وعود الملك فؤاد وتعويضاته وعانوا من تجاهل فاروق لقضيتهم وظلم عبد الناصر وقهره لهم، واختطف القدر منهم السادات ليعانوا من المرارة والتجاهل التام وقت مبارك ليختتم محمد مرسي مأساتهم ويكمل معانتهم بقوله انتم جالية نوبية فى مصر ولكم حقوق. هنا يصف العشماوي الرئيس الاسبق للجمهورية بأنه اجهل رئيس بالتاريخ ممن حكموا مصر ولا خبرة لديه فى أي شيء.

هنا أيضا العشماوي لا يقول كلامه ككاتب روائي فحسب، بل يستمد رأيه من تحقيقات طويلة أجراها مع الرئيس السابق محمد مرسي وقت عمل العشماوي بالنيابة العامة لسنوات طويلة محققا جنائيا فى أهم قضايا الرأي العام حتى صار صندوقا أسود من كثرة ما تجمع لديه من أسرار وسأله كثير من الصحفيين متى يكتبها لكن اجابته لم تتغيرفدائما يقول ان لكل شيء أوانا ويتهرب بدبلوماسية من اجابة صريحة. وفيما يبدو انه غير باحث عن شهرة بعيدا عن الكتابة الروائية مثل حال غيره من الروائيين الذين يثيرون كل حين  ضجة حولهم كلماخفتت مبيعاتهم.

تعجبت وغيري من عنوان الرواية، لماذا تذكرة وحيدة للقاهرة؟ ولم لا تكون واحدة لكن العشماوي اجاب عن السؤال على هامش ندوة بالجامعة الامريكية مؤخرا مقررا أن واحدة لا تعني شيئا سوى العدد اما وحيدة فتأكيد للصفة وللاغراق فى الوحدة ووقعها على الاذن اجمل وتثير شجون وتساؤلات تعبر عن حال بطل الرواية فى نهايتها، فهو لم يعد للنوبة ابدا ولم يستقر بها مرة ثانية، وباتت تذكرته وحيدة مثله قابعة فى جيبه تنتظر مصيرها ولا تدري به.

"الحقيقة أن عجيبة سر الختم شخصية روائية من الصعب أن أنساها وأيضا من الصعب ان أكتب غيرها بسهولة الآن ما زلت أحتاج وقتا للخروج من براثنها.." عبارة قالها العشماوي فى حديث صحفي مطول مع جريدة فرنسية مؤكدا أنه بدأ بالفعل كتابة رواية جديدة منذ شهر ثم يصدم قارئه بالقول انني فيما يبدوأكتب سرابا، لا أرى نهاية لروايتي الجديدة ولم أذهب أبعد من الفصل الأول، وما زال عجيبة سر الختم  يقفز لمخيلتي اثناء الكتابة وكأنه يرشدني لرواية اخرى غير التى اكتبها وأظن انني سأستجيب وامتطي حصان خيال اخر تماما!!

وصفته الصحفية الفرنسية وقتها بأن لديه جنون المبدعين الحقيقي وهو روائي يتحدث بصدق وبغير افتعال ويعبر عن حالة متفردة مثل الفنانين الحقيقيين، فالكتابة الروائية ابداع اقرب للجنون خيالات وحيوات مختلفة وعوالم غامضة ومثيرة وعلاقات متشابكة واغلب الروائيين مختلفون عن عامة البشر فالفنون جنون كما يقال، لكن للعشماوي رأيا متفردا فهو يصف إحساسه بالعمل الابداعي بأنه مثل رقصة تانجو على الحافة بين الحقيقة والخيال لابد وأن تتم باتقان ودقة حتى لا نغرق فى الخيال او نطفو على سطح الواقع وهي تحتاج اثنين أنا بعقلي وافكارى ومفاهيمي الحياة وحصان خيالي الجامح الذي يذهب بي لأخر الرواية دون أن أسقط!

أشرف العشماوي الذى يعمل قاضيا بمحكمة جنايات القاهرة حتى الآن يحكم بالاعدام والسجن على البعض أو يقضى ببراءة اخرين،يبدو صارما للغاية اثناء الجلسات كأنه لا يعرف الابتسام من قبل،لكنه عن قرب.. فى صومعته وحياته العادية يبدو مثل عازف بيانو أو فنان تشكيلي لديه طفل كبير كامن فى أعماقه، هيئته،ملابسه، بساطته وتواضعه الجم، خفة ظله الملفتة  وللغرابة ابتسامته الحزينة التى لا تفارق عينيه ووجهه فى نفس الوقت، صوته الخفيض جدا، طريقته فى التعبير السردي برواياته، لكنه عندما يتحدث فى امر يقلقه  يكتسي حديثه بهيبة القاضى على الفور فلا يمكن ان تخطئ العين او الاذن تلك الهيبة ونبرة الحديث بثقة العارف بالحقيقة والذى لا يخجل ابدا من قول " لا أعرف" اذا كان بالفعل متشككا.

الحديث عن العشماوي يطول ويتفرع لموضوعات شتى، أكثر من ست ساعات قضيتها فى مكتبه ببيته بالقاهرة، غرفة أنيقة مطلة على النيل مباشرة، غارقة فى الهدوء، ذاخرة بالكتب لكن فى نظام شديد، الالوان مريحة للاعصاب والكلام يتدفق من الروائي الذى جاء من خارج الصندوق الأدبي بثقة، ليربك حسابات بعض الأدباء الكبار، ينافس بقوة على جوائز ويحتل مكانة متقدمة فى قوائم البيست سيللر ويلقى اعجاب بعض النقاد وكبار الكتاب المصريين والعرب وتترجم رواياته للغات ثلاثة، والان لديه قاعدة كبيرة من القراء تنتظر رواياته كل عام بشغف شديد ويبقى السؤال هل تظل تذكرته الوحيدة للقاهرة جسرا لمزيد من الابداع، أم تكون هى رقصة التانجو الأخيرة لأشرف العشماوي مع خياله الخصب كما قال؟!.