بنية الكتابة: تقنية المذكرات وتنوّع المتون السردية وتقشير الواقع في رواية (مقتل بائع الكتب)

بنية الكتابة: تقنية المذكرات وتنوّع المتون السردية وتقشير الواقع في رواية (مقتل بائع الكتب)

1-2
علي لفته سعيد
لا يشي عنوان رواية سعد محمد رحيم الأخيرة ( مقتل بائع الكتب) الصادرة عن دار سطور على إنها رواية بوليسية أو رواية تحقيق بوليسي بقدر ما هي محاولة لتقشير الواقع من خلال تأثير ايديولوجي على محركات البحث في شخصيات الرواية العديدة.. مقتل بائع الكتب مقتل للوعي والثقافة .. هكذا أرادها الروائي وهي التي  تنتمي الى فكرة مفادها إن الثقافة تعرضت ليس الى التهميش والإقصاء والإبعاد القسري

 بل الى القتل المتعمد الذي لا يشي بمعرفةٍ واضحة للقاتل.. وهي فكرةٌ تعتمد على اختزال المعرفة بدور محدّد من الأفكار التي تم طرحها والتي تريد الاتكاء عليها لكي تنسّق إدارتها وفق مفهوم مسبق يقوده الى حيث يشاء ليبث ما يريد من أهداف وعللٍ وتعريفات وأشجان وغضب وصراع وثيم وتحليل ورؤية.. بمعنى إن مقتل بائع الكتب هي مقتل للوعي وهي فكرة جوهرية لما حصل بعد عام 2003 لكنها رواية تنسج خيوطها بالتراجع الى الخلف ليتبين إن هذه الفئة المقصودة في الرواية وخاصة بطلها لم يكن أسير هذا التاريخ الجديد في العراق بل هو واقع تحت مطرقتها منذ ستينيات القرن الماضي بقطار الموت الذاهب الى نقرة السلمان وهو قطار لقتل الشيوعية والذهاب الى براغ وهي هروب شيوعي والبحث عن الخلاص في فرنسا وهو خلاص بالاندثار في الحرية الطاغية والعودة الى العراق للإنكماش من الفعل السياسي.. ولكن ما بعد التغيير يكون القتل هو الحاصد والحاصل والبيدر والزرع حتى لو كان عن طريق الخطأ رغم إنه جاء كتبريرٍ في نهاية الرواية التي أرادها الروائي أن تكون مفتوحة كما قال لكنه ايضا خوفٌ طاغ من أن يلاحق مقتل بائع الكتب مقتل الكاتب الذي يبحث عن أسباب مقتل البائع رغم إن هذه الاسباب لم تكن هي المعنية في جسد الرواية وبنيتها بل هي تاريخية الشخصية المحورية التي تدور حولها كل المحاور الأخرى.. ولذا فان الرواية لم تكن بعنوانها رواية تحقيق فلو كانت كذلك فان الأجدر والأجدى والأنفع ان يجعل عنونها ( من قتل بائع الكتب؟) كعنوانٍ استفهامي لكي يقود السرد في متونه الى الضالة النهائية..ولكنه كان منصبا بقيادة الفكرة من منبعها لتركيب جدران جديدة في روح البائع وحوله.

الاستهلال بين الروائي والراوي

يبدأ استهلال الرواية في الخطوة الأولى لما يلي العنوان الذي كان محمولا دلاليا آيديولوجيا فكريا ثقافيا مدمجا بالواقع وهو استهلال كاشف أولي للحركات البنائية التي تلي عمليات البحث الطويلة.. وهو استهلال قد يبدو طبيعيا ولكن أيضا قد يكون مقصودا حين يتم ربطه بالنهاية التي يصل إليها الراوي.. فهو يقول ( كنت آخر شخص ينزل من المايكروباص.. وقفت على رصيف شارع الكراج القديم أعدل من هندامي) ص5 وهو ايضا آخر شخص يبدأ بترتيب ما حصل عليه من معلومات حول الشخصية المحورية في الرواية ( محمود المرزوق ) بائع الكتب الذي قتل في بعقوبة في ظروف غامضة او أسباب غامضة رغم ان لا غموض في القتل لما حصل من حرب  أهلية في بعقوبة أو صراعات دامية مع العصابات التكفيرية والمليشيات التي تريد كل منهما فرض أرادتها. الاستهلال لم يكن بنية اعتيادية محضة بل هو عتبة للانتقال الى عتبات أخرى.. الروائي من بعقوبة والراوي ليس منها فيكون غريبا عنها ( أدخلها للمرة الأولى تسبح في ضباب شفيف.. المدينة التي عاشت عنفا داميا طوال السنوات السبع الأخيرة تبدو مسالمة ) وهي محاولة لانفصام الحالين بين الروائي وراويه الذي راح يتحدث بطريقة الأنا الباثة لما يريده فيكون الاستهلال قدرة على توضيح عملية الفصل بين معرفة مسبقة للروائي وبين الراوي الغريب ليكتشف المتلقي ان الروائي ( سعد محمد رحيم) هو أحد الشخصيات الثانوية في الرواية التي يلتقيها في محاورة بسيطة في مكان مع أصدقاء آخرين استخدم اسماءهم الصريحة سواء من كان منهم اديبا او فنانا عراقيا مشهورا.

الشخوص
تبدو شخوص الرواية مثل نقاطٍ تمد أذرعها حول محيط الفكرة من جهة وحول المحورين الأساسين المحركين لفعل الصراع داخل الرواية.. الراوي والمرزوق بائع الكتب.. لتتلاحق معها شخصيات أخرى أكثرها من محيط المحور المبحوث عن تفاصيل حياته وماضيه وما يجب أن يعرف عنه وهي شخصيات قد تكون مجاورة للشخصية المحورية / المرزوق أو مناوئة له أو المحايدة لكنها تشترك في بنية الصراع الذي يستخدمه الروائي هنا عبر مستويين القصدي والتحليلي.. فشخصيات مثل مصطفى كريم وفراس السلمان  ورباب وعزيز المحامي وكذلك فاتن وهيمن قرة داغي وسماهر وعبد الله الحارس وحتى الدكتور حبيب وكاميران عادل فضلا عن شخصية سامي الرفاعي والحاج منصور الهادي وسماهر والشخصية المصرية المتواجدة في فرنسا محمد المنياوي والا هم الصديقة ناتاشا من اصل روسي وأخيرا شخصية أثير العراقي..وهي شخصيات لا تستمر مع الحدث ألّا بقدر تعلقها بالشخصية المحورية المراد البحث عن تفاصيلها وليس بما هي مرتبطة بشخصية الراوي إلّا صديقته التي تأتيه الى بعقوبة وتطالبه بالعودة الى بغداد وهي ايضا لا تمكث في السرد طويلا داخل المتن بل هي تظهر حين يحتاج المتن الى استدراك بين المقاطع او الفصول..وإذا ما أخذنا الشخصية المحورية سنجد انها شخصية يسارية أو الأصح شيوعية منذ نشأتها وهي شخصية مثقفة ومتمردة ويمكن الاستدلال على استخلاص هذه المعلومة من عدة حقائق بثها الروائي على لسان راويه ( لمحت الى أربع صور لأرنستو جيفارا معلقة على الحائط) ص8 فضلا عن الاماكن التي يزورها ونوعية الكتب التي يقرأ وما تحمله رسائله من دلالات عديدة وما يواجهه من محاولات الانفلات من ربلة الواقع الجديد المتعصب..
الصراع ومستويات السرد
تبدأ الرواية بمستوى إخباري في استهلالها وهو مستوى يحاول دمج الحالة النفسية بالمكان في ملاحظة ترتيب الزمان الآني ورغم ان هذا المستوى استخلص خاصية المكان فان من الطبيعي أن يكون المستوى التصويري حاضرا لكنه لم يكن قوياً بما يشي ان الروائي كان معنيا برصف الوصف والتصوير على انه محمول لغوي بل أراده ان يكون هادئا في طرق أبواب المستويات، ولهذا فان الزمن هنا يبدو متوقّفا لولا حركة الشخصية الراوية المتحّدثة المباشرة مع المتلقي فهو يعطي الوقت صباحا ثم يبدأ التنقل داخل أروقة الصراع ليتبين ان الراوي هو شخصية صحفية وليست أدبية وهو ليس من المدينة بدليل ما ذكر في الاستهلال وهو ليس الروائي من أهل المدينة بدليل ذكر الاسم الصريح كأحد الشخوص التي يلتقيها الراوي.. ولهذا نجد ان المستوى الاخباري هو الغالب الإعم الذي يريد الوصول الى محتويات الثيمة الاساسية في صراعها لاستكمال ما جاء في العمود الفقري للفكرة من انها الباحثة عن حيثيات التغيير القاتل في البنى الثقافية والمعرفية العراقية.. ولهذا فان الفكرة قد تبدو عملية تكليف مقنعة في جوانبها السردية كونها مخيلة وغير مقنعة إذا ما تم ربطها بالواقع الذي أراد الروائي أن يثبتها في ترتيب أولويات الكتابة لديه حين يجد رسائل او إيملات أو صور ويقول أنه لن يغير شيئا مما وجده بطريقة القطع للمستويات السردية.. ولهذا فان ما نراه في بنية الصراع إن التكليف المفاجئ الذي أفضى بسرّه الراوي وهو الصحفي الذي يعمل بصحيفة بغدادية وإذا ما تم ربط العلائق المتفرقة في أسباب التكليف من قبل شخصية لا يعرفها ولم يلتق بها إلا عبر الهاتف والرصيد الذي تركه في أحد المصارف لقاء تأليفه لكتاب عن شخصية (محمود المرزوق بائع المكتب الهرم الذي اغتيل قبل شهر في شارع الاطباء ببعقوبة) ص6.. هذه النقلة التي حولت حياة ماجد البغدادي / الراوي الذي يقوده الروائي لبث ما يؤمن به من أفكار ومحمولات ايديولوجية واضحة ومهمة وقادرة على ربط العنوان بالاستهلال بالمتن بالحركة الزمكانية وهي حركة تكاد تقلب حياة الراوي رأسا على عقب من ناحية الاندماج مع هذه الشخصية كونه صحفيا في معرفة الخيوط واستغلال معارفه وكذلك الجانب المادي الذي أفضح عنه مستعينا بما ذكرته القنوات الفضائية وبعض صحف العاصمة من خبر مقتله وهي معلومة تكاد تكون مخالفة  لما جاء بالمتن والتي حاولت البنية الكتابية في إدارتها لأزمنة الفكرة وأزمتها أن تبرره وهي ان المرزوق شخصية غير مؤثرة ولا أحد يعرفها الا في المحيط الذي يعيش فيه ولكن ما تناقلته وسائل الاعلام جعلت منه شخصا آخر ومن المهم البحث عن حياته وليس البحث عمن قتله لان القتل لم يكن شيئا عابرا أو استثنائيا بعد عام 2003 ولهذا نرى ان بنية الكتابة تعتمد بإخفاء السؤال وليس بطرحه واستنطاقه أي ان السؤال المعرفي والمعرفة الدلالية والضوء الذي يراد ان يتوسع كان حاضرا بطريقة اخرى يمكن للمتلقي ان يطرحه نيابة عن الروائي مرة وعن الراوي مرة أخرى. بمعنى ان سؤال المتلقي هو الحصول على إجابة قادمة واجابة المتلقي هو وضع السؤال في النهاية

بنية الروي
ينعكس الروي في ( مقتل بائع الكتب) على كشف الخيوط الاولى وإخبار وتصوير وحوار متقطّع وسرد هادي.. لذا اعتمدت البنية الكتابية على توزيع النقاط على مساحات الفصول لتوصيل الخطوط مع بعضها في النهاية التي تركها الروائي للمتلقي الذي سيشهد إنه أمام محنةٍ أخرى غير محنة تجميع الدلالات وهي محنة لماذا قتل بائع الكتب خطأ.. ولهذا لجأت بنية الكتابة الى تسليط الضوء على الشخصيات لقيادتها من جديد لأنها تحمل بعض اسرار المرزوق، بمعنى ان الشخصيات كما اوضحنا مهمة من ناحية قربها او بعدها فالجميع لديه قول عن الشخصية لمحورية حتى لو كانت بإشارة او من خلال الإجابة عن اسئلة الروي فإنها شخصيات ليست لها حركات فاعلة او منفعلة بقدر ما لها اختصاص التحرك داخل بقع الضوء للكشف عن خفايا المرزوق حتى بدت تلك الشخصيات بلا خلفيات لان الراوي يريد ان يصطاد اي شيء له علاقة حتى انه في بنية الروي جعل اليأس يدخل الى روح الراوي قبل أن تسعفه شخصيات أخرى بأرواقٍ جديدة تحمل بين طياتها ما يود يمكن أن يعين المتن على التقدم الى الامام والتقليل من حالة الياس.لذا تبدو الرؤية العامة لبنية الروي لتفاصيل الفكرة من ان الثيمة أمر سيتم كشفه حين يتم الكشف عن حياة بائع الكتب وليس من قتله وهو بائع مغمور نفخ فيه الروائي روحا لكي يكون له شان و مركزية وهدف آخر غير معلن عن اسباب تأليف كتاب من قبل شخصية غير معروفة لشخصية غير مؤثرة في الواقع ولكن البحث في النتائج يكون السبب أيديولوجي ايضا.. بمعنى آخر أن النقطة الصغيرة التي تتحرك باتجاه النقاط الكبيرة من أجل توليف مناطق صراع تعطي مصداقا للروي والرواية في حبكتها.. ولهذا فان هذه المشهدية تبدأ ما بعد طلب التأليف بمشهدية مقتله برصاصة محملا على المستوى الاخباري الذي ظل ميسرا مع غياب للمستوى القصدي في أوله وهي نقطة أخرى من النقاط لموزعة على ساحة الروي.
ان بنية الكتابة  تعتمد كذلك على الحدث الرئيسي على لسان الراوي وأحداث شخصيات تصب في لغة الراوي والاثنان يبحثان عن حركةٍ تقودها الشخصية المحورية التي تبقى بارزة في الكثير من الأحيان وتختفي في عمق الفكرة لتفجيرها كمحمولٍ فكري وهي هنا تكون معادل موضوعي لحياةٍ كاملة وتتحول من شخصية غامضة الى شخصية عالقة.