رواية (مولود في اكيتو) حينما تمتزج الواقعية بالمأساة

رواية (مولود في اكيتو) حينما تمتزج الواقعية بالمأساة

سالم عبد الله - اربيل
كثيرا ما عبرت الروايات العراقية عن الواقع الذي تعايش معه المجتمع، لكن بما يختص بالحديث عن المأساة التي نالت من مسيحيي هذا البلد فربما كانت الرواية تبحث عن خفايا لتتحدث عنها دون ان تتوسع بإبراز ما عاناه هذا المكون عبر عقود تجسدت معضلاتها بشكل كبير مع حرب التغيير ليجد المسيحيون انفسهم أمام مأساة اكثر وقعا باستمرار استهدافهم من قبل الجماعات المتشددة لينتهوا مشتتين بعد ان تركوا مناطقهم التي استولى عليها تنظيم داعش..

ولم تفصح اية رواية خصوصا ممن صدرت بعد المأساة  التي كشف عنها سيطرة التنظيم عن اضاءات لما عاناه مسيحيو العراق وبالأخص مسيحيي الموصل، فالكثير من تلك الروايات توقفت بشكل جلي أمام نكبة الايزيديين وصدرت بناءً على ذلك روايات عديدة في هذا الصدد لكن الصحفي سامر الياس سعيد التفت الى هذا الامر موظفا إياه بقصة حب تتجسد في مناسبة قومية كاحتفال المسيحيين براس السنة البابلية الآشورية والمعروفة باكيتو ليتجسد بذلك حبهما المولود في لجة الاحزان..
ورغم ان الرواية  تمثل تجربة سعيد الاولى في عالم الرواية  الا انه  قام باصدار عدة كتب  كان اغلبها يتحدث عن عمق المآسي التي تعايش معها ابناء جلدته ومن بينها "حكايات لبدتها الغيوم" الذي صدر له في خريف العام 2015 وفي الكتاب وثق الصحفي ايام عاشها في ظل سيطرة التنظيم على مدينته والممارسات التي اقترفها الاخير بشأن المعابد والأماكن المسيحية فضلا عن تدميره للتماثيل  الموجودة في التقاطعات الرئيسية بمدينة الموصل..
اما روايته الجديدة فهي تتحدث عن قصة حب تنشأ بين مدرسة تدعى سالي وحداد يدعى سلام  وتستهل الرواية بحديث سالي عن الماساة التي واجهتها بفقدانها لزوجها بعد غرقه اثر ركوبه بحر ايجة للوصول الى ملاذ الاستقرار في احدى الدول الاوروبية..
وعبر سامر على لسان بطلة الرواية على مذكرات دونتها لتتحدث من خلالها على احوال مسيحيي الموصل سواء قبل حرب عام 2003 وما بعدها وقارنت بين الاوضاع التي تلظى بها هذا المكون سواء بانتشار الرشوة التي كانت تختصر كل الاجراءات التي تستهدف ارزاق هذا المكون بينما توسعت سالي في التعبير عن حجم الاستهدافات التي طالت المسيحيين باستهداف رجال الدين وتدمير الكنائس امام مرأى القوات الأمنية  مع شواهد تاريخية لما مرت به المدينة من اوضاع قاسية في القرن الثامن عشر تعيد للاذهان ما مرت به مكونات المدينة عبر عشرات العقود..
ولاشك في اختيار بطل الرواية بدا ان له خلفيات مهمة فيما اعاد للاذهان التشتت والنزوح المرير الذي طال المسيحيين فاختار  الروائي سامر الياس لبطل الرواية ان يكون منحدرا من احدى القرى المسيحية المتاخمة للحدود التركية والمعروفة بسناط حيث ارغمت السلطات العراقية في منتصف السبعينات اهالي القرية على ترك قريتهم واللجوء للمنافي والملاذات القريبة وليعمدوا الى تدمير تلك القرية التي كانت مشهورة بطبيعتها واعتماد اهاليها على الثروات الطبيعية في العيش..
هكذا تتحدث رواية مولود في اكيتو لتسلط الضوء على احداث واقعية مر بها المسيحيون لتكون لسان حالهم ازاء ما مروا به من محن ومآس وسيلتصق المسيحيون بما تحدثت عنه الرواية التي عبرت عن ما عاشوه عبر عقود من الزمن من تهميش واستهداف مستمر ارغمهم على البحث عن الملاذات الآمنة باختيار طريق الهروب نحو البلاد الغربية مع اعتزاز بالغ ببلدهم الذين اعتقدوا مرار انه تخلى عنهم ولم يعد البيئة المناسبة لاستمرارية عيشهم..