كيف توسعت مدينة النجف وتعدت سورها القديم سنة 1931؟

كيف توسعت مدينة النجف وتعدت سورها القديم سنة 1931؟

د. عبد الستار شنيّن الجنابي
بسبب معاناة محلات النجف الأربعة من الازدحام و الضيق الشديد  جرت محاولات لتوسيع النجف خارج السور عن طريق السماح للمواطنين بإنشاء الدور ضمن محلة جديدة تكون جنوب المدينة. ينقل جعفر الخليلي في رواية عن الحاج مصطفى الصراف بأن احد اصدقائه كان يسكن هو اخوانه واعمامه واولاد اعمامه في بيت واحد، وقد اختصت كل عائلة بغرفة منها وقد ضاقت بهم لعدم امكان استيعابها لنوم الاولاد

 حتى صار من الصعب ان يمد احدهم رجليه كما يمدها كل نائم، وليس بإمكانهم الخروج وإيجار سكن مستقل بسبب ضعف الميزانية.
  كانت أول محاولة في عام (1315 هـ/ 1897م). فقد ورد في حيثيات قرار اللجنة الخاصة التي اختارتها اللجنة الوزارية  , ومجلس إدارة قضاء النجف التي تكونت من الشيخ جواد بن الشيخ علي صاحب الجواهر، والشيخ علي كاشف الغطاء، و نقيب الاشراف هادي الرفيعي، والحاج عبد الرزاق شمسه، و الحاج عبد المحسن شلاش، والحاج محمد سعيد عجينه لغرض إبداء الرأي حول دعوى وزارة الاوقاف، بوقفية وادي السلام وحدود هذه الوقفية. فقد جاء ضمن قرار هذه اللجنة، انه في سنة (1315هـ/ 1897م) رأت الحكومة العثمانية السابقة توسيع النجف، لما اقتضته الحاجة الماسة والضرورية، لذلك فقد اذنت للسكان بإنشاء الأبنية والدور خارج السور، على ان يدفع الراغب في الحصول على قطعة الأرض (عشرة بارات) عن كل متر مربع مقابل التسجيل بالطابو ومنحه سنداً خاقانياً بالملك الخاص به .
(انقسمت مدينة النجف القديمة داخل سورها القديم الى أربع محلات (اطراف) رئيسة هي:-
محلة المشراق: وتقع في الشمال الشرقي للمدينة.محلة البراق: وتقع في الجنوب الشرقي للمدينة.محلة العمارة: وتقع في الشمال الغربي وغرب المدينة.محلة الحويش: في الجنوب الغربي من المدينة).
و في سنة (1326هـ/ 1908م) وفي زمن ولاية ناظم باشا لبغداد وضع أول مخطط لتوسيع النجف جنوباً خارج السور، بعد ان قرر الوالي توسيع قضية النجف وإنشاء بيوت للأهالي خارج السور في القسم الجنوبي من وادي السلام الخالي من المقابر. فقد تم اخذ مساحة المنطقة ونظمت لها خريطة ثبت عليها تخطيط الشوارع والأزقة ومواقع الدور. وقد ورد ذلك ضمن تقرير لوزارة الأوقاف العراقية في (14 صفر 1340هـ/ 16 تشرين الاول 1921) اثبتت فيه حدود مقبرة وادي السلام و وقفيتها، إشارة للأراضي التي خارج السور.
وفي سنة (1330 هـ/ 1911م) صدر الامر من العاصمة الى ولاية بغداد الذي ابلغ الى قضاء النجف عن طريق سنجق كربلاء، بأن هذه الأراضي أميرية، وأعطى الاذن الى إدارة الدفتر الخاقاني بأخذ البدل ممن تصرف سابقاً وممن يريد ان ينشيء جديداً. وبذلك التاريخ صدر امر قائمقام النجف في ان يعمر الناس ابنية لهم على طريق النجف – الكوفة على جانبي خط التراموي، فحدد قسم من الاهالي مقدار من الأرض وباشر بعضهم بالتعمير فنشبت الحرب العالمية الاولى فتأخرت الإنشاءات ولم تتم بالصورة المخططة لها. الا ان ذلك لم يمنع من إنشاء دار الحكومة وبعض الخانات خارج السور من الجهة الشرقية على جانبي خط السكة الحديدية للتراموي، وقد أنشئت الكثير من الدور التي بلغ تعدادها ما يقرب الخمسمائة دار مع بعض الخانات في الجهة الغربية من السور جنوب محلة العمارة، حيث اخذ الكثير من الناس لاسيماً الفقراء منهم والمهاجرون ببناء مساكن لهم في هذه المنطقة التي دعيت بـ(الثلمة)  بعد ان تداعى السور تهدم بعضٌ منه فأصبحت ثلمة كبيرة  فيه في الجهة الغربية منه امتدت من صافي الصفا الى الباب الغربي للسور، فعرفت بالثلمة. وكان اول من عمر فيها عطية ابو كلل فشيد مضيفا ً له اطلق عليه اسم (الدرعية) تشبها ً بدرعيتي ال سعود وال رشيد، ثم نزل حوله الكثير من الناس وعمروا لهم دورا ً. الا ان هذه الدور والخانات التي بنيت خارج السور سواء في شرق المدينة ام في جنوبها الغربي قد هدمت جميعا ً خلال فترة حصار القوات البريطانية للنجف سنة 1918 على اثر تداعيات مقتل معاون الحاكم السياسي للنجف الكابتن مارشال. اذ يذكر محمد علي كمال الدين – الذي كان شاهد عيان – في مذكراته تحت عنوان  " يومان عصيبان"، ان قوات الجيش البريطاني بعد احتلالها لسور المدينة يوم (7 نيسان 1918) قامت بهدم جميع البيوت المشادة في اواوين السور وعددها لايقل عن خمسمائة بيت، وكذلك جميع البيوت المشادة خارج السور، ومنها محلة كاملة تدعى محلة عطية او   (الثلمة) التي تقع الى جنب محلة العمارة مما يلي مقام زين العابدين، وعدد دور هذه المحلة لايقل عن خمسمائة بيت، فبلغ عدد الدور المخربة خلال يومين اكثر من الف دار.
لكن بعد قيام الحكم الوطني وتأسيس الدولة العراقية، واستقرار اوضاع النجف في جانبها الامني وزوال خطر الاعراب، والوهابيين، و احتمال مهاجمتهم للنجف، تشجع الناس في البناء خارج السور، فتم اعادة بناء المنطقة الممتدة غرب وجنوب غرب السور واصبحت مناطق سكنية جيدة وسميت بـ(الثلمة) و (الشوافع). واصبحت هاتان المنطقتان لاحقا ً مركزا ً للصناعات والحرف اليدوية كالنسيج والفخار ودباغة الجلود , فضلاً عن تربية الحيوانات، وكان الانتشار فيها عشوائيا ً من دون خطط.
اما في منطقة شرق المدينة على جانبي الطريق المؤدي الى مدينة الكوفة فقد اشارت مخاطبات متصرفية لواء كربلاء لسنة 1921 الخاصة بحدود مقبرة وادي السلام ووقفيتها، الى ان الحكومة كانت تُرغِّب الاهالي بالاعمار خارج السور، وان هناك فعلا ً الكثير من الابنية والاملاك التي هي تحت تصرف اصحابها وان بعضهم في يده اوراقا ً خاقانية.
وقد نظم  مأمور طابو النجف تقريرا ً مفصلا ً عن كل الاملاك التي تقع خارج السور من الاراضي الاميرية، والوقفية التي تخص وادي السلام، والتي بيد اصحابها سندات طابو، وهي تتراوح بين دور سكنية وخانات ومقاهي ومعامل دباغة فضلاً عن محطة شركة التراموي وسكتها .
وقد وصف تقرير الدور الإداري لمتصرف لواء كربلاء جلال بابان حالة مدينة النجف العمرانية حتى بداية سنة (1931)، فذكر بأن النجف ليس فيها من العمران ما يجدر ذكره، وان ابنيتها في اغلبها قديمة وكثير منها غير صالح، ودورها متصلة اتصالا ً كليا ً، وطرقها ضيقة وقال انه لا يؤمل في ان يحدث عمرانا ً جديا ً في الوقت القريب، لاسيما ان بوادر الحال تسير الى ضعف  الآمال، نظرا ً للوضع الاقتصادي السيء، وانقطاع الزائرين، و ان الظروف الحالية والأزمة الاقتصادية الاخذة بخناق الأهليين بدرجة لا تساعد على طرق مجال العمران لاعتبارها قضية كمالية في هذا الظرف .
استمرت النجف تعاني من تزايد اعداد السكان، ومحدودية المساحة فكان لابد من الانطلاق خارج السور لانشاء محلات جديدة تخفف من الازدحام المتزايد للسكان . ومع  مباشرة القائمقام جعفر حمندي في (11 مايس 1931) بدأ التفكير في هذا المشروع. حيث تم تخطيط ما وراء السور من الأرض في جنوب المدينة على شكل قطع سكنية رخيصة تفيد الناس في توسيع مساكنهم والخروج بهم من تلك الأزقة الضيقة، وتستفيد البلدية من اثمانها في تحسين خدماتها. وفعلا ً تم الشروع بالعمل بفتح خمس فتحات واسعة في السور مقابل كل شارع رئيس جديد في المحلة الجديدة. وبيعت قطع الاراضي بأقل من مائة فلس للمتر المربع الواحد وبعضها بيع بعشرين فلسا ً للمتر المربع الواحد. و قد حصلت موافقة وزارة المعارف على إنشاء   مدرستين في هذه المحلة. و وافقت وزارة الصحة على إنشاء مستشفى جديد فيها وضع لها الملك فيصل الاول حجر الاساس بنفسه. و تم إنشاء اول نادي ترفيهي للموظفين في النجف في هذه المحلة. و منحت الأسر الفقيرة ممن كانت تسكن في اواوين السور قطع اراضي من دون مقابل , وسعت البلدية على إعانة بعضهم بالطابوق والجص مجانا ً.
وعلى الرغم من ذلك فإن حركة الأعمار كانت بطيئة لدرجة انه لم يتم إنشاء اكثر من  (200) دار خلال أربع سنوات، والسبب في ذلك يعود في تقديرنا الى الوضع الاقتصادي الذي كان يمر به العراق بسبب انعكاسات الأزمة الاقتصادية العالمية، زيادة على الظرف الخاص الذي كانت تمر به النجف بسبب انقطاع قدوم الزائرين الاجانب اليها وعلى الاخص الإيرانيين. لكن مع مرور الوقت حصلت حركة اعمار وبناء متدرجة نتج عنها قيام المحلة الجديدة على وفق تخطيط حديث ومنظم وشوارع مستقيمة واسعة، وما ان دخلت سنة (1938) حتى شيدت فيها الاف الدور. واخذت هذه المحلة، التي اطلق عليها اسم محلة الامير غازي تيمنا ً بالامير غازي، تنافس البلدة القديمة في سعتها وعدد دورها ومرافقها العامة وقد ارخ انشاء هذه المحلة الشاعر علي البازي فقال:
        لقد سعى (جعفر) في وقتـه     
    بوضع مشروع عظيم خطر
        فاستوجب الشكر على سعيه   
        باسم بلاد النجف المسـتنير
        محلـة الغازي قـد أسست     
       أرختها أيام غـازي الأمير.

خُططت هذه المحلة على وفق أسلوب حديث روعيت فيه الشروط الصحية وامكانية غرس الحدائق وحاجات السكن المريح، فقد قسمت المنطقة على شكل مستطيلات سكنية يحتوي كل مستطيل على ثماني قطع سكنية بمساحات مختلفة تشرف على شوارع عريضة مقاطعة.  واستمر البناء في هذه المحلة من دون انقطاع حتى الخمسينيات وبسبب سعتها وكون اغلب سكانها فقراء حرم معظم هؤلاء من خدمات الماء والكهرباء حتى سنة (1947) .
وفي عهد القائمقام صالح حمام، وبالتحديد سنة (1937) تم الشروع بهدم السور المحيط بالنجف بجميع جوانبه، ولما كانت الكثير من العوائل الفقيرة تسكن في أواوين السور او بدور ملاصقة له، فقد تضررت بعض الدور من عملية الهدم , والتوسيع لإنشاء شارع واسع   مكانه، فتم تعويض هؤلاء جميعا ً بمنحهم قطع أراضي بأسعار شبه مجانية وبعضها مجاني في المنطقة الواقعة الى جانبي محلة الأمير غازي الجديدة، فنشأت محلة أخرى سُميت بـ (الصالحية) امتنانا ً للقائمقام صالح حمام الذي سعى في إنشائها  وقد أتم القائمقامون الذين جاؤوا بعده مثل عبد الرحمن جودت، وناجي الجوهر، ولطفي علي، هذا المشروع الذي اشتمل على توسيع المحلات الجديدة وفتح شوارع جديدة واسعة داخل المدينة القديمة، فضلاً عن تعديل استقامة بعض الأسواق والشوارع القديمة لتسهيل حركة المواصلات والمشاة فيها بما يحقق انسيابية كافية لاستيعاب حركة السكان والزائرين خصوصا ً في مواسم الزيارة التي تستقبل النجف فيها عشرات الآلاف من الزائرين، ويصل العدد فيها في بعض الزيارات المخصوصة الى أكثر من ذلك.
ففي سنة (1931) وبعد المباشرة بالأعمار في محلة الأمير غازي ولأجل ربط هذه المحلة بالمدينة القديمة، تم عمل خمس فتحات كبيرة في السور من الجهة الجنوبية تقابل خمسة شوارع رئيسة في المحلة الجديدة وتم ايصالها بالمدينة القديمة في خمس نقاط. وسُميت هذه الشوارع بأسماء عربية كشارع النعمان، وشارع الخورنق، وشارع الحسين (ع) . وبعد  اتمام هدم السور سنة (1937) تم استحداث شارع جديد في مكان السور، كانت له الأهمية الكبرى في خلق انسيابية واضحة داخل المدينة، حيث يبدأ هذا الشارع من بوابة المدينة الشرقية التي اصبحت ساحة الميدان فيما بعد، ويدور حول المدينة دورة كاملة ليصبح احد شرايين المدينة منذ انشائه حتى اليوم.
وفي التقرير الإداري للنصف الأول من سنة (1938) لمتصرف لواء كربلاء عبد الرزاق الازري يصف حالة الأعمار التي جرت في النجف في هذه الفترة، فيذكر ان التوسعات في النجف جارية بصورة سريعة، وقد شيدت محلة جديدة خارج السور القديم سُميت بمحلة الأمير غازي، شُيدت فيها الاف الدور حيث تم تمليك العرصات الأميرية الى الأهالي والكثير من أصحاب الدور العتيقة التي كانت اشبه بالكهوف الملاصقة لجدار السور التي تم هدمها. ويذكر التقرير، ان الباعث لهدمها كان للتخلص من الساكنين فيها الذين كانوا يعيشون بحالة مزرية لدرجة انها كانت مصدرا ً للأمراض والمشاكل الكثيرة، ولغرض تسهيل امكانية اتصال الدور في المحلات القديمة بالدور المنشأة في المحلة الجديدة. وتوقع التقرير ان النجف ستصل الحد الأقصى من التوسع عندما يتم تشغيل مشروعي إسالة الماء والكهرباء الجديدين اللذين انشئا لحساب البلدية .
ومع بداية سنة (1940) قدمت قائمقامية النجف مشروعاً لتطوير مقبرة وادي السلام، التي مرت عليها قرون طويلة من دون ان يلتفت إليها احد. وكان الاقتراح يقضي بأن تقسّم هذه المقبرة على شكل مربعات متساوية تتخللها شوارع داخلية متعامدة لغرض المرور والعبور، فضلا عن وضع سياج خارجي يحيط بالمقبرة من جميع جوانبها، لكي يفصل بينها وبين المدينة، ثم يباشر بتشجير شوارعها الداخلية وسياجها الخارجي لتكون على غرار المقابر الحديثة، فضلا ً عن تأثيره في تحسين منظر المدينة ومدخلها. غير انه لم يقر من المشروع سوى موضوع السياج الذي بوشر بوضعه من دون ان يتم إكماله، حيث تعثر ذلك بسبب قلة التخصصات المالية، ولم يتم اكمال المرحلة الثانية من التسييج الا سنة (1946).
وفي سنة (1941) وبسبب ضيق السوق الكبير، ولتعرجه وعدم استقامة الأسواق المتفرعة منه، وضع مخطط لتوسيع السوق وجعله مستقيما ً وذلك من اجل ان يستوعب حركة المرور فيه وخصوصا ً في ايام المناسبات، وقد بوشر فعلا ً بتوسيع واستقامة سوق القصابين المُتفرع من السوق الكبير. وفي سنة (1943) تم المباشرة بسوق الصاغة و بالطريقة نفسها، كما تم إزالة خان (ابو الخل) وشق شارع يوصل طريق الكوفة بقلب المدينة مباشرة .

عن رسالة (التاريخ الاجتماعي للنجف)