كرستين لافرانسداتر بين الفتاة  الحالمة، والزوجة المتناقضة السقيمة

كرستين لافرانسداتر بين الفتاة الحالمة، والزوجة المتناقضة السقيمة

زينب المشاط
متناقضون نحن، نقع بين أضدادنا، لنكون الخاسر الأكبر بسبب غرورونا، فنحن نحاول تسجيل النقاط الأكبر ضد من نحب، في حين بإمكاننا أن نمتزج معه لنحيا بعوالم أكثر إشراقاً، تُرى ماذا لو أُتيحت لواحدنا فرصة رؤية حياته بهذا الوضوح من مبتدئها لمنتهاها قبل أن يفوت الأوان؟ هل سنتصالح مع أضدادنا، ونخلع زيّ الضحايا ذلك الذي نستر به ذنوبنا، ونستمتع من خلاله بماسوشيتنا، هل سيعترف أحدنا بأنه ضحية نفسه؟

كريستين بطلة رواية " كرستين لافرانسداتر" في جزئها الأول " إكليل العروس" للروائية سيغريد أوندست" الحائزة على جائزة نوبل عام 1928، والتي صدرت عن مؤسسة المدى للإعلام والثقافة والفنون بترجمة توفيق الأسدي، ومراجعة مجيد راضي، هذه المرأة المتناقضة في مشاعرها وأفكارها، عدوة عشقها، تنجرف ضد تيارات مشاعرها، فما تخلق بذلك لحياتها سوى التعاسة.
رواية " كرستين لافرانسداتر" جاءت بثلاثة اجراء، إكليل العروس: هو الجزء الأول من حياتها، طفولتها، و من ثم قصة حبها مع إرلند حتى زفافها، تميز هذا الجزء بأسلوب الكاتبة الحالم والذي تضمن قصة لفتاة جميلة في تلك السهوب البعيدة، يشعر القارئ أنه يستلقي على ظهر غمامة و يشاهد العالم الذي يمر تحته بوداعة.
سيدة هوسابي: و هو الجزء الثاني من حياتها، من انتقالها إلى ضيعة زوجها (هوسابي) و حتى محنته، في هذا الجزء سقطت الرواية من عالم الأحلام على أم رأسها إلى الواقع " خلافاتهما، حملها و ولاداتها المستنزفة للصحة، ادارتها شؤون ضيعة زوجها، قلبها المليء بالمرار اللامنطقي، المحنة التي نزلت بهم" يعني هي الرواية التي تخبرنا ما يحدث بعد أن يتزوج البطل من البطلة، وأظن أن هذا الجزء سيعجب الذين يميلون للروايات الاجتماعية، كما أن الشخصيات باتت أكثر تطورا.
الصليب: و هو الجزء الثالث من حياتها، من عودتها إلى ضيعتها بعد فقدانهم لثروة زوجها، و كبر أولادها و هجر زوجها لها و موته، و نذر نفسها للكنيسة، قد يُصاب القارئ هنا بالإسهاب بسبب خلافاتهما اللامنتهية و بعض الإسهاب الوعظي نظرا لازدياد تدينها، و لكن الأسلوب أيضا كان ناضجا و متقنا في تحليل الشخصيات و تناقضاتها.
الرواية تستحق القراءة، على أي حال كانت و أي ذائقة امتلكت حتى لمن لا يميل للروايات الإجتماعية والواقعية، كما لا يمكن القول إن هذه الرواية من الروائع الأدبية، لأنها قد ترفع الضغط في بعض الأحيان بسبب كريستين وزوجها، وخلافاتهما المتكررة، وبسبب الإسهاب في بعض فصول الرواية، إلا أنها متقنة بشكل فني متميز.
و يعود نجاح أوندست او كما أطلق عليها النقاد لقب  " زولا العصور الوسطى "  لتعاملها مع الرواية والقصة القصيرة برؤية واقعية مثل الأديب الفرنسي المبدع إميل زولا، الى قدرتها على تقديم صورة حقيقية للتاريخ فضلا عن عنصر التشويق الذي أجادته على نحو لافت.‏
ولدت سيغريد في مدينة كالوندبورغ في الدانمارك عام 1882 من أب نرويجي وأم هولندية، وقد انتقلت عائلتها بعد مضي عامين على ولادتها إلى أوسلو، حيث عمل والدها بتدريس الآثار في الجامعة، كان لاهتمام أبيها بالتاريخ تأثير كبير عليها، تمثل في ولعها بالتاريخ الدرامي لحضارة النرويج القديمة والخاصة بالبلدان الاسكندنافية التي قرأت عنها بصورة شاملة في طفولتها
تقع الرواية في ثلاثة أجزاء تتابع فيها الروائية مسيرة حياة البطلة "كرستين" وما مر بها من أحداث ضمن أسلوب وصفي مشوق يسوده مناخ إيماني لترجح الكاتبة بالنهاية انتصار الإنسان المؤمن على الشيطان والفضيلة على الرذيلة.