كتاب  مدن محاصرة   جزء من ستراتيجية البنتاغون المضادة للتمرّد

كتاب مدن محاصرة جزء من ستراتيجية البنتاغون المضادة للتمرّد

ترجمة: عباس المفرجي
في هذا الكتاب، ثمة نسخة من بوستر يدعو الى التجنيد للقوات الامريكية الخاصة (يو أس سبشل فورسس)، يعرض ثلاثة جنود مظليين يؤدون في تشكيل قفزة مفتوحة من ارتفاعات عالية، وهم كما يظهر يدفعون بأنفسهم صوب المشاهد. إنهم يبدون مخيفين الى حد ما. لكن النص في الأعلى وبحروف كبيرة يجري على هذا النحو: ((قفزة ’ الهالة ‘ لم تكن هي الجزء الأصعب، إنما معرفة أي لهجة عربية عليّ استخدامها حين اهبط.))

كان هذا، كما يكتب البروفيسر غراهام، جزءا من ستراتيجية البنتاغون المضادة للتمرّد والمعروفة بـ " الإنقلاب الثقافي "، والمتركزة على ما يدعونه بـ ’’ نظام الحقل البشري ‘‘. وهي أيضا، في رأي غراهام الدقيق، ((احتيال بالكامل)).


إسمعْ، عليك قراءة هذا الكتاب. لأن ما حدث في بغداد والمدن الأخرى المحتلة أو المتنازع عليها ــ ليس فقط الإشراف، بل العمليات الحربية أيضا ــ هو في سبيله الى أن يحدث هنا. في بعض الحالات، تحوّل الأمر على هذا النحو مسبقا، أو ان هناك خططا لإمكان حدوث هذا الشيء، في حال قيام مشاكل جدّية.
غراهام يعرف عمّ يتحدث. لم أكن أدرك بأن هناك مثل منصب بروفيسر مدن ومجتمع، لكن هذا مايشغله في جامعة نيوكاسل، وشهادة هذا الكتاب تجعلني مسرورا بوجود هذا المنصب. وهو يستغله على أحسن وجه. فهو ملمّ بموضوعه إلماما تاما، وقادر على إيجاد صلات مضايقة، قد يكون كلها او لا يكون من المرعب سماعها.
لو كنت واحدا من اولئك ــ ونحن، كما أستنتج، من الأقلية ــ الذين ينتابهم القلق من تصاعد مدّ مجتمع المراقبة (واحدا من مناطق قليلة جدا حيث بإمكان هذا البلد أن يدّعي زعامة العالم) فعليك قراءة هذا الكتاب، برغم القلق الذي سينبث في الخوف المَرَضي التام. أولئك الذين يعتقدون بأن الذنب فقط له علاقة بالخوف، ولم يروا ابدا غرابة في ملصقات النقل العام لمدينة لندن التي تنصّ على ((الأمن في ظل العيون المراقبة))، عليهم شراء هذا الكتاب كي يفكروا من جديد. (ذلك الإعلان، المنسوخ في الكتاب، يُظهِر عيونا كثيرة مع نافذة مدوّرة في قزحية عين، تطمئننا بأن كاميرات المراقبة (سي سي تي في) تجعلنا آمنين. ألا يذكرنا تصميم الاعلان هذا، لشفرة الأربعينات المختارة عشوائيا، بجورج اورويل؟)
المسألة هي، كما يروي لنا غراهام سابقا، أن أصحاب السلطة، وبوجه خاص اولئك في الحزب الجمهوري في امريكا، لا يحبون المدن. لأنها أمكنة متنوّعة عرقيا وملأى بليبراليين لا يصوّتون لهم. أنظرْ الى كل تلك الخرائط التي تبيّن، بعد النصر الرئاسي لبوش الإبن، المدن الملوّنة بالأزرق (الديمقراطيين)، محاطة ببحر من المناطق الريفية والضواحي الحمراء (الجمهوريون). ((ربما يحتفظ الأصوليون المسيحيون والمحافظون الجدد بمشهد للمدن المركزية للولايات المتحدة شبيه على نحو لافت بذلك المشهد الذي تحتفظ به القاعدة.))
بعد قليل من الفحص الدقيق، وبضعة أمثلة، لا يبدو هذا مفاجئا البتة. ضمْ هذا الموقف الى الفضاءات المدينية وسكانها (رؤية ارتيابية، امتدادها المنطقي فلم جون كاربنتر " الهروب من نيويورك "، الذي تحوّل فيه كل حي مانهاتن الى مستعمرة للخارجين على القانون)، مع ذلك النوع من المشاكل التي افرزها إحتلال بغداد، وذلك النوع من الحلول التي طبقتها الحكومة الاسرائيلية لمواجهة التهديدات التي تتعرض لها، لنقل من سكان غزة، فسيكون لديك مزيج ينتج مسبقا نوعا من مجتمع هدفه المراقبة والسيطرة على كل فرد من السكان.
هو لم يقل أن ذلك ليس الا خطوة قصيرة لمعاملة كل المدن بالطريقة التي تعامل بها اسرائيل غزة ــ ((الحيلة المنطقية المعروفة الآن بتصنيف كامل المدينية لمجتمع غزة بكونها مجرد ’ قاعدة إرهابية ‘ يجب أن تدمَّر بالكامل.)) لكنه يشير الى أن الجيش الامريكي شاهد كيف كان الجيش الاسرائيلي ينشر بلدوزرات الدي 9 لإجتثاث كامل الملكيات المشتركة، ويشتري بعضا منها ويتعلم كيفية إستخدامها أيضا. (هناك نحو مئة نموذج كامل لمدن ’’ عربية ‘‘، على الأغلب في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، حيث يتدرب الجنود. بعضهم علّق حبال غسيل واطلقوا حميرا تتجوّل في المكان من اجل محاكاة مضافة للواقع.) أضفْ الى هذا تجمعات مخابراتية واسعة، وستكون بمواجهة شيء قريب الى الكوابيس. بعد فترة من الزمن، تتساءل ما إذا كان كتاب مثل هذا مسموحا بنشره لوقت أطول.
عند هذه المسألة ــ برغم أنك، كقارئ، من المحتمل أن توافق على ما ورد في هذا الكتاب أكثر من الكتب الأخرى ــ يمكن أن تتساءل إن كان هذا هو كله نوعا من ترويج إشاعات مقلقة من جانب غراهام. وبرغم أن هذا الكتاب هو بحث اكاديمي أكثر من عمل يشغل رفوف محل بيع الكتب، فإن هناك شيء ما حوله ــ النسخ الوافرة من المخططات البيانية والإعلانات المخيفة تجعل من المحتوى مشؤوما ــ يجعلك تشعر كما لو أنك تشاهد فلما وثائقيا لآدم كورتس. لكن هذا هو الى حد ما أكثر إزعاجا من ذاك: مصادره ومراجعه موجودة في أسفل كل صفحة. وعندما ترى صور عربات الهَمَر المصنّعة لجذب المجندين الهيسبانك [ ذوي الأصول اللاتينية ] الى جيش الولايات المتحدة، فإنك ستشعر بأنك رأيت كل شيء.

عن صحيفة الغارديان