شاكر حسن آل سعيد.. وحديث عن الشعر والرسم

شاكر حسن آل سعيد.. وحديث عن الشعر والرسم

ياسين طه حافظ
1
تقاطعات
بعض ما يقاطع تفكيرك مربك محيّر وبعضه منقذ يأخذ بيدك إلى ظل قريب لتستريح. من هذا النوع الهادئ والشفوق كان حضور شاكر حسن آل سعيد. لأترك ما بيدي وألوذ بصداقته، مصحوباً بانسانيته وبالظلال الوحيدة على الهضبة. كان تقاطعاً نبيلاً أورث ثقافةً ومحبة.

هل يصدق أحد اني تذكرت شاكر حسن آل سعيد وهو الذي سافر في الشفق الإلهي، وأنا بعيد عن المدينة لا أدري؟ هي حالة نفي أو تضاد بالتأكيد. على اية حال توالت ذكريات واخبار شاكر في زمن الفوضى والقتل الجماعي والدمار الهمجي للحياة. وهو فنان كان يتطلع إلى حال من النور أخّاذة، إلى التجلي أو إلى الافق الاعلى.

هذه بداية
احدثكم الآن كيف ابتدأ السحر: أنا طالب في الصف الثاني المتوسط في ثانوية بعقوبة 1954 حين جاء مدرس جديد للاجتماعيات على دراجة. ترك الدراجة في جانب من الساحة ودخل إلى الصف، كان الصف في آخر الطابق الارضي، نظر إلينا بما يشبه الفرح وكتب على السبورة:
شاكر حسن سعيد
باب الشيخ، بغداد
عرّف نفسه على السبورة بتلك الكلمات واستدار الينا. بقي علينا نحن التلامذة المستغربين مما نرى، ان نكتشف من هو شاكر حسن الحقيقي.
بدأ يدرسنا التاريخ الاسلامي. وقع الرجل مني موقعاً حسناً وتلمست اختلافاً عمن عرفنا من المدرسين، ارتحت لشخصيته الطازجة،  الواضحة، هو رجل بسيط ودقيق يتأخر أحيانا ليختار المفردة الدالة وكثيراً ما يبدل الكلمة باخرى يراها اكثر دقة أو اقرب إلى نفسه.
يدرّس التاريخ الاسلامي بلا تهيّب، بلا مسلمّات وكمن يبحث عن شيء اخر فيه. خارج المدرسة، كنا نراه على دراجته «النسوية» تلك ومعهُ عددهُ يبحث عن امكنة ليرسم. هو في بعقوبة لا يبحث كثيراً يستطيع ان يرسم في أي مكان. كانت بعقوبة انذاك فردوساً صغيراً، بلدة ضائعة بين البساتين والبرية. بضعة شوارع، يجري بين جانيها، وسطها، نهيّر صغير اسمه خريسان. وصفتُها انا مرة، قلت:
ان بعقوبةً هذه
سلةٌ من ثمْ.
وسْطَها غصنٌ أخضرٌ،
أو نهرْ.

كان يتجول على دراجته تلك وعدة الرسم مشدودة عليها. تلك صارت من صفات شاكر حسن في البلدة، عرف بها وبدراجته التي وصفت. شاب حديث، شبه اوروبي المظهر في مدينة صغيرة لم تخلع بعد ثياب القرى...
لكن كيف كان شاكر مدرساً؟ اليكم ما حدث: كان امتحان نصف السنة، فجاءتنا اسئلة التاريخ الاربعة. لا يوجد ترك (!) وبدأنا الاجابة انتهى الوقت، وانتهى الدفتر وكتبت على الغلاف من الداخل ولم أجب ألا عن سؤالين، أحدهما على ما اذكر كان حول تطور الحكم وخلافه يزيد...
لم اقلق، لم احزن. لن يعطيني اقل من خمسين، فقد اجبت عن السؤالين اجابة واسعة، انا الذي كانوا يسمونني جرذي الكتب، لكثرة ما اقرأ من كتب مكتبة المدرسة. جاءت النتائج، وهنا المفاجأة، فقد حصلت على 95% وتلقاني باعجاب كبير وتشجيع! كيف وزع الدرجات، ماذا قال للإدارة؟ لا ادري. وحين قلت له خارج الصف: لكني اجبت عن سؤالين؟ قال ليس المهم الارقام اثنان أو اربعة المهم كمية العلم ونوع الافكار! لا أمجد نفسي هنا ولكني اردت ان اكشف كيف كان شاكر الفنان مدرّساً!
 
2
كان تنعشه الفكرة الجديدة. يفرح للمختلف ويبدو عليه البشر. لا يزجر تلميذا، لكنه يقول له بانتباه شديد «وضِّح اكثر»! لقد وجد فرصته في تدريس التاريخ الاسلامي، وقد  كان انذاك في مرحلته الوجودية. كنت اشعر بانه يميل إلى غير ما مكتوب في الكتاب، أو في الكتب كلها. يريد انتباها جديدا. ولعل هذا سبب انه يوماً اعطاني تلك الدرجة العالية 95% ولم اجب الا عن سؤالين. لكن كيف عرفت انا انه كان وجوديا، وانا اذ ذاك لم اسمع بالوجودية بعد؟
لقد تميز بي تلميذا غير اعتيادي، فأنا صامت، لا أعبث ولا ألهو، منعزل واقرأ كثيراً... كان يمر عصراً من خلف دار «المتصرف» القديمة في بعقوبة ليدخل البلدة من وراء البساتين شرقي المدينة، حيث بيتنا الطيني تمر امامه الساقية المتجهة إلى المزارع في الجهة الثانية. رآني يوماً واقفاً في باب الدار فناولني كتابين هما: «الذباب» و»الوجودية مذهب انساني»، أو الوجودية انسانية، لا اذكر تماما. قرات الكتابين قرأت الذباب مرتين قرأت الوجودية انسانية مرتين. في تلك الايام كان سجن بعقوبة- الذي يبعد كيلومتراً عن بيتنا، يضج بالسجناء السياسيين وكنا نسمع النشيد الأممي يردده السجناء في ليل المدينة التي تجهل كل شيء.
التقيت به قبل ان ينتهي الاسبوع، فسألني:
«كيف رأيتهما»؟
- «لا أستطيع أن أقول لك بالضبط ما رأيت لقد «دخت» قليلا.
- «الانسان يحتاج إلى ان يدوخ قليلا، قبل ان تتضح الرؤية، هكذا حين ندخل مدينة لا نعرفها...»
كان كلاماً قريباً من هذا ان لم يكن هو تماما. المهم ان شاكر حسن سعيد انتقل إلى بغداد وانا اكملت بعده الثانوية ودخلت العالية المجيدة، لأعمل من بعد في الصحافة والأدب ولألتقي ثانية بالاستاذ والمثقف والفنان شاكر حسن وقد انتقل الرجل إلى الآفاق الصوفية والإيمان العلوي، تاركاً عند تلميذه كتابين في الوجودية. في هذه المرحلة الجديدة لاحظت انه صار يكتب اسمه شاكر حسن آل سعيد بدلا من شاكر حسن سعيد. ولا يخفى على احد ان كلمة آل ذات ظلال اسلامية...
التقينا يوما فقلت له: ستذهب إلى الفردوس وابقى انا في جحيم سارتر! وتذكر الكتابين وايام بعقوبة والدراجة النسوية السوداء..
زرته يوماً في معرض شخصي للوحاته، وتوقفت عند لوحة بالأبيض والبني، وانا اتتبع شقوق الجدار في اللوحة، ثم ودعته وخرجت. بعد ايام قرع جرس الباب فاذا بالاستاذ نادر المثال، واقفاً في الباب وقد انزل من سيارته اللوحة.. قال لي لاحظت أنك توقفت طويلا عندها. ها هي، هديتي لك وما تزال تلك اللوحة تزين واحدا من جدران غرفتي.
هذا الرجل الذي حمل اللوحة لمن اعجبته كان يتمتع بروح لطيفة، كان صافياً. كان غاية في الرقة والتهذيب، وكان سهل الانبهار!
شاكر حسن ال سعيد هو الذي رسم تخطيطات عملي الشعري «ليلة من زجاج» وحين اصدر كتاب رسومه «الحرب والسلام»، سجل، شأن الانسان الكبير المؤتمن، هامشاً أو الكتاب يذكر فيه ان بعض اللوحات مستوحاة من مطولة ياسين طه حافظ «الحرب»..
لكن لماذا تذكرت شاكراً، رحمه الله، الان وما الذي أثارني لأكتب عنه؟
كنت ابحث في مكتبتي عن كتاب مفتقد، فوجدت كتابا بالانكليزية عنوانه: التجريد، لماذ؟ why Abstract? شارك فيه هيلاير هيلر وهنري ميلر ووليم سارويان، وعليه هذا الاهداء، (أذكره لأنه إهداء فيه إكبار ومحبة من فنان كبير، اذكر لكم الإهداء نصاً وشكلا لسبب فني يكشف توزيعه للمفردات في الكتابة مثل توزيعه لها في اللوحة فارجو تركيز الانتباه لهذا:
صديقي العزيز
الشاعر المبدع
الاستاذ ياسين طه حافظ
اعذرني عن إهدائي المتواضع
فأنا رهين ضياعي المباغت
مع أعز الذكريات
احتفاء بشعرك
وروحيتك الرقيقة
شاكر حسن آل سعيد
9/3/1993
لك الفردوس الواسع الذي تمنيتهُ يا استاذي الكبير. ان تلميذك- الشيخ اليوم الذي يكتب وحده في الغرفة. وفي هذا الليل، ينهض واقفاً وينحني اجلالاً لذكراك مفكراً بالطريق المضيء الذي تسللتَ مبتعداً فيه، محترساً الاّ تضيع منك جوهرة الأزل تلك التي كل فنان يتمناها.