حكاية فيلم  الملاك الازرق  وصعود مارلين ديتريش الى القمة

حكاية فيلم الملاك الازرق وصعود مارلين ديتريش الى القمة

في برلين قام المخرج"جوزيف فون سترنبرغ"بالتحضير لإخراج فيلم"الملاك الأزرق"عن قصة للكاتب"هنريك مان"هي"الأستاذ اونرات"وكان قد تم الاتفاق مع أشهر ممثل في السينما الألمانية"اميل يانينغز"للقيام بدور البطولة، ولم يكن قد تقرر بعد من ستقوم بدور البطولة النسائية،وكان ذلك في عام 1930، في بدايات انتشار السينما الناطقة.

كان سترنبرغ يجلس في المساء في مقعده في صالة مسرح المنوعات البرلينية هادئاً جداً،ولم يكن قلبه يدق أسرع من العادة، كان ينوي أن يرى الممثل"هانت البرت"الذي كان يظهر في الاستعراض الليلي.
والحال أن مغنية اسمها"مارلين ديتريش"كانت مشتركة في برامج السهرة.

هذه المرأة كانت طموحة جداً وتواصل منذ بضع سنوات مهنتها المسرحية بدون متاعب. تزوجت المنتج"رودولف سيبرغ"، ومثلت في مسرح"ماكس رينهارت"، ولعبت أدواراً بسيطة في أفلام لا أهمية لها، إنها تثير إعجابا عادياً بها.
فهي لعبة ألمانية ذات وجه ساذج وباهت، ولكن فيه جاذبية خفية، ومن خلفية المسرح عرفت"مارلين ديتريش""سترنبرغ"وهو جالس في الصالة، وعندما وقفت على المسرح لتغني، توجهت إلى الجمهور قائلة:"سيداتي سادتي حيوا معي مواطننا جوزيف سترنبرغ الذي نال الجائزة الأولى هذه السنة في أمريكا عن فيلمه (ليالي شيكاغو".
وتردد تصفيق حاد من رواد الصالة الذين وقفوا تحية"لسترنبرغ"، ثم زار المخرج المغنية في مقصورتها واتخذ القرار: ستكون مارلين ديتريش"لولا لولا"بطلة الفيلم القادم"الملاك الأزرق". وستغني: إني مصنوعة لأجل الحب.....من الرأس حتى القدمين.
ان لقاء"مارلين - سترنبرغ"سجل منعطفاً فاصلاً في أسطورة المرأة في السينما الأمريكية، وفي برلين تشكلت صورة"مارلين"كامرأة غامضة ومنحرفة ستفرض نفسها على كل شاشات العالم الجديد.
بعد أن مرت"مارلين ديتريش"في ألمانيا بكاميرا المخرج النمساوي"جوزيف فون سترنبرغ"المهووس أصلاً بالمذهب التعبيري أصبحت  نجمة يشتهيها كل الرجال لكنهم يخشونها.
إن موضوع انحطاط الرجل بسبب المرأة لم يكن شيئاً جديداً يطرحه فيلم"الملاك الأزرق"، لأن غاويات الرجال في السينما الصامتة كن يحملن معهن شيئاً من اللعنة، لكن مارلين لم يكن لديها هذا الاتجاه.
 كما أنها في أدوارها على الشاشة لم تعد المرأة ذات السمعة السيئة التي يطهرها الحب الحقيقي، ولا الغانية الحالمة التي تريد استعادة سمعتها الطيبة بحبها الوحيد، انها مدنسة تؤثر على الغريزة وليس على العاطفة حتى تسيطر على الرجل، انها المرأة المدمرة الحقيقية كما أظهرها"سترنبرغ"في فيلم"الملاك الأزرق".
"لولا لولا"في الظاهر فتاة ألمانية جميلة، واضحة، سهلة المنال وهي مغنية في ملهى ليلي سيء السمعة.
و"الاستاذ اونرات"عازب في الخمسين من عمره يأتي ذات مساء إلى الملهى يبحث عن طلابه الذين ينسلون خفية إلى خلفية المسرح ليتذوقوا رائحة الفاكهة المحرمة.
ولقاء"اونرات"بـ"لولا لولا"يأخذ طابعاً نموذجياً:يرى لولا وهي تغني. يسمع صوتها. وينتهى أمره!

بخط متوازٍ يتم تدمير بطيء ومحكم لحياة"الأستاذ اونرات"ويستمر صعود المرأة مبنياً على انحطاط الرجل، إن الإثارة الجسدية هنا ليست سوى فخ، إن ملابس"لولا"بواقعيتها السوقية فيها مس من الهوس، وكان صوتها الهامس له وظيفة دقيقة.
"احذروا النساء الشقراوات... من الرأس حتى القدمين إني مصنوعة لأجل الحب"انها تنادي غرائز بدائية جداً، إن دورها مرسوم بهذه الصورة الخانقة  التي تشق الشاشة، وفي اللحظة التي يتخطى فيها"اونرات"عتبة ملهى"الملاك الأزرق" تظهر له المرأة بشكلها الأكثر إثارة، وهي عالمة بذلك. خاصة وأنها محاطة بعدد من الساقيات البدينات وهن معروضات على كراسيهن، في ملهى الملاك الأزرق.
من المفهوم أن يكون"سترنبرغ"قد غير اتجاه سير قصة"هنريش مان"بعد زواج الأستاذ والمغنية، كما أن"لولا"لا تصبو إلى الحياة العائلية الجديرة بالاحترام كزوجة أستاذ في الجامعة، إنها تواصل مهنتها هنا وهناك، وزوجها يبيع صورها في المقاهي والحانات التي تغني فيها، انه يحبو أمامها ليلبسها جواربها. و تأخذ"لولا"طابعاً مدمراً  تظهره مشاهد الفيلم النهائية بقساوة لا تطاق أحياناً.
ولكي يكسب قوته ويرضي"لولا"عنه، يضطر"اونرات"أن يصبح مهرجاً يتكسر البيض على رأسه وهو يصبح كالديك"كوكو ريكو"!
أصبح"اونرات"مسخرة في البلد ذاتها التي كان فيها أستاذا محترماً!
ثم ظهرت"لولا"على المسرح منفردة ولأول مرة كمغنية رئيسية منتصبة على كرسي، معتمرة قبعة التشريفات، التي  يرتديها الرجال، مائلة  توقع مقاطع أغنيتها بحماسة دون أن تنظر إلى أحد، فالأستاذ"اونرات"يسير نحو حتفه بينما تثبت"لولا"مقدرتها، ولن تقف عند حد...!
شخصية"مارلين"التي ابتدعها"سترنبرغ"بكل وسائله قدمت للسينما الأمريكية نجمة جديدة. وستقود خاصيتها الجسدية أسطورة المرأة بعيداً عن"ملائكية غاربو"الروحانية. إن"سترنبرغ"كرس لبطلته صورة مهووسة، فكل الأفلام التي حققها معها تشهد بذلك. ونجح بأن يجعل الجمهور يشاركه بهذه الغواية.
بعد عام 1930 صارت المرأة المثالية هي"مارلين". التي تجلب النحس، والتي تحرق بنارها، والتي تجلب الخزي والعار. إنها تمثل كل مغريات الجسد. بها ومعها تضيع جنة البراءة والسعادة.
والظاهر أن"سترنبرغ"، الذي أصبح أسيراً وضحية لإبداعه، كان أول من خضع لسلطة هذه المرأة الفتاكة، إن الجزء العبقري الوحيد من أعماله هو الذي تظهر فيه مارلين ديتريش، وخلال ستة افلام طوّر وكيّف باستمرار هذا الوجه الجديد للأسطورة.
ومارلين اعترفت بنفسها قائلة:"عندما التقيت سترنبرغ في المانيا لم أكن شيئا، لكنه صقل موهبتي فجعلني أعمل تحت إدارته وكرس كل علمه وكل فنه، وكل تجاربه وكل طاقته، ليجعل مني نجمة، لقد غيرني كلياً".
بعد عرض فيلم"الملاك الأزرق"غادرت مارلين حيث استقبلها المخرج الأمريكي من أصل نمسوي جوزيف فون سترنبرغ وقدمها إلى شركة بارامونت لتنافس غريتا غاربو نجمة شركة غولدوين ماير، وصعدت مارلين كنجمة في ستة أفلام أخرى من إخراجه هي: مراكش،  فينوس الشقراء، الامبراطورة القرمزية، شبح الروز رويس، الخيانة، شانغهاي اكسبرس، الشيطان امرأة، إلى جانب بروزها المتواصل في أفلام كبار المخرجين، مثل: قصة مونت كارلو، حدائق اللـه، قسمت، محاكمات نورمبرغ، حول العالم في ثمانين يوماً، مأساة حب، الخاطئون السبعة، لمسة الشر، شعلة نيو أـورليانز. 
 
مقدمة كتاب (الملاك الازرق)
الصادر حديثا عن دار المدى