فصل من كتاب: مذكرات زويـــــــه فالديــس..المـلاك الأزرق  في عشق السينما

فصل من كتاب: مذكرات زويـــــــه فالديــس..المـلاك الأزرق في عشق السينما

  ترجمة: رانيا قرداحي
شهد شهر مايو (أيار) من عام 1995 لقائي باثنين من الملائكة في برلين، يدعى الملاك الأول ماريا إيلينا كروز فاريلا، التي كنت قد تعرفت، من قبل، إلى ديوانها الشعري"الملاك المنهك"، قبل أن أتعرف إليها شخصياً في ذلك الشهر. أما اللقاء الثاني، فكان مع ملاكي الرئيسي، الملاك"الرهيب"، على حد قول رينر ماريا ريلكه، الملاك الأزرق، مارلين ديتريش أو بالأحرى مع مقتنياتها.

شاهدت، في طفولتي فيلماً أو اثنين لمارلين ديتريش، في برنامج على القناة الثانية للتلفزيون الكوبي، كان يعرض، بادئ ذي بدء، في فترة الظهيرة، ثم في الخامسة من بعد الظهر، قبل أن يختفي بعد بضعة أعوام. كان اسم ذلك البرنامج"السينما في بيتك"، وكنا نستطيع أن نشاهد، من خلاله، كل أفلام السينما الأمريكية القديمة تقريباً بالأبيض والأسود- دائماً بالأبيض والأسود- وأقول دائماً لأنه حتى عندما تكون هذه الأفلام بالألوان، كتلك الأفلام التي كان يتم سرقتها لتجاوز العقوبات التجارية التي يفرضها اليانكي على كوبا، فإنه لم يكن بالإمكان مشاهدتها إلا بالأبيض والأسود. كان هذان الفيلمان"الملاك الأزرق"(Der Blue Engel)، 1930، إخراج جوزيف فون سترنبرغ و"قلوب محترقة"(Morocco)، 1930، للمخرج نفسه، مع غاري كوبر.

 وبفضل برنامج"السينما في بيتك"وبرنامج آخر تلاه اسمه"تاريخ السينما"، تعرفت إلى عظماء سنوات الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات. كما شاهدت أفلاماً مكسيكية وأرجنتينية ممتازة تعود إلى تلك العقود، لكني شاهدت كذلك، والحق يقال، عدداً لا بأس به من الأفلام التافهة. وسرعان ما أصبحت وجوه السينما الأمريكية اللاتينية بممثليها الرئيسيين مألوفة بالتدريج: كارلوس غارديل، هوغو ديل كاريل، ليبرتاد لامارك، سيلفيا بينال، ميرتا لوغران، وماريا فيليكس، التي كانت حسناء السينما الأمريكية اللاتينية و"سيدتها الجميلة"بامتياز، على الرغم من أني لم أكن، في الحقيقة، أجد في ماريا فيليكس ما يميزها، بمعزل عن أني لم أكن أتمتع بخبرة كافية تسمح لي بالحكم على الجمال الأنثوي لتلك الحقبة، مع علمي أنها ممثلة رائعة كانت تتربع على إحدى قمم تلك السنوات.

كما شاهدنا في ذلك البرنامج نفسه العديد من أفلام لويس بونويل"المغذية"والعبقرية... لكني لم أكن، في تلك الفترة، سوى مجرد صبية، طفلة لم يكن لديها أية فكرة عن هذا الممثل أو تلك الممثلة، بل إنه لم يكن لدي جهاز تلفزيون. كانت السينما الكوبية، في تلك الحقبة، مصابة بآفة الرقابة الكاستروية إلى درجة أن أحداً لم يكن يعرف نينيون سيفيلا، مثلاً، بين آخرين من وجوه السينما الكوبية الكبار قبل الثورة.

كنت أرافق جدتي في زياراتها إلى صديقاتها العجائز كي نتابع أفلام تلك الفترة، وكانت ترى أن هذه الأفلام تستحق عناء مشاهدتها. كانت جدتي تبكي وهي تريني صورة كبيرة لمارلين وهي تقول:"إنها الأفضل، إنها الأفضل، لا أحد مثلها". كنت، بدوري، أتظاهر بالبكاء، لمجرد رؤيتها تبكي، على الرغم من أن عيني مارلين الواسعتين هاتين كانتا، في نهاية المطاف، ودون أن أعرف السبب، تخلقان فيّ رغبة رهيبة في الصراخ بطريقة مفجعة. كانت هذه النظرة في تلك الصورة الكبيرة بالأبيض والأسود تثير في الحزن، كانت تثير فيّ، دون أن أدري السبب، ألماً لا يمكن تفسيره- أتحدث اليوم عن صورة مبتذلة- أو، بالأحرى، حالة من السوداوية، وهي كلمة أنسب عندما يتعلق الأمر بمارلين، كانت تدوم أياماً، بل وأسابيع.

توفيت جدتي، وعندما بلغت سن المراهقة، اشترت والدتي جهاز تلفزيون من طراز"كاريبي"، وهو الطراز الوحيد الذي كان موجوداً في السوق، أو إنها بالأحرى، اكتسبت الحق في اقتنائه مكافأة لها على عملها الجدير بالإطراء. كان بث هذا الجهاز يقتصر على الأبيض والأسود، وهكذا، استأنفت متابعة حلقات برنامج"تاريخ السينما"، وهو برنامج آخر كان يقدمه الناقد خوسيه أنطونيو غونزاليس، كل يوم أربعاء في العاشرة مساء.
بدأت، في تلك الفترة، أجمع صور نجوم السينما الأمريكية ووقعت في حب هذا الناقد الذي سيصبح، بعد سنوات من ذلك، زوجي الثاني. لم تكن فكرة جمع الصور من بنات أفكاري، لأني لم أكن، في تلك الفترة، أتمتع بروح المبادرة، بل كانت، في الواقع، فكرة صديقيّ إينيدا ورامون أونزويتا. كان رامي يملك أكداساً من ألبومات صور"ذئبة"السينما المدعوة بيتي دايفيس. أما ذئبة الأدب فاسمها فيرجينيا وولف.
كان إينيدا يميل إلى جون كراوفورد، أما أنا، فكنت حائرة بين النجمات، على الرغم من أن خياري استقر على إنغريد برغمان ومارلين مونرو، وماي ويست التي كتبت تلك الحوارات التي تبقى في الذاكرة:"الفتيات الطيبات يذهبن إلى السماء، والفتيات السيئات إلى كل الأماكن الأخرى"أو"عندما أكون طيبة، أكون طيبة. لكن عندما أكون سيئة، أكون أفضل حالاً"وكان يمكن تعريف مارلين ديتريش بهاتين الجملتين. أولئك كن النسوة اللواتي توجن عصراً سينمائياً برمته بأكاليل الغار، وتلك كانت المرأة الحرة التي بدأت تكتشف كيف تكون حرة.
أحجمت، في تلك الفترة، عن مجرد التفكير بمارلين. لم أكن أرغب في رؤية صورها من جديد، فقد كان ذلك يشيع في نفسي حزناً عميقاً ويصيب معدتي بالتشنج. وكنت أشعر كذلك بخشية عميقة من أن مجرد الحديث عن هذه الممثلة كفيل بجعلي أفقد أمراً سرياً للغاية كان يجمعني بجدتي. كنت أتذكر جدتي ونشيجها الذي كان يستثيره"الجفنان الخافقان"في تلك الصورة الكبيرة. وعلى الرغم من أني عرفت، من خلال المجلات الأجنبية التي كنا نقرؤها خلسة، أن مارلين كانت لا تزال على قيد الحياة وأنها تغني في مسارح لندن وباريس ولاس فيغاس وبرلين، فقد قررت أن لا أتطرق إلى ذلك أبداً.
ظهرت مارلين ديتريش، بالطبع، آلاف المرات، كما ذكرت، في المجلات التي كنا نتبادلها أو نشتريها أو نسرقها. هكذا كنت أمضي الساعات الطوال وأنا أحدق فيها بنشوة كبيرة، أغيب في وحدتي المراهقة وقد سحرني بؤبؤاها الساكنان اللذان كنت أظن أنهما مصنوعان من نار أو اللذان كانا يبدوان في بعض الأحيان كبحيرة سحرية أو كبركان ثائر. عشت، في مراهقتي، حباً مثلياً كان اسمه مارلين ديتريش، وأشعرني رحيل جدتي بالإحباط، كعاشقة تخلى عنها حبيبها.

في إحدى الليالي، كنت نائمة بجوار أمي (نمت في السرير نفسه مع أمي حتى بلغت الثامنة عشرة، لا بسبب مرض فرويدي ما، بل لأن شراء سرير في كوبا كان أمراً متعذراً، لأن الأسرّة تحولت، بين ليلة وضحاها، إلى رمز رأسمالي ينبغي تجنبه، وهذا ما كان: فقد غابت الأسرّة لعقود عن المتاجر). فتحت عيني، وبدلاً من أن أجد أمامي العينين المائلتين لوالدتي التي كانت لا تزال غافية، خيل لي أن مارلين نفسها كانت ملتصقة بفمي، فالتهمت شفتيها. استيقظت أمي وعاجلتني بصفعة هائلة لا أزال أعاني بسببها، حتى اليوم، طنيناً في أذني.
كنت أراقب وجه هذه المرأة الخارق وأتأمل تفاصيل جسدها وأثوابها كأني أعرفها منذ زمن طويل، منذ سنوات مضت، كأني عشت معها، من خلال أفلامها وسحر نظرتها، مغامرات لا مثيل لها. كنت، في طفولتي، أحلم بأمرين: امتلاك مارلين ديتريش وتجهيز شجرة الميلاد. كان الحلم الثاني أسهل، ظاهرياً، لكن النظام كان يحظره هو كذلك لأنه كان يعتبر أن أشجار الميلاد لا تقل خطورة عن الصواريخ الإمبريالية.

كان رامي ينفق كل مصروف جيبه على شراء صور فنانته المفضلة، وكان يحفظ عن ظهر قلب حوارات كل أفلامها وكان يحلم بالسفر والتعرف إلى دايفيس شخصياً. كانت أمي تنطق اسمها، كما يكتب، أي"دافيس"، تماماً كما كانت تفعل لدى سؤالي عما إذا كنت قد قرأت كاتبة"الغموض والتشويق"، تلك الهرة الحزينة"غاتا تريستي" في إشارة منها إلى أغاثا كريستي. كانت أمي تضحك منا، بالتأكيد، وتسخر من ولعنا الاستوائي بنجوم بعيدي المنال.

رغبت صديقتي إينا، ذات يوم أن تتشبه بكراوفورد ثم كرهتها في اليوم التالي. كان مثل رامي وإينا، وهما شقيقان،  كمثل الكلب والهر، يتشاجران وينتقم واحدهما من الآخر بقسوة، من خلال التمزيق المتبادل لصور معبوديهما، وهو سلوك ينسجم، إلى درجة كبيرة، مع شخصيات نجومهما. كانا يعيشان سيناريو فيلم"ماذا حدث لبيبي جاين؟"بحذافيره. كان الأمر مسلياً: أن يكون ما تعلمته عن السينما والفن، قد عشناه معاً. كنا نتخاصم، ثم نتصالح وننفق مالنا القليل على شراء صحف قديمة. وكنا، بلا ريب، نقتدي، في تشبهنا بنجوم السينما الأمريكية، بالخصال السيئة للبعض منهم.
وذات يوم، بدأت أعمل للسينما. لقد أصبحت"مخبولة"كما قال زوجي المخرج ريكاردو فيغا على سبيل المزاح. كنت، في البداية، أكتب حوارات الأفلام قبل أن أنتقل لكتابة السيناريوهات ذاتها، وتم تعييني في منصب كبيرة محرري مجلة"السينما الكوبية"ثم نائبة رئيس تحريرها. لم أكن أفعل شيئاً سوى الحديث عن السينما مع المخرجين وكان الأمر يسعدني كثيراً، لاسيما وأن ذلك سمح لي بالانهماك بالسينما الأمريكية اللاتينية والأوروبية. أبعدني كل ذلك بعض الشيء عن الأفلام الهوليوودية القديمة، وفرض علي اتخاذ مسافة إلزامية منها فرضتها الضرورات المهنية، وعندما كنت أعلق عليها كان التوق إلى الماضي يغمرني لأني عشت طفولتي ومراهقتي معها ولأني فقدت في حضورها جدتي وأصدقائي الذين كانوا، في ذلك الوقت، قد وجدوا طريقهم إلى المنفى.
حطت أقدامي في باريس، وفي المنفى كذلك، عام 1995. أنا، بالمناسبة، أؤمن كثيراً بأهمية الأرقام: لقد ولدت عام 1959، وفي عام 1995، أحسست أني ولدت من جديد، بعيداً عن موطني، في باريس، من خلال رواية عنوانها"العدم اليومي". باختصار، قررت أن ألد نفسي من خلال المهجر.
                                                          
 
ذات مساء، ذهبنا، أنا وريكاردو وابنتنا، للعشاء في منزل الرسام الكوبي ريكاردو غارسيا يورك. وفي أحد أركان الصالون، رأيت، فوق أكداس من الكتب المكومة على الأرض، ذلك الوجه، بالأبيض والأسود، أكثر جمالاً، أكثر غموضاً من أي وقت مضى، ملغزاً في روعته وفتاناً، وجه مارلين، وجه"الملاك الأزرق"أو"القلوب المحترقة". كان عنوان الكتاب"مارلين ديتريش"، وقد ألفته ابنتها ماريا ريفا، ويتألف من ثمانمائة واثنتين وستين صفحة من منشورات دار  فلاماريون. لم أكف، في ذلك المساء، عن طرح السؤال العبثي التالي: هل الكتاب جيد أم أنه سيء؟ تناولنا، في تلك الأمسية، جوانب متنوعة من حياة تلك الممثلة وقصص حبها."حسناً. الكتاب ليس بجيد ولا هو برديء. إنه مجرد كتاب ألفته ابنة".
مرة أخرى، جرحتني صورة مارلين، لكن الجرح كان احتفالياً هذه المرة، كطعنة سكين مغلف بمنديل حريري يتلقاها المرء في عجزه في مهرجان هافاني، فلا يحس بشيء، بل يقتصر الأمر على مجرد شق بسيط. أدركت، على الفور، أن روبرتو كان يعشقها. كان تفانيه نحوها يكاد يقارب العبادة، وهو أمر كان يحاول إخفاءه. لكني استطعت التحقق من ذلك على الفور، عندما شاهدت صوراً ضوئية عرضها أمامنا للوحات رسمها لمهرجانات البندقية تظهر فيها أثواب رائعة. كان بعض تلك اللوحات يقدم التحية لمارلين: وقد استخدم الرسام فيها نمط ديتريش بالسموكنغ الكلاسيكي، معلقاً على ظهرها جناحي ملاك بالغي الزرقة مطويين إلى الأعلى، جناحي ملاك رهيب، وأنا أقتبس هنا من رينر ماريا ريلكه:"كل ملاك رهيب". في تلك اللحظة، قلت لنفسي إن هذه المرأة وحياتها عادا ليسكناني من جديد. لكن باريس ليست المدينة البوهيمية المغطاة بغيوم وردية، تلك التي يتخيلها الكثير من الشعراء الكوبيين، وأنا نفسي كذلك. إذ كان علي، في ذلك الوقت، أن أناضل للحصول على بطاقة الإقامة وأن أقاتل من أجل الضمان الاجتماعي وكل تلك الأمور المبتذلة، مع كونها ضرورية، التي تجبرك على العيش بعيداً عن جنس الملائكة، حتى الهوليوودية منها. هكذا تلاشت مارلين، من جديد، في خضم ضرورات الحياة اليومية.

ثم ها أنا ذا أجد نفسي مدعوة إلى برلين... يستحيل أن يتمكن المرء من زيارة هذه المدينة الهائلة برمتها في بضعة أيام. بيد أني استطعت، مع ذلك، أن أكتشف أن برلين تتمتع بالجادات مفرطة الاتساع وبالمسافات بالغة الطول التي تملكها مدينة أخرى سكنت كوابيسي على الدوام. فضلاً عن ذلك، كانت ألمانيا الغربية وألمانيا الشرقية، في عام 1995، لا تزالان منقسمتين، لا من حيث النسيج العمراني فحسب، بل، على وجه الخصوص، من حيث العقلية وهو أمر أعاق حركتي فيها. أدركت، كذلك، أن البرلينيين، أو على الأقل هؤلاء الذين عرفتهم، لطيفون للغاية، وزادت سعادتي بالتعرف إلى أحاسيسهم كما إلى رموز مدينتهم.

ذات يوم أحد، قادنا أحدهم إلى متحف الرعب، وقد غادرته مكتئبة تماماً، كما هو منتظر. والأنكى من ذلك أن السماء كانت، عند مغادرتي، تمطر حبالاً مصحوبة بهواء جليدي. أعلمنا الرجل الذي كان يرافقنا أن هدف الزيارة التالية هو متحف السينما، فوافقت مدفوعة بالخضوع، أكثر منه بالرغبة. أخذت بطاقتي فصدمتني صورة مطبوعة لمارلين نحيلة، بيدين تسحقان شعرها الأشقر أكثر مما تداعبانه. كانت تضغط مقدم رأسها للإيحاء بقسوة ملامحها. وكانت شفتاها ترسمان نصف ابتسامة لم تكن كافية لإظهار أسنانها. كانت نظرتها ترسم ملامح المجون المتهكم الأزلي ذاك الذي يقف على الخط الفاصل بين الخير والشر. كان ذراعاها مكسوين بلفاع من الفرو لم يكن يظهر إلا بالكاد بياض بشرتها، وكان صدرها يتلألأ بإغواء بثوب كاشف.
أخبرنا مضيفنا أنه قد تم، أخيراً، إنشاء قسم مخصص لمارلين ديتريش كي يكون معرضاً رئيسياً في المتحف.

أذهلتني، على وجه الخصوص، شاشات تعرض لقطات متحركة لبعض اللحظات الحميمية في حياة الممثلة: مع ابنتها التي كانت صغيرة للغاية، مع المخرج جوزيف فون سترنبرغ، ثم مع جان غابان؛ كانت تقف بالقرب من طاولة روليت أو شيء من هذا القبيل. تابعت المعرض بترتيب محتوياته بقليل من التشكك والحنين إلى الماضي، أو، بالأحرى، بكآبة على طريقة القرن التاسع عشر وبوقفة فيها مبالغة في تقليد خوانا بوريرو، شاعرتنا الكوبية. كنت أتجنب على الدوام التعلق بصورة مفرطة بمقتنيات تلك المرأة، ذلك الملاك الأزرق، وبملابسها، لكني عجزت، هذه المرة، عن مقاومة الانجذاب إلى متعلقاتها أو الافتتان بضروب هوسها الكبيرة منها والصغيرة أو الوقوع من جديد في حب التفاصيل الروحية، متجسدة في زجاجة عطر عتيقة أو في لطخة على منديل، التي جمعتها بنفسها، بولع فائق، امرأة تعرف أنها جديرة بالخلود، امرأة متفردة في طموحها إلى الأبدية.

عرفت كم كانت مبتذلة مشاعر الحزن أو الجفاء التي أبديتها تجاه مارلين ديتريش التي لم أفها حقها من التقدير إلا من خلال دموع جدتي وانفعالاتها، وكيف أن مارلين، نفسها، تبوح لي بأسرارها الآن كي تصالحني مع تاريخها وتجعلني أعانق الأسطورة من جديد. أخذت أدرس مسارها بعناية مدفوعة بما هو أكثر من مجرد الاهتمام، وأتبع خطاها رغبة مني بالسير بنفسي على الدرب الذي سارت عليه، وبالجموح نفسه. استوقفني الحنين أمام يومياتها الحميمية وصورها وكتاباتها غير المنتظمة، الطويلة منها أو القصيرة حسبما كانت تسمح به ظروفها.
أعلم أن مارلين ديتريش كانت- لا منذ فيلم"الملاك الأزرق"فحسب، بل حتى قبل ذلك، منذ الفترة التي مثلت فيها إلى جانب غريتا غاربو فيلم"طريق دون فرح"عام 1925- وحشاً أسطورياً تقوده الأنانية وتحرضه الدوافع المفرطة لامرأة فنانة، لكني أعلم، كذلك، أنها عرفت كيف تهب نفسها بطيبة مفرطة وأنها أحبت بجنون رجالاً ونساء، وأنها لهت معهم ولهوا معها، وأنها استطاعت، أحياناً، أن تبدو قاسية تجاه أسرتها التي كانت، بدورها، قاسية تجاهها. تروي ابنتها أن مارلين كانت مدفوعة بجشع الحب الاستحواذي الذي كثيراً ما يميز النجمات. لم يكن لابنتها أن تراها خلاف ذلك، وهو أمر منطقي.
أقدمت ديتريش وأحجمت، فماذا يهم؟ تقدمت وتراجعت، ثم ماذا؟ أحب الغموض والجرأة اللذين يتدفقان منها، ولا تزال هذه المرأة، بالنسبة إلي، سراً مستغلقاً... لا على طريقة غريتا غاربو. لا. لقد عملت مارلين بجد كغاربو، ولكنها تأخرت قبل أن تنسحب، على العكس من الممثلة السويدية، تأخرت بقدر استطاعتها. تعلمت بإصرار: كانت تستمد الخبرة، بل تختلسها، من أصغر الأشياء، كانت تستخلص من كل شيء ما هو مخبوء فيه عميقاً. استفادت بوعي من حساسيتها واستخدمتها محولة إياها إلى فن. كان حبها، كما حياتها، مكرساً للفن الخالص. أحبت كثيراً إلى حدود لم تدرك معها أنها كانت تقتل نفسها حباً وأنها كانت تقتل رغبة الآخرين، وأن ولعها المفرط كان يخيف الآخرين.
 
كثيراً ما كانت تبكي وحيدة حتى الإنهاك لأنها لم تكن لتسمح لأحد أن يحتفي بإفشاء روحها المنكسرة إلى العلن. كنت أجهد كي أرى، في كل قطعة ثياب كانت ترتديها، في كل كتاب كانت أصابعها تداعبه، في كل رسالة أو ثوب أو معطف أو حقيبة، تلك الشيطانة، تلك الشخصية التي كانت قد بنتها بخبث- لكن، كذلك، ببراءة، بذلك الهوس والإصرار. بدأت أستشعر شهوة جنسية جارحة، تخترقك بخبث، وبرغبة، بذلك الطباق الذي لا يفيد أحداً، ولا يشكل مصدراً للارتواء.
كنت أعلم أني سألتقي، من جديد، بـ"الملاك الرهيب"، ملاك ريلكه الذي كانت تجله كثيراً. كان كل ما في مارلين يهمس لي، كبيت شعر كتبته ماريا إيلينا كروز فاريلا ويقول:"تتحرر مني أفضل الأشباح". تحرر كل شبح من أشباح هذه المرأة المتعددة، هذه الديتريش، وانتفض ضدي، استولى كل منها علي في قلب الحزن الزمني، بذلك الإغواء الدائم الذي لا يهبه إلا الزمن.

تضم مجموعة مارلين ديتريش في متحف برلين المواد التالية التي أختار منها تلك التي أعجبتني: آلة الفيولونسيل التي عزفت عليها في طفولتها ومراهقتها، والتي كانت بالقرب منها عندما فقدت عذريتها في فايمر. المنشار الموسيقي الشهير، تلك الآلة التي استخدمتها كي تغوي، لا من خلال الألحان التي تعزفها، بل من خلال أسلوب الإمساك به حين كانت تدسه بين ساقيها الأسطوريتين الشيطانيتين اللتين أمنت عليهما شركة بارامونت فيما بعد بمبلغ مليون دولار. ديوان كبير كان في مقر إقامتها لدى شركة بارامونت، كان شاهداً على الكثير من ثوراتها العاطفية. الدمى السوداء التي ظهرت في أفلامها، ومنها، على سبيل المثال، دمية فيلم"الملاك الأزرق"التي أطلقت عليها اسم"المتوحشة"والتي رافقتها طيلة أيامها. حقيبة يد استخدمتها في فيلم"حول العالم في ثمانين يوماً"(1965). دفاتر يومياتها الحميمية. حوالي عشرة آلاف صورة مصنفة في مجموعات التقطها مصورون معروفون. مراسلاتها الشخصية، بالغة الخصوصية، التي تغطي كامل القرن العشرين، مع إرنست لوبيتش وإيريك ماريا لومارك وجان كوكتو- الذي كتب عنها قائلاً:"مارلين ديتريش، اسمها يشبه المداعبة ولقبها يشبه ضربة سوط"- وجان غابان وجون غيلبرت وجوزيف فون سترنبرغ وإرنست همنغواي... كتب أغلبها مهداة. مخطوطات سيناريوهات وأغان ومنشورات مختلفة. أفلام خاصة. مفكرات فيها عناوين في باريس وهوليوود. بطاقات دخول إلى أفلامها وحفلاتها. مئات آلاف الرسائل الواردة من معجبين. لوحات معدنية كانت مثبتة على باب منزلها. اسكتشات ملابس منها، على وجه الخصوص، نماذج صممها الخياط الكبير جان لوي لمعطف يحاكي إوزة أثار ضجة كبيرة. حقائب سفر من حقب مختلفة، ولاسيما تلك التي استخدمتها عام 1930 في رحلتها من برلين إلى الولايات المتحدة وفي طريق عودتها، فيما بعد، وصناديق أمتعتها الرمادية المبطنة بالحرير التي نقشت عليها باللون الأسود الأحرف الأولى من اسمها والتي اصطحبتها معها في جولاتها خلال الحرب، حين كان الجنود المفتونون يسقطون صرعى صوت"ليلي مارلين"وكانوا يرفعونها في الهواء وساقاها الممشوقتان ترتاحان على أكتاف أولئك الشبان وتقودهم في الطريق إلى النصر. حقائب سفر أخرى تعود إلى سنوات الخمسينيات والستينيات. مجوهرات قدمها لها جان غابان ودوغلاس فيربانكس جونيور وجوزيف فون سترنبرغ وآخرون. أثواب باذخة من خزانة ملابسها تغطي الفترة التي تتراوح بين عام 1926 وحتى سبعينيات القرن بالإضافة إلى حلي وإكسسوارات متنوعة.

كان أكثر ما أثار دهشتي، وهو أمر متوقع، يومياتها الخاصة، ومثابرتها وإصرارها على الكتابة، ودأبها على تسجيل أصغر تفصيلات حياتها ومصادر دهشتها واكتشافاتها الجنسية مهما كانت مبتذلة. لكن كانت هنالك علب الزينة المرتبة بتنظيم لا يصدق والتي يمكن للمرء أن يتصور، معها، كيف كانت يدها تنقب فيها بعناية في بحث محموم بين الأمشاط وعلب المساحيق وأقلام رسم الحواجب وفراشي الشعر المصنوعة من شعر الخنزير البري والأدوات التي تزخر بالحياة على الرغم من اصفرارها. بالإضافة إلى حلل سموكينغ بتصاميم وألوان مختلفة غالباً ما تسببت بإطلاق النمائم حول تخنثها كان منها الحلة البيضاء المفضلة لديها مع قبعتها.

بلغت الأقاويل حداً ذهبت الصحافة الباريسية معه إلى حد التنديد بلباس هذه الديتريش، التي كانت المرأة الأولى التي تتنزه بالبنطال في أجمل شوارع العالم، الشانزيليزيه، والمرأة الأولى التي تجرؤ على تحدي الحظر المفروض على التنكر بهيئة رجل. لكنها، كما كانت حالها دائماً، أصمت أذنيها عن هذه الأقاويل، ضاربة عرض الحائط بها، واستمرت في التنزه في شارع المشاهير، مرتدية أزياء الرجال، بشعرها الذي كانت تطليه بمرهم تلميع الشعر وكانت، فضلاً عن ذلك، تخفيه تحت بيريه؛ وكان الناس يخرجون من المقاهي والمحلات للتعبير عن إعجابهم بها وذهولهم بمظهرها بإطلاق صيحات كبيرة.
أما هي، فكانت ترسم تلك الابتسامة المضللة التي تخفي، في أعماقها، نقصاً في الثقة بالنفس، الابتسامة التي كانت تستخدمها لحماية نفسها، وتنشر، حولها، سحباً من دخان سيجارتها، التي تعتصرها بين تكشيرتها الرجولية ولسانها بادي النعومة، كانت تنفثها من بين أسنانها العاجية.

كل ذلك وأنا لم أتكلم، بعد، عن الأزياء المتنوعة التي ظهرت فيها، في أفلام مثل"المرأة والدمية"(1935) أو"الشيطان امرأة"(1939). لم يكن فيلم"المرأة والدمية"أحد نجاحاتها الكبيرة، إلا أنه وصل، فيما يتعلق بالملابس، إلى درجة من الإتقان تجاوزت كل المعايير وتكاد تكون خيالية، مع أثواب بالغة الرقة مفصلة على طول قامتها وقياس نهديها تحف بها حاشية تتطاير بخفة وقصة شعر بيضاوية بحيث تغطي خصلاته وجنتيها المغناجين. وهنالك القمصان البراقة ذات الياقة المرتفعة والتنورات الطويلة التي تتناسب مع طول قامتها البالغ مائة وخمسة وستين سنتيمتراً- كطول قامتي، أي أن مارلين لم تكن طويلة القامة. لكن، ماذا كانت تفعل لاكتساب مظهر المرأة الطاغي ذاك؟ كيف استطاعت امتلاك هذه الإطلالة المؤثرة عندما كانت ترمي عالمها بنظرة الازدراء الرائعة تلك؟ الأمر بسيط للغاية، على الرغم من أنه ليس بديهياً تماماً: لأنها كانت تقوس حاجبيها لا كما يفعل الآخرون. لأن تلك المكانة المصطنعة كانت موجودة في نظرتها، في روحانيتها، وفي قامتها الفنية التي لا جدال عليها.
 
احتفظ بهو غارق في الظلمة بذلك الكنز من أريج العطور القديمة النفاذة: معطر جسم تخفق له القلوب وخلاصة عطور تعود إلى سنوات الثلاثينيات صارت دبقة، تحتفظ في ثناياها بذلك العطر المسن. سكنت أمواج العطر فجأة، وبدأت سحابة من الذهول تطوف حولي وأنارت حزم نور ملابس أخرى وأحذية أخرى. وجدت نفسي وحيدة وسط بهو أسود، أو بالأحرى وسط بهو بالأبيض والأسود، منار بطريقة لا يجيدها سوى شخص واحد هو جو سترنبرغ (هكذا ندعوه، هي وأنا)، أتفكر بعدد لا يحصى من أشباح مارلين. كان شذاها لا يزال حاضراً هناك، باقياً وملحاً، وكانت تلك المرأة تدخل في وتخرج مني وهي تحاول أن تهمس في أذني بشيء، لا أدري كنهه، قد يكون تقريظاً، أو ربما عتباً. أو أنها كانت تتباكى برقة، أو تغني بصوت"لولا لولا"المنسوج من قطيفة الأيائل، أو بصوت"ليلي مارلين"الأجش، الحاد، وشبه الذكوري. ثم كان هناك أريج الحليب الذي تحتفظ به تلك البشرة التي لا ترشح لأنها لم تكن تتعرق.
أرعبني صوت حفيف حريري فانتصب شعري، لكن ذلك لم يدم سوى لحظات. إذ كان ممتعاً سماع الرسائل والأصوات الصغيرة واستشعار البراهين على سحرها والإشارات التي كانت ترسلها إلي، أو هذا ما ظننته على الأقل. انقبض قلبي وانسلخت عن ذاتي وعشت في حياة الممثلة. لم يدم ذلك كله سوى بضع ثوان. استولت مارلين علي، أما أنا، فلبست روحها. اخترقتني تماماً كدور إضافي. لم أعد أدري اليوم كم من الوقت بقيت في حالة الافتتان المستحيل هذا وأنا غارقة في تلك الملحمة.
في ذلك الوقت، كان الآخرون يفتشون عني في كل مكان، وقد أثار اختفائي قلقهم. كنت قد"عبرت"، للتو، روحاً، كنت قد"هبطت"أو"ارتقيت"، للتو، موتاً، إلا إذا كان هو نفسه من"ارتقاني". اختتمت زيارة المتحف برمته وأنا في حالة من الغياب، فلم أستطع إلا بالكاد أن ألاحظ وجود بيانو فيلم"كازابلانكا"(1942)- المتحف كبير للغاية ويحتوي مقتنيات من أفلام أخرى- أو أن أقف كي أعرب عن إعجابي بقفازات مارلين وأقراطها ومنمنماتها.
عشت الأبدية للحظة. أما هي، فقد استولت علي. هي، لولا لولا، آمي جولي، الإمبراطورة الحمراء، فينوس الشقراء، شنغهاي ليلي، هيلين فاراداي والكثيرات غيرها، وهن في الوقت نفسه واحدة: مارلين ديتريش التي تداعب وتسوط.
لم أقل شيئاً لأحد، لم أبح لإنسان بأي من هذه الخبرات.

بعد بضعة شهور من هذه الرحلة إلى برلين، وفي بعد ظهيرة يوم تصادف أن كان يوم أحد يدعو للسخرية، دخلت مكتبة تقع خلف معهد العالم العربي. كانت المكتبة مفتوحة بصورة غير مألوفة في أيام الآحاد وتعرض كتباً قديمة بأسعار مخفضة: كانت الأسعار المخفضة بصورة كبيرة تغري بالشراء. رأيت كتاباً يشبه غلافه أغلفة كتب سلسلة لاسونريسا فيرتيكال الجنسية، ولكن لا، كان ذلك الكتاب من منشورات دار لاديفيرانس، وكانت هي نفسها تراقبني، من قلب إطار بيضوي، إنها تلك الممثلة التي حلمت بها كثيراً.
كان مؤلف الكتاب الشاعر ألان بوسكيه وعنوانه"مارلين ديتريش: حب على الهاتف". تبين أن زوجة بوسكيه كانت، بطريقة أو بأخرى، رفيقة الممثلة الألمانية في سنيها الأخيرة وكاتمة أسرارها وإحدى صديقاتها الأشد أخلاصاً. كان ألان بوسكيه وديتريش يتحادثان مطولاً على الهاتف. كانت مارلين تقدم له الزهور التي تتلقاها من المعجبين كما كانت تقدم له صوراً تعود إلى أيام صباها كانت تكتب الإهداء عليها بعناية، وكانت تستشير الشاعر في القرارات التي كان عليها اتخاذها، بل إنها كانت تحضر له أطباقاً نمساوية لذيذة، إذ كانت تجيد غزو قلوب الناس من خلال الطعام، وكان ذلك أمراً تعشقه. فرغ بوسكيه كل مكالماتهما الهاتفية في شيء يشبه دفتر يوميات ونشر قصائد كتبتها أجمل نساء جيلها وأعلاهن أجراً في هوليوود. كانت إحدى تلك القصائد المؤثرة:
أريد أن أعلم ماذا يعني الموت
مت مائة مرة بتفكيري
لكن الأمر يتعلق بشيء آخر
سأعلمك إياه
الموت نهائي
اليوم كما في الغد
نحن الخاسرون
نعلم أنه لا عودة
لا نغمة بصوت الحبيب
لا ضحكات متبادلة
لا شيء سوى العدم الأبدي
يؤسفني تخييب ظن المؤمنين
المؤمنين السعداء
الأكثر حظاً منا
نحن غير المؤمنين
كان وقوعي على هذا الكتاب وقراءة تلك القصيدة إحدى مكائد الحياة ومناوشاتها على طريقة مارلين ديتريش. فقد اخترقت جسدي من جديد وقدمت نفسها في داخلي، من جديد، من خلال كلماتها، كانت تكلمني وتغني لي بذلك الصوت الذي يبدأ بصوت فتاة صغيرة خبيثة وينتهي بصوت سيدة، أو بذلك الصوت الأجش لإطفائي حنجرته غارقة بالدخان. كان كل ما فعلته مارلين، كي"تحس بها"الأجيال المقبلة أو تستشعرها، أن استمرت في الإغواء من خلال تجلياتها الخطرة بدءاً بذاك الذي نفترض أنه مأوى الصمت، إذ كانت قادرة على اختراق هذا الصمت المقدس، كي تستمر في أن تكون محبوبة ومرغوبة.
 
*    *     *
كنت، في هذه الأيام التي دار فيها الكثير من الكلام حول الممثل الإنكليزي الكبير هيو غرانت وعن ذلك"السيجار"الذي مارسته معه عاهرة في الطريق (كلفته تلك المتعة، إن كان قد استمتع بالفعل، دعوى قضائية لخدشه الحياء العام، ناهيكم عن المشاكل التي واجهته في حياته المهنية الناجحة وانفصاله عن خطيبته)، أتساءل عما كان يمكن لمارلين أن تقوله. ألا نبالغ كثيراً في مفاهيمنا حول ما هو صحيح أو ما هو غير صحيح سياسياً؟ أظن أنها كانت لتندد بقضاة الأخلاق أكثر مما كانت لتندد بفعل المص نفسه. لا بد أنها كانت لتقف في صف الممثل وهي التي نددت، بقسوة، ببيوريتانية هوليوود واستطاعت أن تحرز قصب السبق عليها. أما أن تمارس المص في ركن من الشارع، فهذا ما لم يكن يمكن لها أن تفعله. لأن المقدمات هي ما كان يستهوي مارلين.
ليس سراً أنه كان لمارلين علاقات جنسية مع الجنسين، وهو أمر يفصح بالكثير عن مقدار حريتها. من يجهل اللقاءات التي جمعتها في منزلها بماي ويست؟ أو سهرات"السيدات"تلك في نادي المثليات في هوليوود حيث كانت ترقص التانغو- مرتدية بذة من التويد وربطة عنق محلولة وحذاء برباط- مع دائمة الشكوى، أو بالأحرى، الانطوائية، إمبيريو أرجنتينا؟ أو مراسلاتها الملتهبة مع الشاعرة والمؤلفة وكاتبة السيناريو- وعشيقة غريتا غاربو كذلك- الكوبية من أصول أسبانية مرسيدس دي أكوستا؟ أو القبلة الحارة التي طبعتها على فم عصفور باريس، إديث بياف، التي يوجد برهان مصور على حصولها؟
من جهة أخرى، كان هناك جوزيف سترنبرغ، الذي قلت إننا نناديه، هي وأنا، بهذا الاسم، الذي أجبرته على أن يكون جزءاً من الأسرة إلى جانب رودولف سايبر- يقال إنه ليس الأب الحقيقي لابنتها، وإن شيوعياً أغواها قبله كان هو الكاتب الحقيقي لسيناريو فيلم"كازابلانكا"وصاحب الشخصيات المتعددة إلى درجة تجعلني أتوه بينها. تزوجت سايبر ولم تطلقه أبداً، وعاشت معه بانسجام كامل، لكن عن بعد، وأذنت له باتخاذ عشيقة. وبلغ جنونها بكاري غرانت حد إصابته بالذعر فأبعدها عنه. أما جون غيلبرت، فرافقته واعتنت به حتى لحظاته الأخيرة بتفاني ممرضة وعاشقة، وكيف يمكن أن تتصرف على نحو مختلف: إذ إن الأزمة القلبية التي أودت بحياته أصابته وهو في أحضانها، فيما كانا يمارسان الحب، أو يتظاهران بممارسته. وكان هنالك، أيضاً، عشاق آخرون مثل جون واين وإيريك ماريا لومارك، الروائي الذي كتب لها رسائل بديعة أدبياً أصبحت اليوم جزءاً مميزاً من أعماله، ثم موريس شوفالييه، وجان غابان، الذي كان، بين الجميع، أكثر من أحبها، بحسب تصريحاته. لم يجرؤ هذا الأخير على التخلي عن زوجته ومثل أكبر إخفاقات مارلين وإحباطاتها. ثم هنالك يول براينر وراف فالون والشقيقان الشابان جون وبوب كينيدي، وقد كانت، في الواقع، سابقة لمارلين مونرو في هذا المجال. هذا دون احتساب السائقين والأساتذة، الرجال منهم والنساء، الذين عرفتهم في فتوتها. لقد كانت مارلين ديتريش على الدوام، سواء كانت ترتدي الفراك الرسمي وربطة العنق البيضاء، أو وهي ترفل بثوب الحوريات، مثال الشهوانية ثنائية الجنس وكمالها. كانت مارلين، بهذه الصورة، لتجد في الدعاية التي ثارت حول فعل المص السوقي الذي تورط به الممثل الإنكليزي أمراً سخيفاً.
أما النوادر التي كانت تحصل أثناء تصوير أفلامها، فمتعددة بقدر تعدد عشاقها. علمها اتصالها بجو سترنبرغ، بعد فيلم"الملاك الأزرق، الكثير، فأصبحت، في وقت لاحق، تدير نفسها وتتحكم بصورتها وبحركاتها باستخدام مرآة كبيرة، وكانت توجه أجهزة الإنارة وتبتكر تسريحات الشعر والملابس وتنوع في ماكياجها، بل وترتجل.
لم تكن تحب أنفها، بمنخريه الكبيرين وطرفه المدبب، لذلك كانت تنيره، على طريقة سترنبرغ، باستخدام حزم ضوء مسلطة من الأعلى ترسم ظلاً على شكل فراشة أسفل أنفها فيزداد استطالة وتزداد وجنتاها وملامحها بروزاً. صممت بنفسها، في فيلم"شنغهاي إكسبرس"(1932)، زياً فيه مئات من ريش الديك المحارب السوداء اللامعة. ولا يصعب على المرء، بالطبع، أن يتخيل أعداد الديوك التي كان ينبغي التضحية بها في ظل هذه الظروف: هكذا رفضت مارلين أن ترتكب مجزرة كهذه لمجرد إتمام ثوبها.
نضحك اليوم عندما نفكر أن سيزار روميرو عمل مع ديتريش في فيلم"المرأة والدمية"كراقص مرافق! إذ لم يكن سيزار روميرو، في الواقع، سوى حفيد خوسيه مارتي، الشاعر الكوبي الكبير وبطل الاستقلال! ولكن ماذا كانت تعرف؟ أو ما الذي كان يهمها من الأمر؟
آه، كم هي معقدة مارلين، لقد شكلت تفاصيل كهذه والكثير غيرها جزءاً من أسطورتها. لم إنكار ذلك؟ كما أن كل هذا العبث يشكل، كذلك، جزءاً مما أحبه فيها. لم تكن مارلين جاهلة، بل كانت، بالأحرى، مثقفة، متكلفة، عطوفة، لطيفة وتعرف كيف تصون صداقاتها. كان لديها إخلاص بلا حدود. إما إن قررت النأي عن شخص ما، فلم يكن ذلك إلا لأنها لم تكن تؤيد الحماقة، أو لأنها كانت تمقت الاستحواذ المفرط أو لأنها كانت تحس أن الهوى يتلاعب بها. كانت مارلين ديتريش تتمتع بقدرة مميزة على اكتشاف البلاهة وكانت تكره إضاعة وقتها مع النمامين والأغبياء والأشرار والحشريين، أو بكلمة أخرى مع المنقبين في البراز.
كما كانت ديتريش خبيرة في الهروب والانسحاب، قادرة على التراجع أمام الخطر الذي يمثله كيان أكثر كمالاً مما ينبغي. رفضت خوض الكثير من المغامرات الغرامية، لا لأسباب أخلاقية، بل لأنها كانت تمقت أن يتم إغواؤها أو أن تغوي أحداً من أجل لا شيء. وكانت تستطيع أن تكون جلاداً حقوداً عندما تحس بالتعرض للخيانة.
 عدت من برلين بجناحين مهيضين يخوضان من جديد في أوحال طفولتي وعالم جدتي... طفقت أكتب، وأكتب بنشوة، فقد كانت تلك طريقتي الوحيدة في ملامسة السر كما يداعب شوبان ملامس البيانو. صرت، منذ بضعة أيام، ملاكاً محبطاً. كنت في السادسة والثلاثين من العمر وأعيش خوفاً كبيراً من المنفى، وازدراء أكبر للديكتاتورية. أستعيد اليوم، بعد مضي اثني عشر عاماً، قصة فيلمي المفضل،"الملاك الأزرق". وإن كنت قد خصصت مساحة كبيرة لمارلين ديتريش، فذلك لأنها كانت، وستبقى إلى الأبد، ملاك أحلام المشاهدين الأزرق حول العالم.

كانت مارلين، كذلك، خبيرة في الحزن، وقد مارست هذه اللعبة بحكمة ورصانة وبجرعات صغيرة وكانت تعايره بمتعة مدروسة، كي لا تهدره في مواقف عابرة. وكانت تقدمه، في نهاية المطاف، هدية لا تنسى. كتلك التي قدمتها لنا ماريا إيلينا كروز فاريلا في هذه الأبيات:
تهاجر الملائكة في جماعات.
تتخلى على الفور عن الإلهام، لقد كذبت علينا كثيراً.
وأنا ملاك مهيض الجناح ترك نفسه يتدحرج في المجاري
الماء العادم وحده حقيقة فاسدة وسط كم من الأكاذيب.
فتات. أنا لا أسمي إلا الفتات. خطير جداً أن يكون عمرك سبعة وثلاثين سنة.
وأن تكون ملاكاً مهيض الجناح.
اشتريت يوم أمس نسخة من فيلم"الملاك الأزرق"لجوزيف فون سترنبرغ، وهو فيلم مقتبس عن رواية لهنريش مان، شقيق توماس مان، عنوانها Professor Unrat (البروفسور حثالة)، نشرت في كوبا بعنوان El Angel azul.
أجد نفسي أمزق الغلاف الشفاف للقرص الضوئي. إنها الساعة الثالثة صباحاً تقريباً- لا الثالثة من بعد الظهر، وهي الساعة التي قتلت فيها لولا، وفقاً لسكان الجزيرة- وأتلذذ، للمرة الألف، بلعبة مارلين ديتريش، لولا لولا"الملاك الأزرق"، فيلم حياتي. و"الملاك الأزرق"هو فيلم حياتي لأن بطلته امرأة حياتي، ممثلة أحلامي، ونموذج المرأة بالنسبة إلي. كان"الملاك الأزرق"الفيلم الذي شاهدته أكبر عدد من المرات، إلا أني لا أسأم منه قط، بل أكتشف، في كل مرة أشاهده فيها، رفة عين جديدة هنا، أو موقفاً غير منتظر هناك، مذ شاهدت لولا لولا للمرة الأولى جالسة على برميل جعة، في ذلك الملهى الحقير المدعو"الملاك الأزرق"، وأدهشني سماعها تغني:
إني من رأسي حتى قدمي
مخلوقة للحب...
كانت تستعرض ساقيها وتبتسم بخبث ثم تداعب ربلتيهما. ومنذ تلك اللحظة، صرت أقول لنفسي إني أريد أن أكبر بسرعة وأكون، ذات يوم، كهذه المرأة، ممثلة ممتازة مثلها، مثيرة وجميلة مثلها. لم يكن حلمي، في نهاية المطاف، يختلف كثيراً عن حلم أية طفلة أو مراهقة.

أصبح"الملاك الأزرق"، على يدي مخرج من فيينا اسمه جوزيف فون سترنبرغ (فيينا 1894- هوليوود 1969) أحد أول الأفلام الناطقة في السينما الألمانية. والفيلم، برأيي، يتفوق على الرواية كثيراً.

يجد المرء، في إحدى المواد الملحقة بالفيلم في القرص الضوئي، مقابلة مع مارلين ديتريش تم إنجازها عام 1971. تصرح الممثلة في تلك المقابلة أن أحداً لم يكن يسعى إلى مارلين ديتريش لحظة تصوير الفيلم، وأن أحداً لم يكن يعرفها كممثلة وأنه كان عليها القيام باختبارات الأداء كغيرها. كان نجم الفيلم الحقيقي إميل جانينغز، الذي لعب دور البروفسور إيمانويل رات، الذي يلقبه تلامذته باسم البروفسور أونرات، أي البروفسور حثالة باللغة الألمانية. كان إميل جانينغز هو من أقنع المنتج إيريك بومر بالتعامل مع جو سترنبرغ. تم تصوير نسخة ألمانية من الفيلم وأخرى إنكليزية جرياً على ما كان سائداً في تلك الحقبة. وقد تفوقت النسخة الألمانية كثيراً على نظيرتها الإنكليزية الأطول.
 
استقلت مارلين ديتريش السفينة، ليلة افتتاح الفيلم، متوجهة في رحلتها الأولى إلى الولايات المتحدة. وعلمت، من خلال البرقيات التي تلقتها أثناء عبور المحيط، أن نجاح الفيلم كان بسبب الشخصية التي أدتها، على الرغم من أنها صرحت فيما بعد، في الكثير من المقابلات، أنها لم تكن تتوقع هذا النجاح على الإطلاق. أظن أن الجمهور ظلم إميل جانينغز الذي كان، في ذلك الوقت، من مشاهير ألمانيا. فقد كان الدور الذي أداه في فيلم"الملاك الأزرق"واحداً من أفضل الأدوار في تاريخ السينما: كان أداء مؤثراً، صادقاً، مذهلاً، تجاوز كل ما كان منتظراً من الشخصية الروائية. كان متوقعاً أن يكون جانينغز نجم الفيلم، لكن مارلين حرمته تلك المتعة، ربما بسبب أدائه المسرحي المفرط الذي فرضه الممثل نفسه الذي كان معتاداً على الأفلام الصامتة.

كنت أعيش في مبنى متداع في هافانا القديمة، اسمه سولار ديل ريفيربيرو، كما كان يدعوه القاطنون، كان على وشك السقوط. كنت أمضي وقتي في التسكع في الشوارع المملوءة بالمطبات بين القصور الاستعمارية القديمة وفي القفز من سطح إلى آخر محاطة بعصبة من الصبية، هي عصبة حديقة هافانا: كنا نسرق حمام لوريل، ونتهامس أسرار الكناري وأناشيد عصافير الدوري... كنت أقف مع جدتي خلف قضبان نوافذ منزل جيراننا الذين كانوا يملكون جهاز تلفزيون. أما نحن، فلم نكن نملك جهازاً، إذ كنا أفقر من أن نشاهد الأفلام على الشاشة الصغيرة. ألصقنا وجهينا بحديد النافذة وتابعنا باهتمام مطلع فيلم"الملاك الأزرق". شاهدنا ظهور يد كانت ترفع الستارة الحديدية لواجهة مزججة ألصق عليها رقم لولا لولا. تدخل امرأة إلى المشهد وترمي دلو ماء على الواجهة. غرقت عند ذاك في خفايا الخمول والرغبة، وتحولت إلى لولا لولا، تلك الفتاة التي كانت تعرض ساقيها بالغتي التناسق وهي تنشد:
إني من رأسي حتى قدمي
مخلوقة للحب.
هناك هو عالمي...
 
مضى الوقت بسرعة على إيقاع موسيقى البيمبي  التي كانت تصدح في الخلفية، وتحولت الأغنية الألمانية بالنسبة إلي إلى موسيقى غواغوانغو  على إيقاع صندوق أو علبة كونسروة براقة. وفي النهاية، أخرجتني جدتي من ذهولي بضربة على قفاي، وجرتني من يدي كي نذهب إلى حجرة شارع مورالا، الذي يشبه إلى حد ما ذاك الذي تسكنه لولا لولا في الفيلم. عندئذ، همست لنفسي قائلة: إن وجه الشبه بين حياتها الوضيعة وحياتي يمنحني آمالاً كبيرة.
كان فخذاي ناحلين للغاية. أما لولا لولا فكانت تستعرض فخذيها البضين المكتنزين وسروالها المصنوع من الدانتيلا. كانت لولا لولا تنظر من طرف عينها بخبث. أما أنا، فكانت عيناي، لسوء حظي، تصابان بالحول عندما أحاول تقليدها وأنا أنشر ذراعي للحفاظ على توازني على إفريز السطح. كدت أقتل ألف مرة وأنا أحاول تقليد لولا لولا وأغنيتها الرائعة: Ich bin die fesche Lola ("أنا لولا الأنيقة"). حطمت العديد من الكراسي في تقليد ساقيها المنفرجتين. وكنت أفتح ساقي ثم أغلقهما فينتابني شبق مبالغ فيه.
 
انتزعت كمية من الريش من ذيل حمامة وصورت نفسي بلباس خفيف، كان كناية عن ثوب سباحة، وألصقت الصورة على قطعة من الورق المقوى؛ ثم ألصقت الريش على طول قامة الفتاة في الصورة بحيث تظهر ساقاي العاريتان الهزيلتان عندما ينفخ أحدهم الريش، تماماً كما فعل البروفسور أونرات ببطاقة بريدية صادرها من أحد تلاميذه تظهر فيها لولا لولا نصف عارية. تطورت رغبة البروفسور وازدادت منذ أن اختطف تلك الصورة الخبيثة والجريئة من أحد تلاميذه الذي كان من الزبائن المداومين على الملهى الذي تغني فيه لولا لولا.
 
في أحد الأيام، اكتشف جدتي طائر كناري ميتاً في واحد من الأقفاص الأحد عشرة التي كنا نملكها في غرفة شارع مورالا، فلفته بقطعة من الكتان ومضينا لدفنه في حديقة إينامورادوس، على العكس مما فعلته مدبرة منزل البروفسور أونرات بعصفور الدوري أو الكناري الذي وجدته ميتاً في قفصه. كانت من لحظات الفيلم التي أثرت في كثيراً، تلك التي تكتشف فيها خادمة البروفسور، الذي كان لا يزال مدرساً مرموقاً، العصفور الصغير في قفصه في غرفة سيدها، وقد كف عن الغناء لأنه مات، بكل بساطة. عند ذاك، ترمي جثته في الموقد، دون أدنى تردد.
أردت لسنوات الحصول على تفسير لهذا التصرف، لكني عجزت عن رؤية المغزى منه، لم أستطع التوصل إلى شيء. ثم ذات يوم، وقد مضت عقود على ذلك، أخبرني رجل ألماني أن الأمر لا يعني شيئاً، بل إنه مجرد تصرف ألماني في فيلم جوزيف فون سترنبرغ. أصبحت الآن أرى هذا التصرف بعين أخرى، بل قد أبتسم لرؤية هذا المشهد وأضحك من نفسي ومن سذاجتي. كنت، في ذلك الوقت، أتساءل قائلة: ما المقصود بهذه البربرية المفضوحة؟ هل يرغب المخرج في الإعلان عن مأساة قادمة؟ ولأن ذلك ما حصل تماماً بعد بضعة مشاهد، على الأقل فيما يخص البروفسور، فقد لازمني لمدة طويلة ذلك الشعور بأن أمراً سيئاً على وشك الوقوع في كل مرة أشاهد فيها، في أحد الأفلام، عصفوراً ميتاً. لكن ذلك لم يحصل في كل المرات، أو ليس، على الأقل، في فيلم"العصافير"(1963) لألفرد هتشكوك، الذي تمثل العصافير فيه تهديداً واقعياً، لا استعارة تستخدم لتوجيه سياق القصة التي يرويها الفيلم.
 
يذكرني فيلم"الملاك الأزرق"بدراسة لأوكتافيو باز عنوانها"اللهيب المزدوج"، يشير فيها إلى الفرق بين الحب والرغبة كي يخلص، في النهاية، إلى أن الحب أكثر حرية، بالتأكيد، من الرغبة، على الرغم من أن الأمر قد يبدو خلاف ذلك. لكن لا. فالحب أكثر استقلالاً من الرغبة بكثير لأنه يمنحنا حتى حرية أن نجن بسبب ما يمكن أن نتصوره أو نختلقه في تفسيرنا لبادرة لطيفة صدرت عن المحبوب، وحرية أن نموت عندما نحس أننا لم نعد محبوبين.
إن ما هو مؤكد، في رائعة جو سترنبرغ، هو أن القصة منسوجة من دلو الماء الذي تم إلقاؤه على صورة امرأة في واجهة مزججة وبطاقة بريدية خبيثة وطائر كناري ميت تفحم في موقد وسروال من الدانتيلا دس خلسة في جيب معطف مدرس بارز. وقد لجأ المخرج، كي يروي لنا الحكاية، إلى العناصر الجمالية الرائجة، إلى الانطباعية الألمانية، إلى تنورة الريش التي تكشف، عند النفخ عليها إلى الأعلى، الفخذين الرائعين للمغنية المكتنزة التي ترفع حاشية ثوبها أمام مدرس خجول وخائف هو الدكتور إيمانويل رات الذي يوحي اسمه بانطباعية خالصة. لا أرغب، على وجه الخصوص، في نسيان لحظتين من الفيلم أعشقهما: اللحظة الأولى هي التي ترقص فيها فتاة الملهى الممتلئة على إيقاع الموسيقى وتدير رؤوس الزبائن، ثم اللحظة التي تنفخ فيها لولا لولا علبة مساحيقها على صديرية الأستاذ. فقد تحول الفيلم، منذ ذلك الحين، إلى زوبعة من الصور تتطور فيها لولا لولا بخفة المسحوق الذي يغطي صدر عاشقها، الذي صار زوجها. حب، رغبة، شغف، تخل، تلكم هي موضوعات الانطباعية.

فصل من  كتاب (الملاك الازرق)
الصادر حديثا عن دار المدى