الحلول المهنية لمشاكل الكهرباء الوطنية

الحلول المهنية لمشاكل الكهرباء الوطنية

المهندس محمود الزيدي *
ما أن يبدأ الحديث عن الواقع الإقتصادي حتى يقفز موضوع الكهرباء ويفرض نفسه كأهم عامل من العوامل المؤثرة فيه سلبا أو إيجابا. ففي عالم الصناعة وهو بالطبع أكبر رموز الواقع الصناعي جاء تحول المصانع والمعامل الى استخدام الطاقة الكهربائية لتدوير عجلة الإنتاج ليضيف أهمية أخرى لهذه الطاقة ويتوجها وبلا منافس كأول وأهم نوع من أنواع الطاقة المعروفة على الإطلاق.

 ولا تقل هذه الاهمية في بقية المجالات الإقتصادية الأخرى كالإنتاج الزراعي والحيواني التي دخلت المكننة فيها من أوسع الأبواب وهي بجملتها تعتمد على الكهرباء لتوفر ناتجا يغطي الطلب المتزايد عليه. وملخص الكلام وهنا لا أضيف جديدا عندما أقول بأن الكهرباء أصبحت بمثابة روح الحضارة الإنسانية الحديثة. وانطلاقا من هذا التوصيف الذي يتسم بالبداهة وبتسقيط سابق القول على المشهد العراقي البائس يتبين لنا بوضوح حجم الكارثة التي يعانيها واقعنا الاقتصادي، ليس بسبب سوء الإدارة وغياب الرؤيا والتخطيط؛ وهو ما سأتركه للمختصين يحدثونا عنه؛ بل فقط بسبب تدهور وضع الكهرباء الوطنية. حيث توقفت معظم الصناعات المحلية بالكامل نتيجة ذلك كونها تصبح غير قادرة على المنافسة السعرية في السوق اذا استخدمت الكهرباء البديلة وأقصد المولدات، هذا مع كل الصعوبات التي يعانيها المنتج المحلي من انفتاح السوق على البضائع المستوردة بدون أي قيد وبغياب قوانين حماية المنتج الوطني وحماية المستهلك.
إن انتاج الكهرباء البديلة هو بحد ذاته عملية إستنزاف لأموال البلد بشكل لا يصدق، ولأقربكم من الصورة الكارثية سأقسم هذه الأموال الى جزئين : الأول هو ما ننفقه نحن المواطنون، والجزء الآخر هو ما تنفقه الحكومة في كل دوائرها ومؤسساتها من أجل الحصول على كهرباء بديلة عن الكهرباء الوطنية. ففي دراسة أعددتها قبل عامين قمت بحساب هذه المبالغ متبعا طريقة إحصائية شبه تخمينية وذلك بالإعتماد على الأرقام المتعارف عليها في هذا الباب من حيث: أسعار المولدات المنزلية، أسعار الوقود، سعر الأمبير في سوق الإشتراك بالمولدات الكبيرة، واسعار الملحقات والبدائل ووسائل التوصيل الأخرى وغيرها... وإليكم سادتي الأرقام المخيفة التي ظهرت لي، والتي تناقس بعدد أصفارها أرقام عالم الفلك والفضاء
 ففي بلدنا البالغ تعداد سكانه الثلاثين مليون نسمة لدينا وبلا فخر الآن أكثر من 15,000,000 مولدة مختلفة الأحجام والألوان والأنواع
 بفرض أن عمر  أفضل أنواع المولدات لا يتجاوز الأربع سنوات فيبدو اننا قد أتلفنا أكثر من 15,000،000 مولدة في السنوات الثمان الماضية.
 لدينا شبكة عنكبوتية هائلة من أسلاك التوصيل العشوائية يزيد طولها على أقل التقديرات على 2,000,000,000 متر (وهو ما يعادل المسافة بين الأرض والقمر خمس مرات)
 أما الرقم المروع فهو المبالغ المصروفة من قبلنا نحن المواطنون لتوفير كهرباء بديلة والذي يزيد سنويا عن 18,000,000,000,000 دينار عراقي (أي ما يعادل 15 مليار دولار أميريكي)
 هذا بالأضافة الى عشرات  الملايين من مفاتيح التحويل وقواطع الدورة وأجهزة الحماية ومثبتات الفولتية ورافعات الفولتية وعاكسات القدرة ومجهزات القدرة ومصابيح الشحن ومراوح الشحن ومصابيح الدلالة ونغمات الإشارة... والخ مما يصعب حصره وعده.
هذا بالطبع ما أمكنني إحصاؤه لأن أرقامه مشاعة كما هو معروف للجميع. أما الجزء الآخر من الأموال وأعني به ما تنفقه الحكومة في دوائرها فلا سبيل لحصره كما هو واضح ولكن يمكننا ان نقترب من الصورة إذا انتبهنا الى النقاط التالية:
 تقريبا لا يوجد حاليا أي دائرة صغيرة كانت أم كبيرة لا يوجد فيها على الأقل مولدة واحدة بدءا من مقرات الرئاسات الثلاث (رئاسة الجمهورية، رئاسة الوزراء، رئاسة البرلمان) وانتهاء بأصغر مستوصف أو مدرسة أو ثكنة عسكرية في المناطق النائية
 تحتاج أغلب هذه المولدات الى عمال لتشغيلها وصيانتها وخزانات للوقود ومياه للتبريد ومكان مهيأ مع سقيفة وملحقات ومستلزمات الربط والتوصيل
 تستهلك هذه المولدات كميات كبيرة من الوقود والزيوت وقطع الغيار وبما يعادل سبعة أضعاف سعرها حسب معادلة عالمية تقول (أن سعر أي معدة لا يمثل سوى نسبة 14% من قيمة صرفياتها طيلة عمرها التشغيلي)
وهكذا يكون الرقم الحقيقي غير بعيد عن الرقم السابق الذي يخص المواطنين ولكن هنا يجب ضربه بمعامل مهم يمثل مستوى الفساد الإداري وثقافة القومسيون والإستفادة من مشتريات الحكومة وهو بحسب تقديري يتراوح من 1،5 الى 3.
طبعا وكما هو واضح هذه الحسابات والأموال لم تشمل ما تنفقه وزارة الكهرباء في محطات انتاجها التي تضرب الرقم القياسي العالمي بمقدار ما تهدره من الوقود مقارنة بما تنتجه من الكهرباء وسأضرب لكم مثالين على ذلك:
المثال الأول: محطات الإنتاج التي فيها وحدات تستخدم وقود زيت الغاز (الكاز) وهو بالطبع أغلى وقود بالعالم، ويأتيها هذا الوقود مستوردا من الخارج ومنقول برا بالقاطرات الحوضية (التانكرات) وهذه أغلى وسيلة نقل بالعالم ولكون كفاءة هذه الوحدات التصميمية لا تتجاوز 60% فتقوم هذه الوحدات بتحويل 60 تانكراً فقط الى كهرباء وتحرق 40 تانكراً بلا فائدة من كل مئة تانكر.
المثال الثاني: معظم محطات الإنتاج الحرارية تستخدم تقنية الدورة البسيطة بالإنتاج فهي تحرق الوقود الثقيل لتسخين المياه وتوليد البخار بضغط عال ويتم إدخاله الى توربينات الإنتاج لتدويرها وتخرج المياه الساخنة لتقذف في الأنهار، في حين تستعمل أغلب الدول اليوم تقنية الدورة المركبة التي تعيد تسخين هذه المياه والأستفادة منها وما يرفع كفاءة الإنتاج ويقلل الهدر بالوقود وعمر المعدات، ناهيك عن تخفيض نسبة التلوث.
وعندما نتحدث عن بيت الداء وأساس المشكلة الحقيقي لموضوع الكهرباء وهو شبكة التوزيع الكهربائية والمستخدمين والأحمال.
فالشبكة الكهربائية تعاني فوضى واضطراباً كبيرين يصلان بها الى حد الإنهيار التام نتيجة خروجها عن كل المحددات والقياسات التصميمية والعلمية الصحيحة، فتكون نسبة الفقد فيها أعلى من نسبة التجهيز، مما يؤدي الى تقطعها وانصهار اسلاكها وتلف معداتها كالمحولات. وأهم الأسباب التي أدت الى هذه الفوضى هي
زيادة الاختناق في الشبكات والضغط على المحولات نتيجة عدم فصل الشبكات وأضافة أخرى بنسبة توازي الزيادة السكانية وارتفاع مستوى السكان المعيشي وما يعكسه من زيادة في استهلاك الكهرباء
 إندثار وتقادم أعمار قسم كبير من الشبكات العاملة حاليا وعدم صيانتها بالإسلوب العلمي الصحيح، بل أن عمليات الصيانة الرديئة هي نفسها تسرع من عملية إتلاف الشبكة
عبث الكهربائيين الأهليين وتجاوز المواطنين على الشبكة بدون معرفة علمية وبغياب مريب وسكوت غريب من جانب الحكومة وعدم المحاسبة الجدية للمخالفين
والحل الصحيح الوحيد هو بإصلاح شبكة التوزيع، ورفع التجاوزات عليها، وإعادة التوزيع علميا وأصوليا، وتغيير نظام حساب التعريفة (قائمة الكهرباء)، وزيادة تسعيرتها، ويتم ذلك عن طريق خطة ذكية متعددة المحاور يتم تنفيذها بشكل مراحل يسبق ذلك ويرافقه عملية تهيئة نفسية وإقناع للمواطن بعظم الفائدة المستحصلة من هذا المشروع الحلم؛ عبر حملة إعلامية وتثقيفية لجعله يتفاعل مع المشروع ويساعد على إنجاحه. وأنا شخصيا أجريت بعض الإستطلاعات على نماذج مختلفة من الناس بالسؤال الآتي:
(ماهو رأيك بمشروع يعيد وضع الكهرباء كما كانت في السبعينات وينسيك همها إلى الأبد مقابل بعض الترشيد وزيادة قليلة في السعر؟)
وكانت جميع الإجابات الإستعداد لما هو أكثر مما طلبت منهم, رغم تشكيك بعضهم بإمكانية عودة الوضع كما وصفت ليأسهم وجهلهم بحقيقة الأمر.
محاور الحل :
المحور الفني الهندسي:
 وهو تقريبا من أسهل المحاور تنفيذاً ويكون حسب الخطوات التالية:
1. يتم اختيار منطقة على اساس جغرافي يعني محلة واحدة أومجموعة محلات متقاربة وعلى اساس كهربائي بحيث أنها تشمل شبكة مغذي وطني كامل (11 كيلو فولت)أو عدة مغذيات في محطة تحويل (33/11 كيلو فولت) واحدة.
2. ترفع التجاوزات على شبكة التوزيع التي تدخل ضمن الخطة ويعاد توزيع الكهرباء حسب المعادلات الرياضية الصحيحة والأصول المرعية. بعدها توزع قيم التيار الكهربائي على المنازل وحسب طلب المواطن وبرقم مفتوح (طبعا هذا بعد أن يبلغ بالتسعيرة الجديدة وطريقة إحتسابها) وهذا ما سيضمن لي عدم طلبه لتيارات عالية لأنها محسوبة بحيث تكون غالية جدا لايتحمل تسديدها، ومن جهة أخرى إذا كانت الكهرباء مستمرة (24 ساعة) فما حاجته الى قيم عالية؟!
3. يرافق عملية رفع التجاوزات وإعادة التوزيع عملية تأهيل للشبكة وإصلاح نقاط الضعف فيها وباستعمال نفس المواد مع بعض الإضافات الضرورية لتقليل التكاليف.
4. يراعى أثناء ربط قابلوات البيوت على الشبكة ختم منطقة الربط بمادة عازلة سميكة وذات لون فاتح مشع بحيث يمكن للناظر ملاحظة أي تلاعب به وهو على الأرض. ولمنع عملية الربط من أماكن أخرى يغلف القابلو النحاسي العاري بشريط عازل على مسافة مترين من جهتي عمود الكهرباء.
5. تجهز البيوت بعداد رقمي حديث يختلف نظام عمله وطريقة حسابه عن العداد القديم. تم وضع التصاميم الأولية لهذا العداد ويحتاج الى دعم مادي لتنفيذه.
المحور القانوني والإداري:
حيث من المتوقع بل والأكيد محاربة مثل هكذا مشروع من قبل جهات عديدة لذلك يحتاج الى تكتيك ذكي مدعوم بقوانين وأوامر وتعليمات تحكم عملية التنفيذ وما بعدها. إن هذا المحور بالذات يمكن ان تكون فيه أفكار كثيرة ومتنوعة وأدناه بعض النقاط التي ممكن تعديلها في حالة صعوبة تنفيذها:
1.أرى من الأفضل وجهد الإمكان فصل ادارة الشبكات التي تؤهل في هذا المشروع عن وزارة الكهرباء مع بقاء كوادرها وربطها بدوائر المحافظة. و إذا كان هذا صعبا و يحتاج الى وقت طويل يمكن أن تؤسس مديرية جديدة ضمن وزارة الكهرباء لإدارتها وتعطى بعض الإمتيازات لتحفيز العاملين ولإسناد الفكرة وتدعم بكل القوانين التي تنجح الفكرة.
2.تضاف الى هذا التشكيل بعض الإختصاصات (إن لم تكن موجودة) تكون وظيفتها مراقبة الشبكة ليلاً ونهاراً وعن طريق فرق جوالة مجهزة بالمستلزمات الضرورية لهذا العمل لضبط أي حالة تجاوز.
3. التركيز على منع بعض الأشخاص الذين امتهنوا مهنة كهربائي على أعمدة الكهرباء الوطنية وهم يمتلكون سلالم طويلة ويقومون بجميع أعمال التجاوز والربط الخاطئ وغير القانوني وبالتعاون مع ضعاف النفوس من موظفي وزارة الكهرباء مقابل بعض المال، ويتم ذلك بردعهم ومحاسبتهم من جهة؛ واستيعابهم بضمهم الى فرق العمل في المشروع من جهة أخرى. وكذلك إصدار أمر بمنع بيع وأمتلاك السلالم الطويلة  كما في السابق.
4. تفعل قوانين المحاسبة في حالة وجود تجاوز أو تلاعب بالعداد أو الشبكة وردع أي محاولة تخريبية تستهدف إفشال المشروع.
5. يمكن الاستفادة من وجود الهواتف النقالة وخصوصا عند الشباب وفتح خط اتصال ساخن خاص بالتبليغ عن أي مخالفة بصورة سرية مقابل مكافئة مالية على شكل رصيد مثلا يرسل لصاحب المكالمة بعد التثبت من حالة التجاوز.
6. يمكن أيضاًَ الاستفادة من الإنترنت بفتح موقع الكتروني لتسلم الملاحظات والشكاوى والتبليغات والتفاعل مع المواطنين.
المحور السياسي والاجتماعي:
 بإيماني أن الحكومات تكون دائما سلاحاً ذا حدين؛ فهي قادرة على إصلاح المجتمع أو إفساده،وذلك عن طريق تشريع القوانين التي تلائم كلا ً من الحالتين. وموضوع الكهرباء يشكل الآن أكبر حالة تماس بين المجتمع والحكومة وخدمة عامة ذات طبيعة علمية عالية ودقيقة، يجب على كل طرف التقيد التام بالقوانين والأصول المرعية للنجاح في تقديم هذه الخدمة. لذا من المستحيل الحصول على الكهرباء في ظل مثل هذا الإستهتار الهائل من قبل المواطنين والسكوت المريب للجهات الحكومية عن المحاسبة الفعلية والمعالجة العلمية الصحيحة بدلاً من استغلال الموضوع لأغراض الفساد المالي والإداري!!
إذاً يأتي هذا المشروع لإعادة صياغة العلاقة بين المواطن والحكومة والشبكة بصورة صحيحة تضمن حقوق جميع الأطراف وعلى هذا المبدأ تقوم حملة ضخمة لتوعية الناس لكي يتقبلوا الفكرة ويتعاونوا معا لإنجاحها. وهي خطوة باتجاه تهذيب المجتمع وإعادة انصياعه لسلطة القانون، وتكمَّل خطة فرض القانون الناجحة وهذه المرة باتجاه الخدمات.
المحور الإعلامي:
طبعا لا يخفى على أحد الدور المهم والرئيس الذي يلعبه الإعلام في عملية الإقناع والتوجيه والتحشيد إذا ما استخدم بطريقة فعالة وذكية (وسخية!). حيث وكما هو واضح إن هذا المشروع ليس حلا سحريا يوفر الكهرباء ويحل مشكلتها في ليلة وضحاها (ومثل هذا الحل غير موجود)، بل هو مشروع طويل الأمد يستند فكرة توفير فائض من الكهرباء الناتج بسبب ترشيد الإستهلاك بفعل رفع التسعيرة والناتج أيضاً من عملية تنظيم التوزيع وإصلاح الشبكة، وهي كمية اتوقع أن تكون ضخمة جدا تمكننا من المناورة والإيفاء بوعد الـ(الكهرباء 24 ساعة) وبهذا نكسب وقتا كافيا ومريحا تتم خلاله عملية نصب محطات توليد وانتاج كبيرة جديدة، وكذلك كسبنا شبكة جيدة وصحيحة تنتظر أي زيادة في الضخ.
* باحث ومتخصص في مجال الطاقة الكهربائية