جدل المراثي في .. (قبرها .. أم ربيئة وادي السلام)

جدل المراثي في .. (قبرها .. أم ربيئة وادي السلام)

زهير الجبوري
يحيلنا الشاعر جواد الحطاب بين فترة وأخرى إلى قراءة منجزه قراءة مختلفة ومغايرة لما يطرح من نتاج شعري في الساحة العراقية ، ولأنه مولع بالمغايرة وكسر النسق والغور في التجريبيات ، فقد قرأنا له آخر ما اصدره وهو (قبرها أم ربيئة وادي السلام) ، متناظراً مع (بدرية نعمة) ، وهي تجربة حذرة قدمها بمهارة البناء وسلاسة المعنى.

من هو الراوي ..؟ .. الحطاب استعاد العلاقات الغيابية ، تلك التي تمسك بالمعنى والترميز ، (فهذا الدال يدل على ذلك المدلول) بحسب تودروف ، هذا البناء انطوى على مفهوم افتراضي ، مفاده أن بدرية نعمة شخصية حاضرة ومجسدة أمام ناظري الشاعر ، ليستعيد منها - صوته – ما يكرسه في نصه ، ربما ينظر لها البعض على أنها تحمل دلالات ميثيولوجية ، لكنها في حقيقة الأمر أخذت على عاتق (العتبة = القبر) ، الرجوع إلى (رحم = الأم) ، فالسلطة الخفية / الجسد / التحتاني / في لحظة هيام اعاد (جواد) قبل (الحطاب) إلى طفولته ، فوجد نفسه أمام القبر معيداً تلك اللحظات علّهاتطفئ ما سحقته سني الوجع :
 هههه .. معي : بدرية نعمة
... أعرف أن الله
صديق شيلتها السوداء كأفراح القديسسين . ص12

أقترن المحسوس بالذهني والهاجسي ، هو ما أفاضته مشهدية هذا الاشتغال الشعري ، مع ما قامت به طريقة الكتابة بسياق نثري مسرود ، فلم تكن فنية الكتابة الشعرية حاضرة بالدرجة الاساس ، إنما شعرية المعنى والبناء معاً ، فنلمس علامات المكان / القبر ، ثنائية الـ (أنا) الحاضرة ، (جواد / بدرية) ، ومن ثم اللّغة مع انسراحاتها وتوهجاتها المشهدية ..
الّا اننا لو امسكنا بنصية البناء الشعري في هذا الكتاب ، لوجدنا ما تخفيه اللغة من ايقاعات خفيه ، ايقاعات لا تظهر من الوهلة الأولى سماتها الحضورية ، بمعنى أن جواد الحطاب بطريقته وسخريته المعهودة يعبر عن علامات حاضرة كإطار شكلي ، في حين ان ما تخفيه هذه العلامات من مؤثرات حسية داخلية – غير معلنة – هي ما أفاضت حدس الشاعر في الوقوف أمام قبر (الرحم / الأم)، لتصبح في وحدتها الكاملة نزعة ذاتية / حياتية / نفسية / وجودية ، فالعودة إلى الجذور ، هو الاستنهاض العنيف في رفض الواقع.
من زاوية أخرى لم تكن تجربة الحطاب هنا ، سوى صياغات لغوية / شعرية (اكسسوراية) منمقة ، كتبت بقصدية ، لنجد الملامح الظاهرة غير ما انطوت عليه خلجاته، ومكوناته ، فالنص الطويل هذا ، مفاده أن الشاعر بدأ يعلن عن حالة الرفض من كل ما يحيطه ، ليجد نفسه وجهاً لوجه أمام الأصل ، فأفاق امه بسلطة القصيدة ليكتب معها هذا النواح / الرثاء / الرفض ، ويعيش مناخه الشعري بأسلوب نادر واداء نثري واضح.
كما إن جواد الحطاب بدأ يركز على كتابة القصيدة بوعي التصميم ، ومحاولة كشف الأمكنة التي تشكل علامات راكزه ومؤثرة ، وهنا يذكرنا بما قدمه في (البروفايل / نصب الحرية)، لكن في هذه التجربة كان القبر (حيز محدود) لفضاء اوسع وادي السلام ، وقد أحالنا العنوان إلى ذلك (قبرها .. أم ربيئة وادي السلام) ، لنقرأ ما حققته حالة التوهج والتفجر في صياغة العلامات المستخدمة في النص الشعري.
قد يوحي لنا أن ما قام به الشاعر هو جزء من ممارسة شعائرية ، مع ما احتوته من دلالات وافيه لبنية شكلية (القبر) ذات عمق مخيالي واسع ، الّا ان المسألة أعمق من مرثية شعرية ، أنها مرثية الحي (جواد الحطاب) ، وإن اللجوء إلى وادي السلام بكل مساحته وشحناته المكانية ، لكتابة وثيقة رفض ، فمع الميل إلى الحالات السايكوسياسية والسايكوسوسيولوجية، ينبئ لنا النص الشعور بالاستيحاش والانفعال الداخلي ، وهذا ما جعل (بدرية نعمة) الكائن الوحيد المسافر إلى رحلة مجهولة أن يتماثل أمام الشاعر مجازاً ..
لابد من الوقوف عند بعض محطات هذه التجربة ، بخاصة إذا ما علمنا أنها مليئة بالهواجس والاحاسيس الفائضة بين طرفي (الأم - الأبن) ، فتنهض أمام القارئ الكثير من الدلالات الموحية بالاستجابة لرغبة المنولوج :
صوتك المجعد من سيكويه يا أمّ
من سيرسل هدهداتك إلى المصبغة. ص14.
الوقف عند منطقة المنادى يعطي مفهوماً دلالياً لوجود آخر (متلقي) ، فكانت (بدرية نعمة) ، لكنها شخصية متجلية داخل القصيدة ، حضرت بوصفها المعادل الموضوعي الذي يريده الحطاب ، هي ذات سمه (ميتافيزيقية) ، بخاصة إذا ما امسكنا وضوح صوت الشاعر في جميع المقاطع ، وأيضاً في المقطع الذي أمامنا (صوتك المجعد) و (من سيرسل هدهداتك) ومع حالة الاسترسال المتوالية ، أخذت شعرية النص تنحو منحى ذا إطار سيري ، والاحتفاظ بسياق الجمل بالطريقة التناصية مع الموروث التاريخي والمقدس ، وهي لعبة شعرية انمازت بنكهة مجازية القت على عاتقها العناصر ، (الهندسية = التشكيلية) و (اللغوية = الشعرية) ، بمعنى ظهور (فوتو)القبر كأرضية فوقها النص ، قد تماهى مع المعنى المكتوب ، وهي طريقة تصميمية ذكية اشبعت عين القارئ واعطته دلالة وافيه مكتملة الأبعاد ..
من ذلك ندرك أن شكل القبر بتناظره مع النص ، يعبر عن كونه الراوي الأول ، ولعل ديدن الفكرة للوهلة الأولى ، استعدادية مثلما ذكرنا ذلك ، نقرأ في المقطع (3) :
في (مسند) الحطاب
إنّ الرب وجدك نامية على ضفاف سومر
فاستخرجك من لحاء الطين
ومن نكهات القرنفل ، والقصب . ص16
كذلك نقرأ في (مسند) سومر :
يا ابنة الآلهة والكواكب التسعة
يا بنت اثني عشر ولياً
في الفالةوالنحري ، في الزهرة ورفيقتها
نقش الأجداد على جبينك مواقع النجوم . ص19.
ما يزيد تكريسه هنا ، إن النص أخذ بعداً اشكالوياً ، لكن بحدود الجملة الشعرية فقط ، وبعين الشاعر ، هنا الحطاب أصبح الراوي الثاني ، أو الراوي عن (بدرية نعمة) ، فكلمة (مسند) لها مرجعياتها بعلم الحديث ، وهي توليفة تناصية ذكية من دون الرجوع إلى نص آخر ، بل ما تأخذه سياقات البناء الشعري للإطار العام.
في القسم الثاني من هذا الكتاب قرأنا (نثار الذهب) و (بعض نثار الذهب) ، لا ادري أن شاطرني الرأي أحد بان العبارة الأولى تمهيد للثانية ، لكنها حملت سمة اغترابية واضحة ، أمّا من الناحية الفنية فهي لا تختلف عن المقاطع الشعرية المكتوبة في البداية ، أشعر أن الشاعر اتضحت رؤياه وبانت ملامحه الحسية والهاجسية من خلال شعوره بالنهايات ، ومحاولة جعل القصيدة بسماتها اللغوية والشكلية مجسدة بالمقياس الذي يراه المتلقي لوحة شعورية / شعرية، لذا نقرأ على لسان الشاعر (ذكر الكثير من النقاد ، والمتابعين لمشغلي الشعري المتواضع، أنني أعتمد على (نحت) القصيدة ، وازالة ما يعلق بجسدها من ترهلات) ص33.
أعتقد أن هذا التصنيف انصب من خلال الإمساك بثيمات علاماتية بارزة ، لها مرجعياتها ودلالاتها العامة والخاصة ، وخصوصية هذه التجربة انطوت على رؤيا ذاتية مشتركة، حيث (القبر) حيز محدود داخل (وادي السلام) الفضاء الأكبر ، ألم تكن هذه القراءة نحتاً شعرياً ..؟ بكل تأكيد ، وإن كانت مشحونة بلغة ذهنية مجردة .
كما تشكل جمل (نثار الذهب) خلاصة وافية لعصارة شعرية واسعة ، كانت في الوقت نفسه هي مشبعة باحساس غنائي ، وينتابني شعور بأنه نص داخلي ، أو منولوج داخلي ، حيث رَسْمِ المشهد ، نراه بعين الشاعر فقط ، نقرأ :
لكم يبدو سخيفاً نهار الموت
إلّا نهارك ..
كان يملك ابّهة عجيبة . ص39
هنا – بالتحديد – أفاق جواد الحطاب من صدمته ، وأصبح هو الراوي ، فما بين (نهار الموت) و (نهار بدرية) الذي له أبهة عجيبة ، ثمّة صعود متواتر في النص ، يمكن تسميته بتوتر مشهدي ، وهكذا طريقة كتابة النص عند الشاعر ، لنقرأ ما يرادف المقطع الأول :
أجفف فراقك
كما يجفف القرويون
الفواكه والسمك
(ثم) : الموت .. كتاب
بلاغته .. الجثث . ص44-45
مع وضوح المعنى وطريقة الاسترسال الواضحة ، أو الطريقة المجازية ، فإن اللّغة التي قرأناها تتنبأ عن استسلام الحطاب لواقع (الفراق) و (بلاغة الموت) ، ربما كانت استجابة المشروع هذا برمته من (اللاوعي) العاطفي والروحي للطرف الآخر / بدرية / الأم..
(استخلاص) :
في (قبرها .. أم ربيئة وادي السلام)، تطل علينا تجربة جواد الحطاب بخصوصية متفردة وكتابة شعرية لها مناخها الخاص ، فقد اثارت جواً شعرياً مشحوناً بإيقونة المكان (اولاً) ودلالة الشخصية المحورية (ثانياً) ، لذا ، ظل النص مكتفياً برؤيا الشاعر وباللّغة المفتوحة على دلالات كاشفة عن حالة البوح للآخر ، فكانت النصية الشعرية برمتها عبارة عن لعبة لغوية ، بل تداخل معها الحلمي بالرؤيوي ، لتنبثق هذه الملحمة بالطريقة المسدودة ، أو بأسلوب الشاعر الذي يتمتع بانفرادية الاداء النثري في كتابة القصيدة ..
ومن صميم هذه التجربة وحقيقة التأثر الواضحة ، نلمس أن الاشياء جميعها انطوت على جعل النص الشعري يحتمل قراءات متعددة ، إذ شكلت ثيمة (الأم) وجدل فراقها ، وثيمة (القبر) ودلالته المكانية وثيمة الـ (أنا) ودلالتها الحاضرة  داخل النص ، حالات وقراءات قابلة للإضافة، أيضاً يشعرنا نص (الحطاب) بأن ما كتبه وإن تشعبت فيه الذاتية المفرطة ، الّا أنه نص كوني ، بمعنى يحمل هماً ميتافيزيقياً صيغ بطريقة اشكالوية .