توظيف السرد لخلق الجمال واللذة من اللامشاعر في رواية    واخضرت الأرض

توظيف السرد لخلق الجمال واللذة من اللامشاعر في رواية واخضرت الأرض

زينب المشاط
“ها هو يمضي على طول الجانب الغربي من الوادي حيث الأرض كثيرة الشجر، وثمة أشجار مورقة وسط أشجار التنوب الفضية وأشجار الصنوبر ومن تحتها العشب. وتمضي ساعات في ذلك السير ويخيم الغسق ولكن أذنه تلتقط صوت خرير ضعيف لمجرى ماء؛ فيشد ذلك الصوت من عزمه كأنه صوت كائن حي ويتسلق المرتفع ثم ينظر إلى الوادي

 وقد لفته غلالة نصف مظلمة من تحته ومن ورائه سماء الجنوب. ويرقد ليستريح. ويريه الصباح صفاً من أرض المراعي والأراضي المشجرة فيهبط بعيداً عنه يلوح جدول وأرنب بري يقفز عبره، فيهز الرجل رأسه هزة الاستحسان، لأن الجدول ليس عريضاً، بحيث استطاع الأرنب البري أن يعبره بوثبة واحدة، وهذه قطة بيضاء جاثمة فوق عشها تجفل مع وقع قدميه، وهي تهمس في غضب فيهز رأسه مرة أخرى. فهذه بقعة طيبة فيها صيد من ذوات الريش وذوات الفراء، وفيها الخلنج وشجر من فصيلة التوت يغطي وجه الأرض ونباتات صغيرة من فصيلة السرخس وأزهار حشيشة البتول التي تشبه نجوماً ذوات أطراف سبعة... إن أشقّ ما في مهمته هو العثور على المكان؛ هذا المكان الذي لا يملكه أحد، ولكنه الآن له، ولديه عمل يشغل أيامه".
ضمن مناخات رومانسية يمضي كنوت هامسون في سردياته " واخضرت الأرض " التي صدرت عن مؤسسة المدى للثقافة والاعلام والفنون والتي ترجمها صوفي عبد الله ،  مصوراً من خلال حياة عائلة أميركية حياة المجتمع الأميركي الريفي والمدني وذلك بأسلوب عذب شيق وبلغة تميل إلى البساطة ليتآلف القارئ معها إلى حدّ كبير ومع شخصياتها التي استطاع الكاتب رسمها متغلغلاً في أعماقها، عاكساً ما تضطرب به نفوسها من خلجات، ومستعملاً خياله الواسع للربط بين أجزائها ليكسو هيكلها بفنه القصصي البارع ويسوقها إلى القارئ في صورة تجذب اهتمامه، وتزيد من رحابة آفاقه النفسية والعقلية والحسية.
حين تفكر في قراءة رواية تحمل عنوان " واخضرت الأرض " وتحمل على غلافها صورة رجل عجوز صارم ،  في أواخر الستينيات او بداية السعبينيات ستتساءل عن الرابط بين الصورتين ، كيف لهما أن يلتقيا ، الشخصيات يصفها هامسون بأنها بشعة، القصة تدور حول أرض تزرع! لا فتيات جميلات، لا قصص غرامية، لا مغامرات، لا وجود للذة غريزية متعارف عليها يلعب عليها كاتب هذه الرواية، هنا يأتي دور هامسون في كتابة أحد أجمل الأعمال الأدبية التي يكون فيها السرد الممتع واللذيذ موازيا لشاعرية مخفية خلف النص لا يمكن أن تذاق إلا بعد اكتمال النص كاملاً .
طوال الرواية سيعمل القارئ على الحفر داخل النص مع كل تقدم في القراءة للبحث عن هذا الشيء المتوهج، فهذه الشاعرية، هذه التأويلات التي نحاول أن نستخرجها لأن النص يدفعك للتأويل. لا مناص من أن خلف هذه القصة، التي لو تم ذكرها لأي شخص لم يقرأ الرواية لتعجب من كيف يمكن أن يعجب بها إنسان، إلا أن الجمال يكمن في طريقة هامسون الروائية.
هامسون كتب عملاً يعتبر انعكاسا للذة الشعور المجهولة التي نشاهد من خلالها لوحة انطباعية ، أشكال غريبة غير جميلة، خطوط متعرجة ومنظر لأرض طبيعية. لا أثداء، لا قبلات، لا مسيح هناك، بل أرض وحيدة جرداء فوقها مزارعون أو فلاحون. إلا أنها تعطينا جمالا ولذة شديدين.
لم اقرأ رواية شبيهه بـ “واخضرت الأرض”. فقد سبق وعرفت هامسون في “الجوع”   وأستطيع القول بأن هذا العمل شبيه بأعمال أخرى. إلا أنه هنا كان قد استحدث أسلوبا جديدا تماماً، لم اقرأ مثله من قبل. فأذكر أن أحد أكثر المواقف المؤثرة في الرواية هي صرامة إسحق نفسه. هذا الرجل الذي لا يعرف سوى الحرث والزرع، والبناء وتجميع البطاطس، والذي كان في بداية الرواية إذا مر به أحد، قال له: اسأل لي عن امرأة تساعدني. وتأتيه أنجر، إلا أن أحداثاً تصير، وفي منتصف الرواية تكون شخصية الزوجة قد تغيّر طبعها،  وهنا تبرز قدرة هامسون في رسمه لطباع الإنسان في هذه الرواية، فأنت طوال النصف الأول من الرواية تشاهد التغير الذي حدث لأنجر بسبب حدث ما. طريقة استقبال إسحق لهذا التغيّر، ثم استخدام صرامته في موقف لا يتجاوز وصفه سطرين فقط ،  فهو يبين أن  الحياة تأخذ مجراها، فلا تسليط على أي موقف بشكل مكثف، حتى لو كان الموقف حساسا ويحتاج إلى كثافة  وتركيز. لكن ، هامسون يسير بشكل صارم.
البطلة أنجر والبطل اسحق الذي أراد إنشاء مزرعة برية حتي يعيشا فيها معاً .. الرواية تناقش قضايا المجتمع النرويجي من حيث الحياة الإجتماعية ومسألة الاكتفاء الذاتي .. والمجتمع الطبقي ، والمجتمعات الصناعية التي تنمو على حساب الزراعة  ، فهي بمثابة ملحمة تأريخية لإستصلاح الاراضي في النرويج .