المأساة الوجودية في رواية (أفراس الأعوام) لزيد الشهيد

المأساة الوجودية في رواية (أفراس الأعوام) لزيد الشهيد

صالح الرزوق
مع أن رواية (أفراس الأعوام) لزيد الشهيد هي قصة حب مؤجل ومعاناة فردية مع نظام قمعي ومجتمع جائر فهي أيضا صورة سياسية عن مرحلة من الغليان والاضطهاد الذي عصف بمنطقة السماوة في العراق.
وما جرى في تلك المنطقة برأيي هو جزء لا يتجزأ من طبيعة الصراع على الشرق الأوسط. فالمشهد الافتتاحي للرواية يبدأ من دخول الإنكليز وانسحاب العثمانيين وتبعات هذا الصراع.

إنه لا يمثل حسب مفهوم الرواية إزاحة أو تسلسلا تاريخيا ضمن مجموعة حلقات متبادلة في صراع الحضارات ولكنه يحمل كل إشكالات مسائل التنوير. فالصدام بين القوتين العسكريتين المتراجعة والمنكفئة على نفسها والصاعدة والتي تكتشف العالم (الافتراضي وفق معاييرها التوسعية)  يعتبر إزاحة أو إعادة تشكيل للعقل الظلامي والفاسد.
ولو استعملنا لغة النقد الفني فإن هذه الرواية هي تحليل تاريخي لمغامرة مجتمع يستيقظ من سباته العميق.
لقد غلبت على حب جعفر (بطل الرواية) عاطفة العشق العذري. فكل شيء في الرواية يبدو مؤجلا ويحمل خصال الاختلاف المرجأ، بين الدواعي والنتائج. وكما أكد جاك دريدا في عدة مناسبات، إن اللاشعور هو نوع من أنواع الوعي المتبدل، الذي يخضع لرقابة من أدوات التواصل (انظر كتابه: acts of literature). وهذا هو معنى الحب العفيف، إنه يقلب نظرية فرويد، فلا يحول الغريزة المؤجلة إلى صراع بين الأب والأم وإلى حرب بين الأخوة الأعداء بحيث يسقط عليهم صفات الشر والدسيسة والتآمر ولكنه يحول مبدأ التصعيد إلى حبكة اجتماعية يوجهها العقد الاجتماعي (ميثاق روسو بتعبير دريدا أيضا). بمعنى أن الحياة النفسية والجنسية لجعفر أصبحت مجالا خصبا لإعادة تكوين صورته ضمن المجتمع حسب قانون التأثير والتأثر، أو قانون التوجيه النفعي المثمر الذي لا يخلو منه مجتمع.
وللأسف كان الأب في الرواية موجودا وهو طيب وغير شرير. ولكن الأم هي التي احتلت دور الممانعة.  لقد اختارت طرف الأب بلا تردد. ورفضت فكرة زواج الابن، ورعت بكل ما أوتيت من قوة نظام المعرفة الاجتماعي السائد أو قانون الأب ورمزت له هنا بعادات المجتمع البطريركي في الزواج والتكاثر. لقد اعترضت على فكرة زواج جعفر من بهية بسبب خنوعها لمبدأ المعرفة السائد حيث بنات العصملي (كما ورد في الرواية) محرمات على أبناء المجتمع المحلي المدفون تحت طبقات من أوحال التخلف والفقر. ناهيك عن الخرافات التي تغذيها أساطير التباين في المذاهب (الفصل 4-1). لقد فتحت الأم عيني جعفر على حاجز الطبقات أو ما أحب دائما أن أسميه "خطوط العزل".
وكانت توجد في هذه الرواية حواجز غير دينية. ليست من النوع الذي تجده  في الروايات الإسرائيلية حيث العاشق يهودي والمحبوبة عربية مسلمة (والمثال على ذلك رواية: حبيبي ميخائيل لعاموس عوز). ولا هي حضارية من النوع المتوفر في روايات الصراع بين الشرق والغرب (والمثال عليها الحي اللاتيني لسهيل إدريس) حيث أن العاشق من بلد متخلف والمحبوبة من بلد مستنير ومتحضر،  ولكنها تدين لتأثيرات العرق ، الإثنولوجيا، فهي تمثل الصراع بين الطبقة المصطفاة / أتباع الحكام العثمانيين والطبقة الشعبية / أبناء المجتمع المحلي.
ومن هذه الحقيقة يتحول "جهاد المحبين" بلغة شيخ الرواية التاريخية جرجي زيدان إلى صراع وطني من اجل قيمة وجودية وهي مشكلة الحرية.
وأعتقد أن البعد الوجودي يبدو واضحا منذ مستهل العمل.
وكي لا نحمّل الرواية أشياء لا تحتملها يكفي مقارنتها بواحدة من أهم وأفضل روايات علي بدر وهي (المائدة العارية). فالمشهد الافتتاحي في (أفراس الأعوام) هو في الحقيقة كل رواية بدر. إنه نوع من التصوير لمشاهد العنف والعنف المضاد بين الجيوش الاستعمارية. فالشخصيات تبدو مسلوبة الإرادة ولا تتصارع فيما بينها وإنما تعكس واقع الصراع الخارجي. وحتى الأطراف المنتمية لا يخولها الوعي الإيديولوجي لتكون طرفا في المعركة. وهي عبارة عن ذيول لمجتمع له طبيعة كولونيالية، وبلغة النقد الفني أرى أنها شخصيات ذهنية تمرر مقولات فكرة الرواية.
واذا كان هناك فرق بين العملين فإن علي بدر استعمل الوصف وانتقال بطل الرواية الضابط محمود بين مشاهد عم فيها الخراب ودبت الفوضى بينما وظف زيد الشهيد الحوار بين الفرقاء. وهذا المعيار له أهميته الفارقة في كل كتابات الناقد حمزة عليوي الذي يصنف الرواية المعاصرة على أساس من هذه السمة البنيوية لوحدات السرد، فهي إما ان تكون وصفية أو حكائية، صامتة أو ناطقة، متراكمة أو متسلسلة تعبر عن انتقال لتواصل تدريجي (انظر كتابه المنفى في الرواية العراقية).
إن نشاط الرؤية لا يتساوى عندي مع النشاط الألسني.
فالمشاهدة انتقائية وتتستر على وجدان الكاتب وتتركه في بحر من الظلام بحيث لا تعلم بماذا يفكر ولكنك ترافقه فيما يرى.
في حين أن الكلام شمولي، فهو ينم عن طبيعة ميول الكاتب.
لقد كانت المدينة كلها مذنبة في رواية بدر حينما دخلها الجيش الإنكليزي،بينما انقسمت في رواية الشهيد على نفسها بين أتباع للعثمانيين ومبشرين بسياسة الحلفاء. وكانت انتصارات الإنكليز تقابلها إشاعات ملفقة عن جيش من الجن يحارب في صف تركيا (الفصل 4-1).
في (المائدة العارية) أنت لا تجد طرفا مغلوبا، كان المجتمع والعقل كله في حالة تقهقر واحتضار. والموت لم يكن يوفر احدا.و لكن (أفراس الأعوام) كانت تصور المغلوب وهو في حالة كمون بانتظار لحظة الانتقام. ومثل هذا التوتر العاطفي هو الذي  يشد ألواح الرواية ويضمن للأحداق قسطا من التطور.
وبهذا الخصوص أرى أن الترهل في هذه الرواية نسبي وتحت السيطرة، وكان الكاتب سرعان ما يعود للإمساك بكل الخيوط، من وصف وأحداث ومونولوجات، بطريقة التذكر أو تبديل صوت المتكلم. 
وبوجيز العبارة إن رواية بدر شهادة عن عقل ليست له هوية. في حين أن رواية الشهيد هي كلام في الانتماء.
و لمزيد من التوضيح كان بطل (المائدة العارية) ينفصل عن نفسه وعن مدينته وهو يرى تفاصيل حياته وماضيه تتساقط أمامه، وتنحول إلى فكرة عن مرحلة ميتة.
كانت كل مشاهداته ترشحه لموت بطيء، فالرواية مرثية للذات. ولا تجد ولو عبارة واحدة في المديح أو التفاخر. لقد كان بطل الرواية مجرد شاهد على خرابه النفسي والمعنوي وعلى اندحاره أيضا. أما جعفر بطل (أفراس الأعوام) فقد كان يلغي مرحلة ليبحث عن نوع من الارتباط بمرحلة تالية. وكان وعيه يرشحه دائما للإلغاء. فهو في حركة دائمة ويتطور بتطور الأحداث، وينمو بدافع التأقلم.
وأعتقد أن فلسفته داروينية بامتياز فهو يعرف أن البقاء للأصلح ، وكان الدافع الأساسي لديه يقوده للمصالحة مع الشرط الوجودي. وفي النهاية لم يستسلم بمشهد انفعالي مثل ضابط (المائدة العارية) ويتخلص من البذلة ويلقي بنفسه في الاضطرابات، ولكن غلبه الموت. ومات بصمت.و هو يحتفظ بأسرار عاطفته القديمة التي حالت ظروف طبقته وحالة التباعد والتنائي بين الأعراق/يمكن قراءتها بين الحضارات، من أن تبلورها. وكأنه سعيد مهران آخر انتبه أن كلمة السر للاندماج ليست بيده وأنه كائن ضعيف واغترابي. فاستسلم بلا مبالاة، بلا بلا مبالاة كما يقول نجيب محفوظ في آخر سطر من روايته.