دابادا .. كلمة تولد من التحام أجزاء كلمات عدة

دابادا .. كلمة تولد من التحام أجزاء كلمات عدة

أوراق
أن تولد منقوصا، يرفضك البعض، وتكون عرضة لشفقة آخرين، لتحاول بعدها إثبات وجودك رغم الكثير من التهميش  والنسيان إلا أن كلمة غير مفهومة تؤخذ من أجزاء كلمات عديدة يمكن لها أن تخلق فرداً حقيقياً، هذا ما جاء في رواية"دابادا"للروائي حسن مطلك والتي صدرت عن مؤسسة المدى للإعلام والثقافة والفنون بطبعتها الجديدة لعام 2016.

وعلى لسان الكاتب محسن الرملي الذي تحدث عن رواية"دابادا"يجد أنها تنهض أساسا على تصديع الحكاية التقليدية في الرواية فإنها بذلك تستعصي على التلخيص ولا يمكن في هذه الحالة إلا قراءتها فالقراءة هي الوسيلة الوحيدة الأمينة لمعرفة النص كائما ما كان نوعه وجنسه."
وحتى المؤلف نفسه اعترف بما ذكره الرملي فنجده لا يستطيع تحديد الحدث المركزي في روايته، ذلك أن الشكل فيها يأخذ شكل الحدث، والحدث يأخذ شكل الشكل أي انها علاقة تبادلية وبالعكس، فهنالك انسجام كلي بين الشكل والمضمون، واللغة هي العامل الذي يكشف عن الحدث والشخصيات في الوقت ذاته أشار إلى أن الحدث واضح فحين يحاول الكاتب تلخيص الاحداث فأنه هنا يعترف لاستجابته لتأثير النقد التقليدي وعروض الكتب الصحفية التي يعتاد عليها أولاً  ومن ثم استجابة  لمطالبة العديد من اصدقائه وقراءة حسن مطلك ورغبتهم في فهم الهيكل العام أو العمود الفقري لهذا العمل الفني المتفرد.
كما يمكن للقارئ التمتع بهذه الفنون الابداعية التي تشكل ميزة وهدفا خاصا فيمكن أن نلمس صعوبة الفهم لرواية دابادا من قبل القراء العاديين وكثير من المثقفين، حيث لا غرابة في ذلك إذا ما تذكرنا بأن د. طه حسين قد قال عن رواية"الغريب"لألبير كامة بأنه لم يفهمها. على الرغم من وضوحها بينما يُعزى عدم الفهم لـ"دابادا"إلى الطريقة الجديدة التي اتبعها حسن مطلك فهي مشبعة بدروس الحداثة والفن السينمائي والشعر والرموز وتيار الرواية الجديدة، والانتقالات المفاجئة والتقطيع المونتاجي الذي يصعب فرزه بسبب علو الاشتغال اللغوي وهيمنته.
تبدأ الرواية بتحديد الظرف الزمني للأحداث، ثم تشرع بتسليط الضوء على شخصيتها الرئيسية شاهين وهو شاب قروي في السابعه والعشرين من عمره ولدته أمه هاجر ناقص الوزن حيث جاء إلى هذا العالم جنينياً لم يتجاوز السبعة أشهر.
وهو لا يتحدث لأنه لا يعرف ماذا يقول ومتى؟ ومع ذلك فإنه بالغ الحساسية ويمتاز ببراءة طفولية ووعي دقيق، ويسند مرفقيه على قاعدة شباك حجرته ويتأمل ويسمع ويستمتع بالاكتشافات الصغيرة.
شخصية هذا الفتى محاطة بالظلام والسخرية وقد تنثال على رأسه كل اللغة والذكريات فيريد أن يصرخ بقوة لذا يجمع من أجزاء كلمات عديدة كلمة واحدة ويصرخ بها دون أن يسمعه أحد وهي دابادا.
شاهين يركض وراء آلام الليل حيث الانطلاقة الاولى للعصافير وتستيقظ القرية ضاحكة في ذات صباح غريب حيث تضحك البيوت والدروب والخبازات، كل شيء يضحك حتى الكلاب ونباتات الشوك والاعشاب الميتة في الروق كلحية مراهق بل حتى الضيف حين استيقظ وسأل: ما بكم؟ مالذي حصل؟ ما الذي يضحككم؟ لكنهم غارقون في الضحك فأهمل رأسه ليكمل النشيد الناقص"ضحك.. ضحك..".
الكاتب يذكر أنه لا يستطيع تحديد الحدث المركزي في الرواية لأن الشكل يأخذ حدثا والحدث يأخذ شكلا وهذا يعطي انسجاما كليا بين الحدث والشكل، لتعبر الرواية عن عامل حضاري في الكشف عن الشخصيات ايضا، وبالنسبة للحدث في"دابادا"فهو واضح حيث يبدأ من شخصية شاهين المعزولة  والتي تُلخص في رواية ذات زمن مقداره ثلاثة ايام فقط، لهذا ستنتاب القارئ الدهشة من خلال اكتشافات شاهين الذي يرى الاشياء بحس طفولي، أما فيما يخص لغة الرواية فهي تركز على الحدث أي أن كل وصف للروائي هو في دخول الرواية في اسلوب تم من خلاله التركيز على شخصية الشاب، وهنا يتخلى الروائي عن نظرته وشخصيته لينظر بعين البطل وهنا يذكر الروائي انه اتبع اسلوب شاهين وليس اسلوبه.
هذه الرواية تعد من أبرز اعمال الراحل حسن مطلك والذي اعدم شنقا عام 1990، وقد أثارت دابادا الاهتمام والجدل منذ صدورها الاول عام 1988 وإلى اليوم لما فيها من فرادة في الحداثة واللغة وصعب على الكثيرين فهمها بحيث تم اعتبارها عملا للنخبة أو لنخبة النخبة.