الرؤية السردية  في رواية (مثلث الموت) للروائي علي لفته سعيد

الرؤية السردية في رواية (مثلث الموت) للروائي علي لفته سعيد

حيدر جمعة العابدي
من عمق رحم الموت (مثلث الموت) يسرد لنا راو عليم كل العلم عاش الموت بكل تفاصيله وأحداثه المفزعة واطلع على  أسرار صناعته والممولين، والمستفيدين، والقائمين على ادارته والقوانين التي تحكمه وتزيد من شراسته وهي،الطمع،والحقد،والتآمر على شعب ذاق الأمرين على يد حكامه وساسته الذين يبررون تخلفهم بقتل الحياة فينا،

 وتأمرهم بسرقة ثرواتنا، وفشلهم بحماية الدين، وحقدهم بمصادرة حريتنا وكرامتنا الوطنية.
 هكذا يسير بنا الروائي على لفته سعيد إلى عمق المأساة التي راح ضحيتها الكثير من البسطاء والشرفاء والوطنيين،ليضعنا وجها لوجه أمام من تسبب بكل هذا النزيف للدم العراقي ومجانية الموت التي ذقنا منها الأمرين،يستعرضها السارد المؤلف وفق تساؤل فكري تحليلي نقدي (لماذا) وهو تساؤل يبدأ بفعل البحث والاستقصاء وينتهي بحتمية الموت كونه تساؤلا ينفتح على العديد من الإجابات التي تتناسل عبر وقائع وحقائق على تماس مع الموت داخل مثلث الموت الذي يتسع ويتناسل الى مثلثات تكبر وتتكاثر  يوما بعد يوم مثل وباء يخنق وجودنا  الإنساني(من يتمكن من معرفة لماذا يحصل الذي يحصل في العراق؟ لماذا كل هذا القتل وأغلب الشعب العراقي يريد التغيير؟لماذا هذا الصراع؟هل يمكن لنا أن نتقصى الحقائق ونبثها ونكتبها للناس لكي نعرف من هو الطرف الأقوى في معادلة القتل العراقية)ص12.
يفتتح السارد العليم أحداث الرواية بوثيقة يُعثر عليها في دائرة الاستخبارات شكلت ما يشبه الصاعقة يطلعنا عليها سارد عليم بدقه متناهية (الوثيقة المكونة من خمس صفحات هي جزء من ملف مبعثر كان قد حمله لأنه وجد فيه أسماء وعناوين وتقارير موجعة)ص7، أمنية وأسرار تعود لزمن  النظام السابق تحمل أسماء كانت تختبئ خلف عناوين معارضة السلطة لكنها جزء من المنظومة القمعية والاستخبارية للنظام الصدامي ولها حضور مؤثر وفاعل على الساحة السياسية والاجتماعية اليوم،أسماء تتخذ من الغطاء الديني والثقافي والسياسي مظلة لتمرير أجندتها وأطماعها الحزبية والسياسية وهو ما دفع  وحفز مجموعة من الإعلاميين للوصول لهذه الشخصيات بغية التحقق من حقيقة ودقة هذه الوثائق لذا يقررون إجراء مقابلة مع إحدى هذه الشخصيات الدينية البارزة  التي تقيم مؤتمرا في احد الأحياء الشعبية لرجل دين بارز أو (الكبير) كما يسميه السارد العليم بعد أن يبين لنا عبر وثائق مسربة عن أن رجل الدين الكبير كان احد الأسماء الكبيرة والبارزة في أجهزة القمع السياسي يحمل رتبة ضابط كبير في المخابرات وهو ما يكشف وبجرأة كبيرة من قبل الكاتب عن احد أهم  أضلاع المثلث الأساسية و الفاعلة في إفشال العملية السياسية بعد التغيير وعما جرى ويجري اليوم من تدهور امني وسياسي واقتصادي خطير يعصف بالبلاد من الشمال الى الجنوب.
 ان تبدأ الرواية بوثائق تدين الكثير من الوجوه السياسية البارزة يعني ان السارد يعلن منذ البداية عن واقعية وجدية ما يود حكايته لنا لذا يضعنا وجها لوجه أمام الحقيقة دون لف او دوران رغم خطورة المشهد السياسي اليوم، فالوثيقة هي شهادة تدين الكثير من الوجوه التي تبنت العملية السياسية ونصبت نفسها الحارس والمدافع الوحيد عنها، وهي أيضا رسالة تسلط الضوء على أهمية  العمل الإعلامي الحقيقي ودور الإعلام في مرحلة ما بعد التغيير وهو دور استثنائي كون مهنة الاعلام مهنه لم يعتد العراقيون على صراحتها وقوة وتأثيرها إلا بعد التغيير وخصوصا بعد التضحيات الكبيرة التي قدمها الكثير من الإعلامين من اجل الوقوف على حقيقة ما يجري وهو ما يعيد الى الواجهة خفايا غير معلنة دفع ثمنها الكثير من الاعلاميين البارزين وبالتالي نحن أمام رواية تفضح الكثير من أسرار الموت المعلن وغير المعلن أبطالها جلهم من الاعلاميين البارزين الذين خاضوا غمار المغامرة والمجازفة بحياتهم من اجل معرفة أسباب هذه التداعيات الخطيرة وهم (منتظر، وسلام، واحمد، وخضير)وهو ما يكشف عنه الكاتب في مشهد المقابلة مع رجل الدين الكبير والرفض والممانعة التي يواجهونها من  قبل أتباع رجل الدين وسيل الاتهامات التي تكال للإعلام منها انه إعلام مأجور لصالح دول تسعى لتدمير الوطن وتشويه سمعة قادته،ليأتي الرد على لسان احد أبطال الرواية الأربعة (سلام) للدفاع عن دور الإعلام في كشف الحقيقة للرأي العام (نرجوك أن تقدر عملنا الصحفي والإعلامي فمن واجبنا أن نسلط الضوء على ما يريد الناس بكل حرفية ومهنية)ص23.
 معمارية الأحداث
تتخذ أحداث الرواية خطا بيانيا يرتفع وينخفض على شكل منحنيات هرمية ترتفع معها ضربات القلب وتنخفض حسب الزمان والمكان وخطورته وهو ما يرسم منطق سير الإحداث وأسلوب بنائها عبر الوصول بالأحداث الممتدة من مدينة كربلاء  إلى بغداد وما بينهما ذهابا وإيابا،اللطيفية،المحمودية، اليوسفية وهو تحقيق عن المنطقة سبق لسلام أن قام بنشره في الوسائل الإعلامية الى حدث يتصاعد ليصل الى الذروة لكن دون حسم  وذلك لمد زمن الحكاية المتخيل.. فرغم قصر زمن الرواية الواقعي الا ان زمن المتخيل قادر على جعل زمن الرواية يمتد عبر تقنية الفلاش باك التي يستخدمها السارد العليم بكثرة من خلال شخصياته لكسر حاجز الحقيقي والمتوقع.. فأمام كل مشهد من مشاهد الموت تعود بنا هذه الشخصيات الى حروب متأخرة مثل الحرب العراقية الايرانية وحرب الخليج ولحظة سقوط بغداد وغيرها من اللحظات الحرجة لدى اغلب العراقيين (يتذكر خضير أن هذه الجملة سمعها من قبل في الحرب التي شارك فيها)ص100وهي جملة (ثيمة) كونها ارجائية تخلق ما يسمى أفق الانتظار او التوقع وهو ما يتيح للمتلقي دور في رسم للأحداث،فاغلب هذه الأحداث هي انفجارات ومشاهد خراب وقتل وتهديد ترسم لحظة موت معلن وفق خط بياني على شكل مثلث كبير اسمه مثلث الموت يصفها السارد على لسان إبطاله الثلاثة سلام، واحمد، وخضير،اثناء ذهابهم الى بغدادحيث يتفق الثلاثة على الذهاب لغرض استلام أجورهم الشهرية عن التغطية الصحفية لصالح مؤسسات الإعلامية  يعملون معها بعد ان تخلف عنهم منتظر بحجة العمل (من هذا المكان الذي يقع جنوب العاصمة ويحاذي خطين متعارضين في الدين.. لقد كانت الاخبار تنقل لهم أن هجمات عديدة تقوم بها جماعات متعصبة في مواجهة مليشيات مسلحة وكأنها هجمة مرسوم لها أن تستمر..لم يكن أمامه سوى التقدم ليرى ما يمكن رؤيته ويفيد)ص116.
الرؤية السردية:
تقوم الرواية على تمازج رؤيتين سرديتين متجاورتين هما: الرؤية الخارجية السارد العليم والمهيمن الذي يتدخل في كشف سير الأحداث تدخل موضوعي خارجي،و الرؤية الداخلية أبطال الرواية وهو ما يسميه اغلب النقاد بالرؤية الثنائية في بنية النص الواحد، وهو ما يتيح للكاتب قدرا كبيرا من الحرية في عكس وجهات النظر المختلفة التي تمد المتلقي بسيل من المعلومات والحقائق والانطباعات المختلفة حول ما يجري من أحداث جاعلة في الوقت نفسه من دور التلقي عنصرا مشاركا في بناء رأي عام حول الأحداث فالرؤية الخارجية ترتبط في سيل الوثائق والاعترافات والقتل على الهوية.. اما الرؤية الداخلية فترتبط في بحث الأبطال عن حقيقة ما يحدث ولماذا يحدث وهل ما يحدث هو فعل مدروس وبالتالي مبرر بفعل حماية الدين والوطن لذا هو فعل لا يخضع لعدالة القانون ويجرم، فأتباع سير الحكي بضمير (الأنا)مع أبطل الرواية الرئيسين وهم يرون مشاهداتهم  وما مر بهم في سياق أحداث ومشاهد الموت المعلن و ما يوهمنا به الكاتب فنيا في بعض مفاصل الرواية على انه مذكرات او اعترافات -لكن في حقيقته هو سرد بضمير المتكلم هو من يكشف عن هذه الرؤية السردية التي رغم شموليتها لكنها تتيح للمتلقي والشخصيات التدخل والتحليل للوصول بالإحداث إلى درجة الإقناع كحافز من محفزات السرد الواقعي وهو ما يؤكد على ثنائية الرؤية داخل البناء الفني للرواية وقصدية الكاتب والتي تتضح بشكل فعلي في جملة محورية في توجه السرد للإفصاح عنه (الحياة في العراق هي الشيء الاستثنائي وليس الموت)ص100 .
إن تتبع المظهر الفني للرواية الذي يتجلى لنا على امتداد المنطوق السردي يبين لنا عن المنهجية الفنية المتبعة في نسج الأحداث فقد استثمر الكاتب صور سردية مختلفة بحيث تكون العلاقة بين الوصف وإيقاع السرد حركة متواشجة فلا نجد وصف يقفز على أحداث او يعطل سير السرد فكل وصف يصاحبه فعل سرد (كان أحمد يبحث عن شيء بعيد فينظر الى الاشجار التي تبتعد عنه في العمق الصحراوي للطريق فيما يبقى الطريق الأسمنتي تحت سيارة الماليبو سريعا إلى حد الدوخة التي لا يستكين لها رأس) ص102وهذا لا يمنعنا من القول ان بعض  الاستطرادات كانت  تبطئ من سير الأحداث لكن وبشكل عام الرواية ظلت محافظة على قوة الشد والترقب لما هو قادم .
 الشفرة الدلالية
هناك دلالات فكرية جهد الكاتب في توظيفها بعناية فائقة تبدأ من عتبة الرواية الاولى العنوان (مثلث الموت) وتنتهي في اخر عتبة للرواية وهي (الموت صناعة وطنية) ولو حولنا فك شفرة هذه الدلالات سنجد ان هذه الدلالات  تأخذ شكل مثلث  أضلاعه الثلاثة تشكل هرما رأسه المدبب يرمز للموت والضلعان القائمان المتصلان بالرأس والقاعدة يمثلان الدين والأحزاب السياسية وقاعدته الجماهير المسحوقة الفاقدة لمصيرها ومستقبلها، وهو ما يرسم شكل العلاقة الخفي داخل الواقع الفعلي في العراق والتي تقوم على أساس التنافس والصراع مابين هذين المحورين  ديني /السياسي،والتواطؤ والتآمر والإقصاء ضد المحور الثالث والذي يمثل موطنة /جماهير بغية الوصول الى رأس الهرم الحكم على حساب القاعدة التي هي الجماهير التي ترمز دلاليا بالكبش او الضحية(إنه صراع الموت..الاحتلال بحاجة لمقاومة،والمقاومة بحاجة الى موت والعنوان هو القتل)ص121.