الإعتداء على براءة الطفولة ، وما يخلفه من ألم في   السيدة دالاوي

الإعتداء على براءة الطفولة ، وما يخلفه من ألم في السيدة دالاوي

أوراق
كيف يكون شعور الصغير أو الصغيرة عندما يتحول الشخص الذي يأمن إليه إلى وحش كاسر يؤذيه ويطالبه بالصمت؟ بعض الضحايا يتخطى تلك الأزمة ويعيش حياة طبيعية أما البعض الآخر فيعاني من مشاكل حياتية مدمرة مثل الاكتئاب والانتحار فيما يبقى المجرمون طلقاء لا يطاردهم أحد ولا حتى عذاب الضمير الذي فقدوه إلى الأبد.

 رواية "السيدة دالاواي" لفرجينيا وولف ، ترجمة عطا عبد الوهاب ، التي صدرت عن دار المدى للإعلام والثقافة والفنون تتحدث في صلب موضوعة الاعتداء الجنسي على الصغار وما تخلفه من آثار في أنفسهم ، وتُعدّ هذه الرواية الرابعة من مؤلفات وولف ، حيث نشرت سنة 1925 ، وتنحصر موضوعة الرواية بالزمن الذي يبلغ يوماً واحداً فقط من حياة كلاريسا دالاواي ، الزوجة العصرية لأحد أعضاء  البرلمان ، لكنه زمن يتشعب إلى أيام ماضية تتدفق فيها الذكريات وبهذا قطعت الكاتبه صلتها بالشكل التقليدي لكتابة الرواية الانكليزية ، إذ أخذ يجري عرض الأحداث ورسم الشخوص لا بطريقة التصوير المباشرة بل عن طريق الانطباعات التي تحدث ، والذكريات التي تمر ، في عقل الشخصية الاولى في الرواية وفي عقول الشخصيات الأخرى ، الرئيسية منها والثانوية ، في ذلك اليوم الواحد الذي كانت السيدة دالاواي ستقيم فيه حفلة كبرى .
يتميز هذا الاسلوب الجديد بظهور ما يسمى بتيار الوعي أو تداعي الذاكرة ويفوق في أهميته تيار السرد النظامي للعالم الخارجي وما فيه والذي كان يطبع الأسلوب التقليدي.
ويرى النقاد أن فرجينيا وولف بلغت في هذه الرواية بواكير نضجها الذي سيتطور فيما بعد في رواياتها اللاحقة ، وقد تميز اسلوب الكاتبة بتسليط الاهتمام أيضا على المسائل الصغيرة وذلك لخلق حس بالثراء العظيم لنسيج الحياة الواقعية اليومية . وقد عرفت "الواقع" في محاضرة لها ألقتها في جامعة كيمبردج سنة 1928 بأنه " شيء غريب الأطوار شيء لا يمكن الاعتماد عليه مطلقاً ، فهو يوجد أحياناً في درب مترب ، وأحياناً في قصاصة من جريدة متروكة في الشارع ، وأحياناً في نرجسة برية في ضوء الشمس ، والروائي يفوق غيره من الناس في اقتناص فرصة العيش بين هذا الواقع المتنوع ، وإن عليه أن يجمعه ويوصله إلى الآخرين ، وقد تمكنت فرجينيا وولف من جمع ذرات هذا الواقع وإيصاله محبوكاً إلى القراء سواء في هذه الرواية أو في أعمالها الأخرى .
في الرواية الأهم من بين أعمال وولف ، والتي صدرت في النصف الأول من القرن العشرين وهي تتوارى مع رواية يولسيس إلا أنها مكتوبة بإصبع امرأة مسحورة ، فهي لاتسرد أحداثاً وهذا جزء من قوتها ، وإنما ترصد يوماً في حياة هذه المرأة التي تسكن مدينة لندن ومن هنا فإنها عصية على التلخيص ومتفردة في خصوصيتها .
القصة تدور حول السيدة دالاواي التي تهمل نفسها تفانياً في خدمة حبيبها الذي يعاني من اكتئاب وتنتهي القصة بانتحاره. الاعتداء الجنسي عليها من قبل خالها ترك لديها مشكلة نفسية تفاقمت بوفاة والدها ثم وفاة أختها وكانت عروساً في شهر العسل ما أدى إلى أن تصاب فرجينيا بحالات من الاكتئاب أدت إلى دخولها المستشفى مرات عديدة. في أحد الأيام كتبت رسالة لزوجها قالت فيها: "ها هي أعراض الاكتئاب تنتابني مرة أخرى. لم أعد أستطيع التحمل ولا أظن أنني سأشفى هذه المرة فقد بدأت أسمع أصواتاً ولا أستطيع القراءة أو الكتابة أو التركيز على أي شيء. لقد منحتني أنت كل الحب والدعم ولا أعتقد أن هناك في العالم رجلاً وامرأة أسعد منا نحن الاثنين. وداعاً" وضعت فرجينا الرسالة فوق آلة الطباعة وخرجت من المنزل خلسة حتى تتجنب الخادمات فصادفت ابن أختها الصغير وهو يبكي على عصفوره الذي مات. ساعدت فرجينيا الصغير على دفن العصفور تحت شجرة على ضفة النهر حيث كانت تسكن. قال لها الصغير بكل براءة الأطفال "أنظري إلى العصفور المسكين كيف يحيط به الهدوء" أجابت وهي تلمس صدر العصفور وتغطيه ببعض الأغصان: "نعم هو الموت الذي يعطينا الهدوء والراحة. اذهب بسرعة إلى المنزل لتغسل يديك". انتظرت حتى ابتعد الصغير ثم وقفت ونظرت بعيداً ومشت بخطوات سريعة على حافة النهر وكان فستانها الطويل يلامس العشب الأخضر الندي. لبست معطفها الكبير وأقفلته فوق فستانها ثم ملأت جيوب المعطف بقطع من الحجارة الثقيلة واتجهت نحو ماء النهر وغاصت فيه رويداً رويدا ورأسها مرفوع وعيناها مفتوحتان ووجهها خال ٍ من أية مشاعر.