عبد الستار البيضاني يكتب  مسلّات الألم

عبد الستار البيضاني يكتب مسلّات الألم

هدية حسين
هو لم يقل إنها قصص، لكنها قصص، دوّنها عبد الستار البيضاني مسلات تحكي للأجيال القادمة ما عشناه من ويلات، سبع مسلات عن وجع الحروب وعن الآمال المفقودة، بدأها بمسلة قابيل، لأن قابيل هو القاتل الأول في تاريخ البشرية، أورث شروره لأبنائه حتى يومنا هذا.

المشهد الأول لضابط طبيب يقف بين جنوده أمام مستشفى ميداني، كان المطر ينزل، وفجأة يختل المشهد حين يحدث انفجار.. شخصيتان يركز عليهما المؤلف، الضابط وأحد جنوده الذي نجا من الموت بعدة شظايا اخترقت جسده، ومن خلال الحوار بينهما ينسج عبد الستار البيضاني نسيج مسلّته، الحوار الموجع الذي يتناول الموت المجاني في هذه الحرب (الحرب العراقية الإيرانية) الجندي الجريح يقاوم الموت بكثير من التحدي، لكن القصة لا تنتهي عند هذا المشهد، بل تتعداه الى مشاهد أخرى لعل أقساها ذلك الجندي الذي ارتسمت صورته المتشظية على أحد جدران البناية، بلا رأس، بلا يدين، بلا قدمين، ومن خلال ذلك وما تلاه يدخلنا البيضاني في احتداد المعارك والألم الإنساني وعتمة الموت وتفاصيل كثيرة تحكي عن أيام تلك الحرب المجنونة التي كان المؤلف أحد جنودها ونجا منها بأكثر من أعجوبة، لكن قابيل الذي يتناسل فينا لم يمت، إنه يواصل جريمته ويتفنن بها في كل عصر، يستمر في القتل لكي يعيش، وهو رمز لكل طاغ يصنع الحروب الخاسرة، بدأ جريمته بصخرة شجّت رأس أخيه، وانتهت في زمننا هذا بالقنابل العنقودية والذرية والصواريخ، وغير ذلك من وسائل القتل.. وقابيل لم يتعب، نحن الذين تعبنا.
وفي قصة (مسلة الأصدقاء) سنقرأ في السطر الثالث عبارة(لقد فقدنا الممكنات وأصبحنا كمن يستيقظ من حلم مزعج) وهذه العبارة تعبر عن عمق المأساة حين تأخذ الحرب أصدقاء الطفولة واحداً بعد الآخر كما لو أنهم لم يأتوا الى الدنيا الا ليموتوا في أتونها، هكذا يتفرقون، بينما كانوا يحبون السمر ولعبة كرة القدم(أحدهم في القصة لاعب كرة قدم) تنطفئ لياليهم وأحلامهم، يتركون أمكنة السمر وساحة لعبة الكرة ليذهبوا الى سواتر لا تستر.. بشجن وحزن دفين يتحدث الراوي، عن صديقه اللاعب الذي غيبت جسده الحرب، وأصبحت ساحة الكرة بلا لاعبين ولا متفرجين وحلّ محلها أفراد الجيش الشعبي.. ومسلة الأصدقاء هذه تحمل أسماء الأصدقاء على كرة قدم يلقيها اللاعب في بداية القصة الى الأعلى، لتنتهي القصة بتشظيهم واحداً بعد الآخر، كما لو أن القدر رسم هذه الصورة قبل أن يولدوا، وبعد أن ولدوا وحدث ما حدث، جاء فنان بارع في القص لينقل لنا تلك الصورة بمزيد من التشخيص والدراية بتفاصيل الحروب القذرة.
الحرب تبدد قوانين الحياة، وتتسلّط، فهي لها مسلاتها، السرية والمعلنة، ولها  قوانينها غير المكترثة بأحلام الجنود، هي لا تعرف الأحلام، بل تعرف الجثث والدخان وآخر صرخات الموت، تحمل روح قابيل أنّى حطت.. وهكذا ينقلنا عبد الستار البيضاني الى قوانين الحرب ومسلاتها عبر قصة  (مسلة الشجر)
ـ علينا أن نبحث عن تلك المسلات ونهشمها على رؤوس آلهة الحرب وقادتها الميامين.
يقولها جندي جريح لجندي آخر يحاول إنقاذه، بينما السماء تمطر دماً.. الشجر يكتوي بنار الحرب هو أيضاً وينطفئ، وحمورابي (يتململ في قبره غاضباً وهو يرى بساطيل الجنود تشطب الفقرة 59 من شريعته(تغريم من يقطع نخلة واحدة بنصف مَن من الفضة) فكيف وصل الأمر بعد آلاف السنين الى هذا الظلم عندما قُطعت آلاف الأشجار لكي لا يحتمي بها العدو؟ هذه هي قوانين الحرب التي لا تعبأ بالجمال.
يُحكم البيضاني سرد قصته وينقل لنا آلام البشر وآلام غابات النخيل، حينما تنغرز الشظية في لحم جندي وفي جذع شجرة، الجندي يتأوه، ويصرخ من شدة الألم، بينما النخلة تكظم صراخها داخل روحها، موت صارخ وموت صامت.
 الحرب لم تتوقف ولا تتوارى قوانينها بعد أن تضع أوزارها، لا الروح تعود كما كانت، ولا الجسد يتعافى كما كان قبل نشوبها، ولا نسق الحياة ينتظم، ولا الذاكرة تتجاهل خزينها، وإلا ما جاءت هذه القصص بعد أكثر من خمس وثلاثين عاماً على انتهاء الحرب العراقية الإيرانية.. في (مسلة الوفاء) نبدأ من حيث انتهت الحرب، لكن الذاكرة المشحونة بالألم تنهمر: (أنا خائف منذ ودعنا الحرب على باب وحدتنا العسكرية، عدتُ الى بيتي بوحشة السلام) إذن فالحرب لم تنته بعد، سيجتر الجنود ذكرياتها كما لو أنهم ما يزالون يواجهون الموت في عمق الخنادق، وما ضاع من العمر لا تعوضه وحشة السلام، فالجندي الذي نجا من الحرب وخرج منها منهكاً لم يخرج صديقه الحميم منها، لذلك ستخنقه ذكرياته، الذكريات الممزوجة بالدم، الدم الذي لا يكف عن النزف.
الأمهات في قصة (مسلة الأمهات) لهن حصة أكبر في الألم، ومن غيرهن أكثر احتمالاً وصبراً على قسوة الفقدان؟ بظني لو فتحنا قلوب الأمهات بعد موت أبنائهن لرأينا وشم الأبناء المقتولين على شغاف تلك القلوب، هذه القصة هي الأكثر وجعاً والأكثر تكلفة من بين فواتير الحروب، وهي قصتان متداخلتان ومتوازيتان معاً، الجدة التي سبق أن فقدت ابنها في حروب فلسطين يوم كانت أماً لولد واحد، وقصة الحفيد الذي ماتت أمه فأصبح ابنها، ثم طاردته حرب الثمانينات، قصتان بقصة واحدة والفاجعة تكرر الألم في قلوب الأمهات.
السارد الرئيس في (المسلات) هو عبد الستار البيضاني، أو أي جندي عراقي اكتوى بالحروب وآثر أن يدوّن تفاصيلها قبل أن تتسرب من غربال الزمن، وليكون أحد الشهود الذين لم تترك لهم الحرب سوى الندوب التي لا ينفع معها النسيان.. وهذه القصص عصية على النسيان من مبدع يحفر في الذاكرة.