نعوم تشومسكي يبحث لما بعد العام الـ500 للغزو

نعوم تشومسكي يبحث لما بعد العام الـ500 للغزو

أوراق
سنُسيء قراءة الموضوعة الأساسية لغزو الـ 500 عام إن وضعنا أوروبا بالمعنى الواسع في مواجهة مناطق الهيمنة المخضعة ، فمصالح مهندسي السياسة ليست هي مصالح عموم السكان والحرب الطبقية الداخلية هي عنصر لا يتجزأ من عناصر غزو العالم . ومن المعروف خلال الـ500 عام أن "المجتمعات الاوروبية قد استعمرت ونهبت" رغم أن المجتمعات الأفضل تنظيماً

والتي تملك مؤسسات ضبط اقتصادي وحكم ذاتي سياسي وتقاليد في المقاومة كانت قادرة على الاحتفاظ بالحقوق السياسية العامة بل وعلى توسيعها عبر النضال المستمر .
وفي كتاب "سنة501 الغزو مستمر"  لنعوم تشومسكي الذي صدر عن دار المدى للإعلام والثقافة والفنون ، والذي قدمت ترجمته مي النبهان ، نجد أن تشومسكي آثر أن يجعل عنوان كتابه الرئيسي هو "سنة 501" والعنوان الفرعي هو "الغزو مستمر" وكأننا أمام فاتحة جديدة لغزو جديد ومهج تأريخي جديد ، فهذا الكتاب ليس تاريخاً هو اعادة قراءة للتاريخ السياسي .
إن ما يرويه تشومسكي في هذا الكتاب هو تاريخ دموي ، أسود ، عانى منه أغلب سكان العالم ، وتشومسكي يستغل الاحتفال بمرور 500 عام على وصول كولومبوس إلى امريكا 1492 م ليروي بأسلوبه الساخر المرير حكاية هذا الرعب الذي نشره الأوربيون على مدار الخمسمئة سنة الماضية على أمم الأرض منذ إبادة سكان العالم الجديد الأصليين ، ونهب افريقيا وتخريبها ونقل أهلها في سفن العبيد ليكونوا القوة العاملة التي تبني العالم الجديد للسادة البيض إلى ضرب اليابانيين بالقنابل الذرية ، وحرق فيتنام ، وسياسة السيطرة والإفقار التي مورست على الامريكيين الجنوبيين .
يتضمن الكتاب أحد عشر فصلاً ، يطرح الفصل الاول العمل العظيم في الإخضاع والغزو ، كما يبين الفصل الثاني مهمة المستوطنين من مستوطناتهم الأصلية " أي توسيع حدودهم الطبيعية " التي وصلت إلى المحيط الهادي في نهاية القرن التاسع عشر ولكن الحدود الطبيعية للجنون كان لابد من حمايتها ايضاً ومن هنا بُذلت الجهود من اجل ضمان أن لا يسلك اي قطاع في الجنوب درباً مستقلاً ، ومن هنا يأتي ايضاً الرعب الذي يصل حد الهستيريا ومن أي انحراف تتم ملاحظته يجب ان يتجمع الكل ضمن الاقتصاد العالمي الذي تهيمن عليه مجتمعات رأسمالية الدول الصناعية .
فعلى مرّ السنوات لم تتغير النظرية  الديمقراطية عند النخبة إلا قليلاً ، كما أن سياسة العزل وتدمير الهياكل التنظيمية باتت ترد بشكل شاذ وميال للتدمير الذاتي ، وصار الميل لذوي المليارات السخفاء وبأساطير الماضي البريء والقادة النبلاء ، والتعصب الديني والقومي ، ومذاهب التآمر وحالات التشكك  وانقشاع الأوهام غير المتركزة بعد . كل هذا شكل مزيجا من نوع لم تكن له عواقب طيبة في الماضي .
الفصل الثالث من الكتاب ناقش منطق الحكم والحروب ، وذكر الكاتب وفق مفهوم المنطق  أن من حق الأغنياء أن يحكموا العالم الذي يملكونه ، وليس بمقدورهم التساهل إزاء أية أعمال اجرامية محتملة من شأنها تعكير الاستقرار ، كما يجب القضاء على الخطر فوراً عندما يتخذ شكلاً واضحاً ومن حقنا أن نقوم بما يلزم لإعادة الامور إلى نصابها .
كما ناقش الفصل الرابع من الكتاب العلاقة بين الديمقراطية والسوق عاداً إياها من أهم انواع الحريات ، ذاكراً أن المخططين العالميين هم قلة من الذين التقطوا جوهر السياسة بوضوح فاق وضوح جورج كينان عندما اشار بأننا إذا اردنا الحفاظ على التفاوت بين ثرائنا وفقر الآخرين فعلينا أن نضع الشعارات المثالية جانباً وأن نلتزم مفاهيم القوة المباشرة .
كما تطرق الفصل الخامس إلى حقوق الانسان والمعيار النفعي ، ففي مكانة بارزة بين المبادئ العليا التي كرسنا أنفسنا لها وإلى جانب الديمقراطية والسوق تقف حقوق الانسان التي صارت روح سياستنا الخارجية وبالصدفة حدث ذلك في عين اللحظة التي صار فيها احتواء الاستياء الشعبي تجاه الجرائم الوحشية صعباً.
فبكل تأكيد يجب الاعتراف أن القضية الانسانية خدمتنا رغم انها لم تكن خالية من العيوب كلياً ويحذر مفكروا الصحافة مستشهدين بكبار المسؤولين من اننا قد بالغنا في اعطاء المثالية مكانة مسيطرة في سياستنا الخارجية .
كما تتسلسل الفصول بدراية في موضوعات مختلفة اقتصادية وسياسية واجتماعية وانسانية لطبيعة الأنظمة في امريكا اللاتينية حتى يختتم الكتاب فصله الاخير حول مشكلات العالم الثالث ومعالجاتها .