الرؤى والتراجيديا..  قراءات في رؤى سرديات عبد عون الروضان

الرؤى والتراجيديا.. قراءات في رؤى سرديات عبد عون الروضان

  شكر حاجم الصالحي
... عبد عون الروضان واحد من اعمدة العمارة السردية في مشهدنا الثقافي , فهو القاص والروائي والباحث والمؤرخ والمترجم , أثرى حياتنا المعرفية بالمفيد من الاصدارات التي نالت الاهتمام والملاحقة النقدية , بدأ نشاطه المطبوع في بيت في مواجهة الشمس / عام 1976 ولم يختتمها في قفص من فضاء / عام 2006 وتخللت هذه الانشطة المطبوعة موسوعة شعراء العصر الجاهلي ,

 و......موسوعة عشائر العراق وموسوعة تاريخ العرب , بمجلدين , وليس اخيراً: الشعراء العرب في القرن العشرين , و مازال ـــ أمد الله في عمره ــ يغنينا بالجديد والمبتكر.....
أما مؤلف هذا الكتاب , القاص جاسم عاصي فقد أضاف للمكتبة العربية اكثر من عشرين مؤلفاً تنوعت في القصة والرواية والتشكيل والتصوير الفوتغرافي والبحث في تاريخ واساطير بلاد النهرين , ومازال يواصل اشتغالاته في حقول المعرفة المختلفة , فهو مثابر على تقديم كل ماهو نافع وجاد....
وكتابه هذا.... الرؤى والتراجيديا... قراءات في رؤى سرديات عبد عون الروضان الذي صدر مؤخراً يعبّر عن موقف اخلاقي ازاء قامة شامخة من قاماتنا الثقافية ,. ويشكل في ما أراه نزوعاً نحو تثمين الجهد والاعتراف بالفضل والوفاء لانسان مبدع بمنزلة عبد عون الروضان , وليس جديداً على جاسم عاصي مثل هذه المواقف النبيلة والسجايا الحميدة , فقد سبقها بمبادرات يشار لها عن زملاء آخرين له أثروا ثقافة الوطن بالكثير من النتاجات الرصينة , وكتابه عن الباحث ناجح المعموري دليل على ذلك الاهتمام والاشادة..
ولا شك ان العديد من مبدعينا قد نهجوا منهج القاص جاسم عاصي في تكريس اصدارات خاصة عن تجارب ورموز عراقية أعطت ثمار تجاربها الانسانية وكرست ابداعاتها في مختلف حقول الثقافة , ولا يمكن لأي منصف إلا ان يشير الى جهود الناقد المثابر الدكتور حسين سرمك في هذا المضمار , فقد اصدر اكثر من عشرة كتب عن ادباء عراقيين مرموقين يقف في مقدمتهم النواب الكبير والقاص احمد خلف والقاص عبد الخالق الركابي والشاعر يحيي السماوي والقاص لؤي حمزه وآخرون....
يتضمن الرؤى والتراجيديا.... للقاص جاسم عاصي الموضوعات التالية:
... استهلال
... السيرة الذاتية ـــ للمحتفى به الروضان
... القسم الأول / في السرد القصصي
... القسم الثاني / في السرد الروائي
... القسم الثالث / حوارات في الثقافة و الأدب.
في (استهلاله) يقول عاصي عن ماهية كتابه هذا:
 الكتابة عن تجربة القاص والباحث عبد عون الروضان , تتطلب النظر الى مجمل اهتماماته التي اثّرت في نشاطه الابداعي , واثرت نصه بما امتلكه من محمولات معرفية من جهة , وما وفرته من مساحة للرؤية إبان انتاج النص من جهة اخرى.ويضيف: عبد عون الروضان في مجمل مسيرته الأدبية والحياتية , لم يترك فجوة دون ان يشغلها الابداع , فمن التعليم وتجاربه من خلال معايشة بيئات مختلفة , الى التقاعد والتجوال بين اروقة متون المعرفة داخل العراق وخارجه , وسعيه للدراسة وتمكنه من الاداء بلغات اخرى , كل هذا كان بمواجهة تراجيديا حياتية قلما تعرض لها أب ومبدع كبير وحساس مثله , غير ان صبر الرجال اجتمع في رجل واحد...
... وفي سيرته الذاتية التي انتهى من تدوينها في بغداد المحروسة في 11/ 6/ 2011 , ينقلنا الروضان الى تفاصيل حياة مليئة بالكد والكفاح والصبر والمثابرة ,ليقدم لنا من خلالها انموذجاً للمبدع العراقي الذي تحدى صنوف القهر والذل والحرمان فهو يقول:
ولدت شتاء 1939 م وكانت الامهات يؤرخن لولاداتهن وافراحهن ووفياتهن بما يصادف من احداث طبيعية او غير ذلك كالفيضانات والأوبئة التي تجتاح الناس , أو الغزوات أو الحروب القبلية وغيرها , فتقول والدتي في ليلة مطيرة استمر فيها المطر ثلاثة أيام حتى كادت تغرق المدينة , وحتى قال البعض انه الطوفان آت. في تلك الليلة ولدت على ضفاف دجلة في مدينة العمارة جنوب العراق من أبوين عراقيين عربيين..........
ويضيف الروضان:
انتقل والدي الذي كان يعمل في سلك الشرطة الخيالة الى مدينة علي الغربي وتقع على مسافة مئة كيلو متر شمال مدينة العمارة , كما تحدث عن لقائه بالشاعر محمد مهدي الجواهري وما لمسه من اهتمام الشاعر بعد ان قرأ في حضرته بعض قصائده ذائعة الصيت , وياخذنا الروضان الى مساحة شاسعة من الذكريات عن دراسته واهتمامه باللغات الاجنبية ثم انتقاله مع اسرته الى العاصمة بغداد اذ يقول:
وفي ايلول 1973 حملت عائلتي المكونة مني ومن زوجتي وسبعة ابناء اربعة من البنين وثلاثة من البنات في باص خشبي كبير مع كل ما املك من أثاث بسيط ويممت شطر بغداد المدينة الحلم التي طالما حلمت بها والتي استقبلتني كما استقبلت غيري من ابناء الجنوب الذي ضاقت بهم سبل الحياة , فاستأجرت بيتاً في منطقة شعبية أغلب سكانها من ابناء العمارة , وعينوني في مدرسة في مدينة الثورة... ثم يستغرق الروضان في الحديث عن اسفاره الى بلدان المعمورة ويختتم سيرته في القول:
وها أنا ذا اليوم أعيش بين جدران مكتبتي اترجم عن اللغتين الفرنسية والانكليزية و أقرأ ما فاتني قراءته وأعيد قراءة ما قرأته وأتصفح مواقع الانترنت واداعب الاحفاد الصغار واستغفر ربي وانتظر حسن الخاتمة....
فعلاً انها حياة ممتلئة بكل ما يدعونا للاعتزاز بهذا الرمز العراقي الكبير الذي انجز لنا خلاصة جهد سنوات عمره المديد الحافل بالابداع المميز والذي يشار إليه بفخر واعجاب على الدوام................
.. في القسم الأول من الكتاب يدرس المبدع جاسم عاصي معظم ما انتجه الروضان في السرد القصصي متناولاً:
الكتابة والمعنى , المواقف والافكار , البحث عن الطريق , كشوفات المرايا , ثنائية المحدود والمطلق ,ثنائية المطبق والمتسع , حكايات مما مضى , و..... الاستعادة المرّة..........
وفي القسم الثاني يتناول عاصي ما ابدعه الروضان في السرد الروائي متناولاً:
خصائص الكتابة , صراع الاضداد , ارتباط الحاضر بالماضي , و.... متوالية النشيد التراجيدي... وبذلك يكون عاصي قد امتد بنا واخذنا مع خلاصة افكاره وقراءاته من ص23 ــ ص 86 , ليضعنا أمام منجز غني بالتجربة الحية التي تشير الى قامة الروضان ومنجزه الثر..
وخير ما اختتم به المؤلف كتابه المهم هذا خمسة حوارات ص 91 ـــ 130 أجراها مع الروضان خمسة من مبدعي العراق ونشرت في اوقات مختلفة في الصحافة المحلية والعربية , ولكي لا نبخس المحاورين حقهم في الاشارة والتنويه نذكر هذه الحوارات وهي:
الحوار الاول: عبد عون الروضان في محكمة القصة / احمد هاتف
الحوار الثاني: تراجيديا الكتابة ونبض الحياة / جاسم عاصي
الحوار الثالث: مراعي الابداع لا تقبل الحدود المصطنعة / نجاه عبد الله
الحوار الرابع: تجاوز الانماط في الكتابة / كاظم حسوني
الحوار الخامس: الرواية هي موقف من التاريخ / منى سعيد
..... وفي ختام هذه الاطلالة الموجزة على ما انجزه المبدع جاسم عاصي في ـــ الرؤى والتراجيديا ـــ قراءات في رؤى سرديات عبد عون الروضان ــ لابد من الأشادة بهذا الجهد الممتع الذي أراه وثيقة نادرة في الوفاء والتقدير والاعتزاز بما حققه الروضان عبر مسيرته الابداعية المثقلة بالثمار المباركة الطيبة ,فلهما معاً الروضان وعاصي كل الثناء ومبارك هذا الفيض من المحبة والألفة والصعود الى كل ما فيه رقي الانسان ونبل اخلاقه وسمو خصاله....
وأخـــــــــــــيراً:
       اتمنى توفر الكتاب في مكتباتنا ليطلع القارئ على هذا الجهد / الوثيقة ,فليست
      سطورنا القليلة عنه ما تغني وتفيد عن القراءة الفاحصة والجادة...