نهر الفرات وعطش الحلة قبل انشاء سدة الهندية

نهر الفرات وعطش الحلة قبل انشاء سدة الهندية

د. لمى عبد العزيز مصطفى
لم تبدأ الدولة العثمانية، وحتى بدايات القرن العشرين، الاهتمام الكافي بمشاريع الري في العراق بالرغم من اهمية هذه المشاريع للزراعة التي كانت تعد العمود الفقري للاقتصاد العرقي يومئذ. واقتصر الاهتمام بهذا المجال على جهود فردية اضطلع بها بعض الولاة العثمانيين الذين تعاقبوا على حكم العراق. وكان لطبيعة ارض العراق ومواسم فيضان نهري دجلة وفرات،

 وتوابعهما تاثيرها السلبي في الري في العراق. فبالنسبة لطبيعة الارض نجد ان ارض العراق تاخذ بالانبساط والاستواء التدريجي كلما اتجهنا من الشمال الى الجنوب، وبالتالي كانت مناطق وسط العراق وجنوبه ابتداءً من شمال العراق بغداد وتكريت على دجلة وهيت على الفرات، وحتى شط العرب عرضة لخطر الفيضان اكثر من غيره من المناطق.

اما بالنسبة لموسم فيضان نهري دجلة والفرات فلم يكن هو الاخر مناسباً للزراعة، فهما يفيضان في اخر فصل الربيع وهو موسم مبكر للزراعة الصيفية وموسم متاخر جدا بالنسبة للزراعة الشتوية، اما المسالة الاخرى فهي توافق موسم الفيضانات في بعض الاحيان مع نضج المحاصيل الزراعية،الامر الذي يؤدي الى اغراق المحاصيل الزراعية واتلافها.
فضلاً عن هاتين المشكلتين عانى الري في العراق من مشاكل اخرى منها انه لاتوجد شبكات لتصريف المياه، علاوة على مشكلة الرواسب (طمى الانهار)، التي كثيراً ماترتفع فثي بعض الترع والجداول وتؤدي الى اغلاقها وبالتالي انحسار الماء عن قرى ومزارع اهله بالسكان فيضطر اهلها الى الهجرة وترك الزراعة.
حاول اخر ولاة المماليك في بغداد وهو داؤد باشا الاستفادة من  ثروات العراق الزراعية والاروائية والعمل على توظيف هذه الامكانيات خدمة  للاقتصاد الزراعي ومن خلال احيائه لبعض المشاريع الاروائية فقد حفر  شط الهندية. فضلاً عن احياء عدد من الانهار المندرسة ومنها نهر عيسى الواقع غرب بغداد ونهر النيل حيث استخدم لكريه (5000) عامل وانجز العمل سنة 1242هـ/1826م كما يعود الفضل الى هذا الوالي في انجاز مشروع لرفع المياه من نهر دجلة.
وقام والي بغداد محمد رشيد الكوزلكي بفتح نهر الهارونية والمشيرة في ديالى بالقرب من المقدادية فضلاً كريه لعدد من الانهار والقنوات منها نهر الدجيل في منطقة بلد التابعة لقضاء سامراء حالياً وجداول النيل والشاه والعوادل والبوجماع  والباشية والجربوعية والشوملي الكبير والشوملي الصغير.
واستعان والي بغداد نامق باشا بخبرة احد المهندسين المصريين المختصين بالري لتحسين القنوات المندرسة. لكن أي من تلك المحاولات لم تحقق اية نتائج ايجابية اذ استمر تقلص الاراضي الزراعية وتدهور وضعها بشكل خطير. حتى مجئ مدحت باشا، الذي ابدى اهتماما في مجال الري وتحسين معدلات الانتاج الزراعي من خلال اتخاذه لعدد من التدابير لاصلاح الاراضي الزراعية.
وعلى اثر تحول مياه الفرات الى فرع شط الهندية، بدلاً من فرع الحلة، الذي شحت فيه المياه. وجرت محاولات سابقة لعهد الوالي محت باشا لمعالجة تلك المشكلة. وترقى اولى تلك المحاولات الى سنة 1252هـ/1836م، عندما قام الواليان علي رضا باشا اللاز، ومحمد نجيب باشا (1258 ـ 1266)هـ/(1842 ـ 1849)م، بانشاء سدة على فرع الهندية لغرض تحويل مياه الفرات الى فرع الحلة، الاان السدة مالبث ان تحطمت سنة 1268هـ/1851م وتدفق منها الماء، وفي سنة 1275هـ/1858م بني سد جديد لتوفير المزيد من المياه الاانه مالبث ان تصدع.
وامام فشل تلك المحاولات وكثرة شكاوى الاهالي من استمرار الحالة شكل الوالي مدحت باشا لجنة مؤلفة من عدد من مهندسي الري، لوضع دراسة تفصيلة ومقترحات عملية لمعالجة تلك الحالة. حيث استمر العمل لمدة تزيد على الثلاثة اشهر، ويبدو انه تغلب على المشكلة بدليل اشارة جريدة (الزوراء) الى ذلك احد اعدادها، ان نهر الحسينية الذي يبس ماؤه من ثلاثة اشهر، واوقع النفوس الوافرة العدد في كربلاء باظطراب العطش، وصات عملياته مرتب الختام واطلق ماؤه. الاان هذه المشكلة لم تنته اذ سرعان ماعادت وتجددت من جديد بعد سنوات.
وفي اعقاب تجدد المشكلة القديمة الناجمة عن تحول مياه الفرات إلى شط الهندية بدلاً من شط الحلة، اسهمت دائرة السنية في ايجاد حل مؤقت لهذه المشكلة عندما اوعزت بتشكيل لجنة مؤلفة من متصرفي الحلة وكربلاء، ومحسن بك مدير الكشف في دائرة السنية الذي قام بكشف الهر واوصى بسد جزء من صدر فرع الهندية المسمى"الردارء")) فضلاً عن ظاهر افندي وكيل السنية، وبعض اصحاب الجنرة  ونتيجة لاعمال هذه اللجنة فقد تمت ازالة مافي النهر من الموانع كالجزرات وغيرها.
وعلى اثر تفاقم مشكلة مياه شط الحلة التي اخذت بالجفاف اثر تحولها إلى شط الهندية وما رافق ذلك من تدهور في انتاج المنطقة الزراعية نتيجة لعدم توافر كميات المياه الكافية لسقي المزروعات، وفي اعقاب انقطاع المواصلات الهندية على طريق نهر الفرات بين الحلة والبصرة. وعلى اثر استغاثة اهالي الحلة والديوانية، انصب اهتمام الدولة ابان تلك المرحلة على إنشاء سدة الهندية. وكانت فاتحة اعمالها استقدام المهندس الفرنسي شوندرفرM. Schonder ومساعده ثيودور دوران، اللذين اجريا كشفاً للمنطقة الممتدة على طول نهر الفرات وحتى مسكنه تمهيداً لانشاء السدة. وبعد عام تقريباً قدما تقريرهما إلى الوالي سري باشا معززاً بالخرائط. وقد احالة الوالي بدوره إلى وزارة النافعة والاشغال العامة لاستحصال المواقفة على تخصيص الاموال اللازمة تنفيذ المشروع وقد اسهمت خزينة الدولة بنصف الاموال المطلوبة، أما النصف الاخر تم تامينة من الخزينة الخاصة، وواردات الاراضي السنية، وممن كانت له مصلحة من الاهالي في بناء السد، حيث بلغت مجموع الاموال المستحصلة للمشرروع 1.733.998 قرشاًو 33 بارة.
جرى البناء بوتيرة عالية وباشراف من الوالي سري باشا، حيث قدمت جدرية (الزوراء) في أحد تقاريرها وصفا لمساحة السد، الذي امتد من نهر الهدية إلى مجرى الحلة وبارتفاع (6) امتار، وعرض(100) متر، وبطول 1200 متر.
كما ناشد الوالي رؤساء عشائر الحلة والهندية المساعدة، فاستجابوا وامدوه بعدة الاف م العمال الذين تمت الاستعانة بهم في حفر صدر السد. وجرى افتتاح السد في 25 تشرين الثاني سنة 1308هـ/1890م وعرف باسم"سد شوندرفر"تيمناً باسم مهندسه. ونتج عن بناء هذا السد اعادة المياه إلى شط الحلة، كما تشير بعض الدراسات إلى أن المياه الزراعية عادت إلى مجاريها إذ بدأت الحياة الاقتصادية في الحلة والمناطق المحيطة بها بالانتعاش من جديد بعد الانتهاء من اعمال تلك السدة سنة 1308هـ/1890م. غير أن السدة لم تصمد طويلاً، لاسباب عدة منها الترسبات المستمرة، متانة البناء. مما داى إلى خراب اجزائها منها فيما بعد.
أما بالنسبة لسدة الهندية فإنها لم تصمد طويلا إذ سرعان ما تعرضت للاهمال بعد نقل الوالي سري باشا وتصدعت بعض جوانبها 1314هـ/1896م)، مما استدعى القيام باصلاحات بلغت كلفتها 174475 ليرة تركية. لتنهار مرة اخرى على اثر فيضانات سنة 1321هـ/1903م.
أما بالنسبة لسدة  الهندية التي اخذت بالتدهور السريع على اثر التداعي الجزئي الذي لحق بها بعد فيضان سنة 1321هـ/1903م. حيث تدفقت معظم مياه الفرات إلى شط الهندية مجددا، مما ادى إلى انخفاض كبير جداً في مياه شط العرب الحلة مخلفا وراءه الدمار والخراب في مناطق الحلة والديوانية والدغارة. لمعالجة المشكلة اوفدت الحكومة العثمانية المهندسين الفرنسي موجل M. Moujel   لبناء الاستحكامات اللازمة لسدة الهندية وتعميرها. الأمر الذي ادى إلى ارتفاع منسوب المياه في شط الحلة، فنتج عن ذلك احياء مساحات كبيرة من الاراضي بما فيها اراضي السلطات المعروفة بالاراضي السنية.
إلا أن السدة سرعان ما تعرضت للانهيار مرة اخرى، واصبحت الحالة في شط الحلة اسوأ مما كانت عليه قبل إنشاء السدة. وامام الوضع المتردي الذي امست عليه السدة استقدمت الحكومة العثمانية خبير الري الفرنسي شوشود سنة 1323هـ/1905م، فقام بدراسة المشكلة ثم قدم تقريره الفني المتضمن تصوراته للمشكلة ومعالجتها، إلا أن تلك المقترحات ونتيجة للاهمال والتسيب الاداري العثماني. لم تاخذ طريقها للتنفيذ وبالتالي فإنها بقيت جسراً على ورق. مما نجم عنه بقاء مناطق مهمة من العراق تحت وطأة الظروف الطبيعية المتقلبة.
وفي سنة 1324هـ/1906م انتبت الحكومة العثمانية خبير الري (ردي كونيية) لدراسة امكانية بناء سدة هندية ثانية. ويبدو أنه لم ينجح في وضع حد للمشكلة بديل استمرار الوضع المتدهور للشدة على ما هو عليه سنة 1326هـ/1908م عندما عين أبو بكر حازم بك (1907-1908م)(1325-1326هـ) والياً لبغداد، ولاشك أن الخراب الذي اصاب سدة الهندية بيعد سنة 1326هـ/1908م قد الحق اضراراً بمجمل النشاطات في الحلة، لاسيما الزراعية منها، والت اثرت بدورها في المستوى المعاشي للسكان وفي واردات الخزينة ففي سنة 1327هـ/1909م بلغ نقصان تلك الوارادت نسبة كبيرة تزيد على النصف مقارنة بالاعوام السابقة إذ تدنى مقدار الواردات إلى 41317 ليرة بعد أن كانت سنة 1326هـ/ 11908م (93431) ليرة. وقد الغى نائب لواء الديوانية في مجلس المبعوثات (مصطفى الواعظ) ومن خلال تقريره المقدم إلى المجلس في دورته لسنة 1327هـ/1909م بمسؤولية ذلك على الموظفين منهم فضلاً عن عدم كفاءتهم الفنية لم ياخذوا بتوصيات المهندسين الذين اشرفوا على بناء السد بخصوص ضرورة صيانة وادامة السد باستمرار، ولعل بعد المسافة بين الديوانية وموقع ذلك السد، وضعف الشعور بالمسؤولية، كانا ي مقدمة الاسباب التي جعلت الموظفين العثمانيين يتقاعسون عن تادية واجباتهم بهذا الخصوص. ونتيجة لذلك حصلت الاضرار الجسيمة في الحقول والمزارع وباقي النشاطات الاقتصادية بسبب تناقص مياه الفرات ابتداء من الحلة وحتى السماوة جنوباً، الأمر الذي انعكس سلباً على واردات لخزينة المركزية في لواء الديوانية.
وجدت الدولة العثمانية أن مشكلة المياه في العراق بدأت تزداد سوءاً، وتترتب عليها مشاكل اقتصادية واجتماعية، ولمعالجة الموقف المتأزم، انتدبت الحكومة العثمانية مهندس الري الانكليزي وليم ويلكوكس W. Willcocks ليقوم بدراسة مشكلة الري بشكل ميداني واقتراح الحلول الناتجة لمعالجة هذه المشكلة واعداد التصاميم الفنية لاحياء مشاريع الري في العراق، فقام بزيارة العراق سنة 1326هـ/1908م وبرفقته (12) مهندساً مع عدد من المساحين وبعد أن مكث زهاء السنتين والنصف انجز خلالها التحريات الفنية اللازة قدم إلى وزارة الاشغال العامة (نظارة النافعة) تقريراً مفصلاً ضمنه كل ارائه وافكاره في معالجة مشاكل الري، وارفق التقرير المذكور (84) خارطة وتصميمات للمشاريع التي يتوقف عليها اعمار الاراضي وانعاش البلاد وتخليصها من اخطار الفيضانات.
من المشاريع التي اقترحها ويلكوكس في تقاريره:مشروع سدة الهندية الذي اشتمل على إنشاء سدة الفرات في جنوب المسيب لتامين تجهيز المياه  في شط الحلة وفي جداول الكفل وبني حسن والحسينية،مجموعة من الجداول المتفرعة من مقدمة (سدة الهندية). وامام مالية الدولة العثمانية عن تحمل نفقات تنفيذ مثل هذه المشاريع. ارتؤي أن يكون انجازها تدريجياً الواحد بعد الاخر على أن يقدم الاهم على المهم، وكان اول هذه المشاريع مشروع سدة الهندية الذي كان ويلكوكس قد اقترح اقامته في المكان تشعب فيه نهر؟ إلى فرعي الهندية والحلة للعمل بسرعة وتامين تجهيز المياه إلى فرع الحلة الذي أخذ يجف نتيجة لتحول المجرى الرئيسي اانهر من اتجاه شط الحلة إلى اتجاه شط الهندية.
احيل انجاز المشروع إلى شركة جون جاكسون البريطانية (اوكل إلى هذه الشركة انجاز مشروع بحيرة الحبانية  حيث نصت المقاولة حينذاك على تعهد الشركة بانجاز هذين المشروعين، على أن يدفع للشركة 15% من مجموع الكلفة، وكذلك 5% من كلفة المواد والتجهيزات المستوردة إلى العراق لمصلحة المشروع). ووفق شروط منها أن يأخذ المتعهدون على أنفسهم اتمام العمل برمته مع تحميلهم التبعات المالية في حالة عدم اتمام المشروع.
بوشر العمل في بناء السدة في شباط سنة 1329هـ/1911م، واستغرق العمل زهاء السنتين، حيث تم افتتاح السدة في 12كانون الاول سنة 1332هـ/1913م. بلغ طول السدة 240 متراً، وهي مؤلفة من ثلاثة احواض يشمل كل منها على 12 فتحة، اتساع كل منها 5 امتار، وكل فتحة من الفتحات المذكورة مجهزة ببوابتين من الفولاذ. وتفتح جميع ابواب السد في اثناء موسم انخفاض منسوب النهر (الصيهود) فتسد الابواب حيث يجري توزيع المياه بطريقة المناوبة. ويوجد في الجانب الايسر ممر للسفن عرضه(8)امتار وطوله (55)متر وعليه جسر متحرك .وتبلغ مجموع طول ارضية السدة (112)متر، تتخللها(3)خطوط من الركائن الحديدية. وفي جنوب الأرضية الرئيسية مساحة مغطاة بطبقة سميكة من الأحجار يبلغ طولها (40)متر، وتمتد الى جوار السد الغاطس، اما الغرض الذي رصفت من اجله هذه الأحجار فهو تخفيف ضغط المياه الصاعدة عن الأرضية وفسح المجال لها لكي تترسب من تحتها دون أن تحدث ضرراً في بنائها.
كلف انجاز السدة حوالي نصف مليون جنيه استرليني وحققت منافع كبيرة جداً، وكان بالامكان ان تتضاعف هذه المنافع لو انها ترافقت مع صيانة الامن، وايجاد نظام ملائم للاراضي، علاوة على استخدام الطرق الحديثة للزراعة.

 عن رسالة (الخدمات العامة في العراق 1869 ــ 1918)