الحرف لو  ودلالاته الموحية في النص الشعري   لو لم يكتشف كولومبس أمريكا

الحرف لو ودلالاته الموحية في النص الشعري لو لم يكتشف كولومبس أمريكا

 أحمد فاضل
لو لم يكتشف كولومبس أمريكا
لكنت الآن ألعب (الغميضة) مع بناتي
وعند العصر نجتمع حول صينية الشاي المهيل والكعك
ولكان أخي يتسلل بهمس أصابعه
يطرق باب البيت قائلا: - هل من أحد هنا؟!

وهو المتيقن تماما بأننا في انتظاره
هذه الأبيات الخمسة من قصيدة "لو لم يكتشف كولومبس أمريكا"والتي حملت كذلك عنوان المجموعة الشعرية للشاعرة العراقية المغتربة فليحة حسن الصادرة عن دار جان للنشر في ألمانيا عام 2015 بواقع 54 صفحة من النوع المتوسط والتي احتوت على 29 قصيدة نثرية حداثوية، اكتشفت أنها صنعت نصوصها بذكاء وبرعت في تحويل آلامها الشخصية إلى خفة حركة بلاغية جاءت عبر تجربة شعرية طويلة حاولت من خلال جملها البليغة وصورها أن تصل إلى ذروة الفزع الإنساني المستحكم في النفوس، ولو تمعنا قليلا في تلك الحركة لتعرفنا على حرف"لو"الدال على العرض والوصل والتمني كونه الأساس الذي قامت عليه أكثر قصائد المجموعة لتصل بنا الشاعرة من خلاله إلى أننا نبقى نحلم ونتمنى علهما يحققان بعض الذي يجول في نفوسنا. 
للكاتب والناقد الأكاديمي الأمريكي المعروف لورنس دبليو مازينو تعريف جميل للنقد بعد إجابته لسؤال عنه:"ما هو الهدف من النقد"؟ قال:"من ضمن المعاني التي يحملها هناك معنى آخر له هو دراسة وتقييم وتفسير الأدب، والأعمال الفنية، والأفلام، والاتجاهات الاجتماعية ، والهدف من هذا النوع من النقد هو فهم المعاني الممكنة من الظواهر الثقافية، والسياقات المتبلورة خلاله وغالبا ما يتم إجراء محاولة لتقييم مدى إنتاجه الثقافي والمتعلق ببقية النتاجات الثقافية الأخرى وما هي مكانتها ضمن نوع معين منها، أو تقليد ثقافي معين"(2)، كان الغرض من سوق حديث مازينو هنا هو الهدف من فهم المعاني الممكنة التي رافقت ظاهرة استخدام اللغة الشعرية التي يحاول الشاعر من خلالها التفرد والتميز مع الحفاظ على بقية بناء القصيدة شكلا ومضمونا، ولأننا أمام هذه الظاهرة الشعرية التي نكاد نتلمسها والتي تجسدت بهذه المجموعة للشاعرة فليحة حسن المولودة نهاية ستينات القرن الماضي في النجف الأشرف والتي نهلت تنوعا أدبيا من خلال قراءتها لأمهات الكتب منذ دخولها المدرسة حتى تمكنت من منحنا دواوين شعرية عديدة هي:
"لأنني فتاة"،"زيارة لمتحف الظل"،"خمسة عناوين لصديقي البحر"،"ولو بعد حين"،"قصائد أمي"،"لا تقل أنا قل أنا"،"part of me "، إضافة إلى كتاب في النقد الأدبي ومجموعة قصصية وعددا من الروايات فإن الشاعرة قد وفرت من خلال استخدامها لتلك اللغة ستراتيجية واضحة لتنشيط قصائدها باستخدامها الحرف (لو) الذي بقي شكله محافظا على دلالته وبرموز مختلفة كما سنتعرف على ذلك من خلال أولى قصائد المجموعة الشعرية"لو لم أحبك هل كنت سأنجو؟":
بعيدا عن كوني سأموت مثل بقية أهل الأرض
ويصير الجسد سمادا للشجرة
يعّلق بعض منه في عجلات السيارات
يطمع بعض الطير ببعض اللحم
فيجهز بالمنقار عليّ
إلى أن تقول:
بعيدا عن كل الأفكار اللابد ستنمو
في كل دروب الرأس
لو لم أجدك
هل كنت سأنجو؟!
أنظر حرف (لو) هنا في هذا النص كيف تم استخدامه، وانظر له في نصها الآخر"لو في إمكانك أن تحيا بعيدا عني!":
افعلْ
لو في إمكانك أن تعصر من غيم الروح وضوء
وتحيل رماد اليوم التالف باقات أمل
افعلْ
ولو اسطعت بأن تبصر في المرآة شظايا غبرك
افعلها،
نعم
افعلها
واحيا من غير وجودي
لو أمكنك أن تحيا بعيدا عني
إنه التنشيط اللغوي الجمالي الذي تحدث عنه الشاعر والرسام الإنكليزي دانتي غابرييل روسيتي (1828 – 1882) الذي أثرت آراؤه في الرمزيين الأوربيين وكان الممهد الرئيسي لظهور الحركة الجمالية في الشعر، والشاعرة حينما استخدمت"لو"أعطت لهذا الحرف أشكالا ورموزا مختلفة زادت من جمالية النص الشعري مع كل ما يحويه من ألم المعاتبة والوجدان، وهذه هي إحدى الاستخدامات الستراتيجية الجميلة التي انتهجتها الشاعرة بتطويع حروفها كما في قصيدة"ابرئني الذمة"التي تقول فيها:
فأنا حين يجن الشوق
وتصمت كل الأشياء سوى قلبي
أتسلل خوفا من أن تبصرني عيني
صوب ثياب
نحّاها غضب عنك
وأزيح غبار اللوعة عنك
أتشمّمها
علّ نداك
أو نقطة عطر
دست ما بين ضلوع قميصك
تسكت عني آلامي
وتعيد توازن روحي إليّ
فابرئني الذمة
إذ دوما ما أفعل هذا:
لدى قراءتنا لهذه القصيدة لا يمكننا إلا أن نلاحظ ذلك الوصف البلاغي الجميل لثيمة المرأة المحبة والعاشقة التي تكررت لوعتها آلاف المرات في الشعر، إلا أنها تختلف في استخداماتها من شاعر لشاعر ويبدو أن شاعرتنا استطاعت مغايرة تلك الاستخدامات بانحناءات أبياتها بين الرغبة واللوعة وبصورة غنائية أكسبت النص إيقاعا جميلا بدا وكأنه مشهد سينمائي شديد الرومانسية مشوب بالقلق الذي إذا نظرنا إلى سطوره وجدنا في كل منه ذلك الاشتغال اللغوي الذي يعيدنا لما بدأته في أول قصائدها وكذلك في أخرياتها كما في:"أنا...... دائما":
ولو أنني ما ولدت ببيت يعوزه بيت لكي يكتمل
لكنت أنا الآن
و........
و..........
و.............
ولكنه
ليس سوى الشعر لدى الشاعر
لو، عاد هنا هذا الحرف يحمل إيقاعا سريعا يختزل في معناه جُملا عديدة في إطار هذه الومضة التي حافظت شاعرتنا من خلالها على بناء الجملة الشعرية بكل ما تحويها من تقلبات ومنعطفات كالولادة، البيت، العوز، الاكتمال، والشعر والشاعر لتكون في نهاية سطرها الأخير جملة متدفقة المعاني احتشد النص من خلالها بكل المفردات الدالة على التمني والإقرار بالذات العاطفية والإنسانية والمكانية الداخلة في مشاعرها من سعادة وتعاسة صعودا إلى بقية نصوص مجموعتها"من جديد استأنف حياتي"،"أنا وحبيبي بعض حيوانات"،"حيرة"التي نتوقف قليلا لقراءتها:
أفكر فيك وحذائي كثيرا
إذ كيف سألقاك
بكعب مكسور
كحظي العاثر
ويبدو أن هذه الومضة الشعرية تكاد تبدأ من منتصفها، فقد أثارت فينا الرغبة بسؤالها:"إذ كيف سألقاك"حتى وصلت حد إقناعنا بجوابها:"بكعب مكسور"و"حظ عاثر"، وهو هنا عملية  تكنيك أكثر مما هو بصورته الشعرية على سبيل قناعتنا لها، هذا الاشتغال انتقلت به الشاعرة إلى قصيدة"احتراقات"التي تحتاج منا وحدها وقفة طويلة كونها قصيدة متمردة على القوالب الشعرية التي عرفناها وهي:
1 – الإنسان فيها هو جوهر التجربة بمعاناته وحياته اليومية وقضاياه النفسية والاجتماعية والسياسية.
2 – الجنوح إلى الأسطورة والرمز والتراث الشعبي والإشارات التاريخية.
3 – تأثره بالروافد الدينية والصوفية والوثنية والرومانسية.
4 – تعرية الزيف الاجتماعي والثورة على التخلف.
5 – الوحدة العضوية مكتملة، فالقصيدة بناء شعوري متكامل يبدأ من نقطة بعينها ثم ياخذ بالنمو العضوي حتى يكتمل.
6- قد يسير على وتيرة واحدة في الوزن والقافية، أو على نظام المقطوعات وشعر التفعيلة، أو قد لا يسير على نمط محدد ينقسم ذلك إلى قسمين:
1 – شعر واضح: يتحدث فيه الشاعر ببساطة وعفوية ولغة تقترب من لغة التخاطب اليومي.
2 – شعر سريالي"غير واضح": ويتميز بالغموض والإغراق بالإيهام والرمز والأسطورة ويستعصي الكثير منه على التحليل والتقويم والنقد بمقاييسنا المألوفة. (3)
وكذلك"حينما لا تحضر قصيدتي"و"لنقل إنها شجرة"و"التماس"وقصيدتها"زنجية"التي أثارت ما أثارت، أرى فيها ملخصا لحياتها كما قالت في توطئتها:
قبل أن تشير أصابع المنون صوب أبي، جاء إليَّ ذات حنين ليهمس لي:
« أي بنيتي احتفظي بهذا، فهو العلامة على أصلك، ودونه ستبقين مقيمة مع غير بني جلدك!»
وأخذته لأرى حجراً ما هو بحجر وإشارات لم افهم كنهها وخطوطا دقيقة لا ادري إلى أين تصل أو توصلني،
قال: «هو من جد جدي توارثه ويعود إلى ملك الحبشة الذي ابنه بلال – وأكد الحبشي مؤذن الرسول – «أخذته، وبحقيبتي صرتُ احمله وكان صغيراً، غير إن مَنْ كان يقاسمني حياتي تحت مسمى زوج، رماه –كما اخبرني – في بالوعة البيت ظناً منه انه مضروب عليه سحر!
ومن ذاك اليوم وأنا أعيش غربات متراكمة
فكتبت هذه القصيدة كشفاً لسر لوني أنا المولودة في (بانيقيا) روحاً وحزناً وشعراً!
و"احتفلوا بشدة معي"و "قبل أن تستشهد ميسون"و"لو كنتُ شاعرة"التي تعيدنا إلى ما بدأنا الحديث عن الدلالات الموحية لاستخدام هذا الحرف في هذه المجموعة الشعرية نقرأ منها:
لتسللت إليك من ثغرات (النت)
لففتك بقصيدة نثر لا تعرف فن الإيجاز
وأنمتك تحت غطاء سريري
بهدوء!
فإذا ما راودني الحب
واشتعلت
مسامات الروح حنينا
مددت أصابع كفي نحوك
وصرت أداعب كلمات النص
حرفا، حرفا
و"تحت مسمى وردة زائدة" و"شذرات" و"قصيدة ذكورية"و"توسل" و"لا جدوى من الثورة قرب ضجيج المقابر: إلى الأكبر مني طبعا ولدي احمد في عيد ميلادي"، و"جندي"و"بل حمامتان"، وأخيرا آخر قصائد المجموعة التي ابتدأنا فيها الكلام وكانت مدخلا لقراءتنا هذه"لو لم يكتشف كولومبس أمريكا".
فليحة حسن اختارت غربتها بمحض إرادتها ليس هروبا فقط من ماض مؤلم، بل لتعيد فهرسة حياتها وفق إرادة حديدية صلبة من أجل أن تفتح لها ألف نافذة جديدة للحياة.

هوامش /
(1) مختار الصحاح للرازي / المكتبة العصرية للطباعة والنشر بيروت.
(2) الشعر الفيكتوري / لورنس دبليو مازينو 1995.
(3) ويكيبيديا إبراهيم عابدين – أبو العينين محمد أبو العينين – محمد علي حسين / القاهرة