بغداد في النصف الاول من القرن العشرين نواد وجمعيات ثقافية مختلفة

بغداد في النصف الاول من القرن العشرين نواد وجمعيات ثقافية مختلفة

اياد يونس عريبي
عرف قانون تأليف الجمعيات لعام 1922 الجمعية في مادته الثالثة"هي الهيئة المؤلفة من عدة اشخاص موحدين معلوماتهم او مساعيهم بغير قصد الربح وهي تشمل النوادي أيضا", واستنادا لذلك اصبح لزاما علينا التطرق للنوادي لان القانون اعلاه عدها من الجمعيات, كما واسهمت النوادي بأنشطة ثقافية واجتماعية لا يمكن اغفالها.

 ادت النوادي الاجتماعية في بغداد دورا مهما في حياة بغداد الثقافية , واسهمت في دفع عجلة الثقافة الى الأمام اثناء مدة الدراسة عن طريق احتضانها , لمختلف النشاطات الثقافية , ولأجل التعرف على هذه النوادي وتسليط الضوء على تاريخها ونشاطاتها , فقد تم دراستها بحسب تسلسلها التاريخي واهميتها.

- نادي بغداد:
اجيز هذا النادي في 25 تشرين الثاني 1933 , بعد ان قدم مجموعة من الشباب طلباً الى وزارة الداخلية , وفي اول اجتماع لأكثرية اعضاء النادي , تم في صباح يوم 9 اذار 1934 , انتخب لهيئته الادارية عبد الفتاح ابراهيم معتمداً للنادي , ويوسف الكيلاني سكرتيرا وعوني الخالدي محاسبا.
انظم للنادي سيل من الشباب المتعطش للثقافة,ولهؤلاء الشباب نزعات متباينة لم تجمعهم قاعة النادي , الا لانعدام وسائل التسلية في بغداد , ولاسيما بعد بث الرقابة الاخلاقية على دور الملاهي والمحال العامة , فانزوى اعضاء النادي في ناديهم المجهز بشتى انواع الملاهي وضروب التسلية , وكانوا متفقين جميعاً على هذه النواحي المبهجة,وقد زاول النادي انشطة اجتماعية وثقافية مثل عقد اللقاءات والندوات والقاء بعض المحاضرات المختلفة , واعلن عن حاجته الى مدرسين للغات الاجنبية كالفرنسية والتركية,وكان طابع النادي طابع الشباب المثقف الذي له صلة بجماعة الاهالي, ولكن النادي لم يحقق أغراضه لان الحكومة أوعزت الى اعوانها , فأثاروا المشاكل في النادي , فاتخذت ذلك ذريعة لإغلاقه.

- نادي القلم:
ترجع فكرة تأسيس هذا النادي الى عام 1933, اذ اجتمع عدد من المثقفين في دار الدكتور محمد فاضل الجمالي , وتذاكروا في انشائه , كفرع لنادي القلم العالمي المسمى P.E.N.CLUB)) وقد اختير لرئاسته الشاعر جميل صدقي الزهاوي والدكتور محمد فاضل الجمالي نائبا له, وقد اجيز هذا النادي من وزارة الداخلية في 14 تشرين الاول 1934اما غايته فكان يدعو الى تعارف المؤلفين وحملة الاقلام في العراق وبقية البلاد العربية , والعالم ومساعدة الباحثين وتقديم العون لهم , اما شروط القبول فيه فيقبل كل من له شخصية ادبية او علمية , وذلك بأن يقدم طلباً الى رئيس النادي على ان يزكيه اثنان من الاعضاء ويجري قبوله بعد تصويت مجلس النادي , اما مالية النادي فتتحصل من رسوم الاشتراكات الشهرية والتبرعات والاعانات كما اشار النظام الاساسي للنادي بانه لا دخل له بالسياسة.
    لما لم يكن للنادي مقراً دائما له , كانت اجتماعاته تعقد في دار احد اعضائه , حيث كانت تلقى المحاضرات من قبل احد اعضائه , او احد المدعوين من الشخصيات العربية او الاجنبية ساهم يوسف غنيمة في نشاط النادي سواء بحضوره اجتماعات النادي او باستضافة اعضاء النادي او بألقاء محاضرة.
     يعد تأسيس"نادي القلم"العراقي حدثا ثقافيا بارزا في النصف الاول من القرن العشرينلأنه أول منظمة ثقافية تمثل الادب الذي ظهرت مؤسساته فيما بعد باسم (اتحاد الكتاب او الادباء) وهو اقدم نادي قلم في منطقة الشرق الاوسط, وقد انشأ النادي صلات مع نوادي القلم الاخرى في العالم اذ ارسل النادي مجيد خدوري لحضور مؤتمر القلم العالمي في الارجنتين عام 1937 , كما حضر السيد عطا امين اجتماع نادي القلم في لندن بدعوة من المستر ه.ج ويلز (Mr. HG Wells) الكاتب الذائع الصيت.
    وقد اصدر النادي مجموعة نفيسة ضمنها المحاضرات التي القيت في اجتماعاته الدورية  وتقع هذه المجموعة في اكثر من ثلاثمائة صفحة , كما تنوعت موضوعاتها على سبيل المثال كتبت عن المجريطي امام فلاسفة الاندلس في الرياضيات والطبيعيات , كما تناولت المجموعة بحث بعنوان قصة فتح بغداد , وفي هذه المجموعة خلاصة وافية لأعمال المؤتمر الرابع عشر لأندية القلم , وقد عقد في بوينس ايرسبالأرجنتين (5-15 ايلول 1936).
    انضم عدد كبير من النخبة العراقية الى هذا النادي , وممن انضم اليه هو انتخاب مير بصري عضواً فيه عام 1942 , وقد القى في احدى الجلسات ملحمته الشعرية (نهاية الابطال) وقد كان حاضراً مع الضيوف الاديب البريطاني اليك وو (WuAlaak) الذي كان يزور بغداد وقتذاك , فلخصها له باللغة الانكليزية اذ اثنى عليها الاخير كثيرا.
توقف نشاط هذا النادي بصدور مرسوم الجمعيات رقم 19 لعام 1954 , استأنف النادي نشاطهُ مجدداً بعد تجديد اجازته في الخامس من اذار عام 1956, وتولى الدكتور محمد فاضل الجمالي رئاسته وعضوية كل من توفيق وهبي وعبد الكريم الازري ورفائيل بطي وعبد المجيد محمود والدكتور احمد سوسة والدكتور جواد علي والدكتور عبد المجيد عباس, وقد استمر على النهج ذاته.
- نادي الارتقاء الكردي:
 يعد هذا النادي من النوادي الثقافية الكردية التي عمرت طويلا , حيث استمر لمدة ثمان وعشرين عام (1930 – 1958) جرى افتتاحه في بغداد في 30 ايار 1930 , وذلك بعد حصوله على الاجازة من وزارة الداخلية , بموجب القرار المرقم (6895) في 19 ايار من العام ذاتهُ, وقد اقيمت حفلة افتتاحية في سينما رويال في بغداد بحضور عدد كبير من الشخصيات الكردية , وغير الكردية وعدد من اعضاء مجلس الاعيان , واختير لإدارة النادي خيرة المثقفين الكرد امثال محمد امين زكي, ومعروف جياؤوك واخرين.
      كان هدف النادي نشر الثقافة والعلوم بين الاكراد , وترقية اللغة الكردية وتعليم ابناء الشعب الكردي من الاميين , ونشر الفنون الحديثة وفي اواخر حزيران 1930 عقد النادي اجتماعا اخر حضرهُ ما يقارب 120 شخصاً , وتم انتخاب جميل صدقي الزهاوي لتدقيق الخطب التي كانت تلقى فيه.
مع ان هدف النادي في الظاهر كان ثقافيا بشكل عام , كنشر العلم وتثقيف الشباب الكردي وما الى ذلك , وعلى الرغم من تأكيده في منهاجه على عدم التدخل في السياسة بوصفه نادياً علمياً يعمل في سبيل ترقية مستوى الشبيبة الكردي العلمي والاخلاقي , الا انه في الواقع كان يتدخل بصورة سرية وبأشكال مختلفة في الامور السياسية , فقد كانت له علاقة مع كل من الجمعيتين خويبونوهيوا (الامل) فضلا عن ذلك سعى النادي الى محاولة توضيح القضية الكردية لممثلي الدول الاجنبية في بغداد عن طريق حفلات التعارف التي كان يقيمها, اذ كان يدعو اليها المسؤولين في السفارات الاجنبية لاسيما البريطانية, وكان منظمو تلك الحفلات يلقون الكلمات والخطب التي تهدف الى ايضاح بعض المسائل الخاصة بالشعب الكردي , ومما جاء في احدى تلك الخطب , ان الكرد هم اناس لهم الحق في الحياة والعيش.
   ومن الاعضاء البارزين في هذا النادي الشخصية الكردية المعروفة توفيق وهبي , الذي قام بنشاط ثقافي ملحوظ , وذلك بأشرافه على الدورات الخاصة لتعليم اللغة الكردية, وتدريسه لهذه اللغة ولهجاتها والاملاء الكردي بالحروف العربية واللاتينية , اذ كان يجري تدريسها على المشاركين في هذه الدورات مرتين في الاسبوع , وقد شاركت في هذه الدورات فئات مختلفة من الناس , كما ان الملك فيصل الثاني (1953 -1958) تلقى دروساً لتعليم اللغة الكردي عن توفيق وهبي.
اعيد تأسيس النادي بعد قرار الغلق الشهير في 25 تشرين الثاني 1954 , استناداً الى الطلب المقدم من محمود بابان وعدد من الشخصيات الناشطة في مجال الخدمة الاجتماعية , جاء في المادة الثانية من نظامه الداخلي المقدم مع طلب التأسيس , انه مؤسسة ثقافية اجتماعية ادبية لا علاقة لها بالسياسة مطلقاً وهدفهُ نشر الثقافة الكردية وكذلك مساعدة الطلبة على مواصلة دراستهم.

- نادي المثنى بن حارث الشيباني:
في عام 1935 تقدم رهط من الشباب القومي بطلب الى وزارة الداخلية بافتتاح ناد اجتماعي الغاية منه بث الروح الوطنية والشعور القومي بين الشباب العراقي تحت اسم"نادي المثنى"تيمنا بالقائد العربي المثنى بن حارثه الشيباني, وقد تم اختيار هيئته الادارية من بين الاعضاء المؤسسين للنادي فقد تولى السيد صائب شوكت منصب رئيس النادي ومحمد كبة نائبا للرئيس, وسعيد الحاج ثابت امينا للصندوق وعبد المجيد القصاب سكرتيرا , فيما تم اختيار اعضاء اخرين للأشراف على لجان النادي الثقافية والرياضية والاقتصادية والفنية والدعاية والخدمات الاجتماعية.
   تضمن برنامجهُ نشر الثقافة العربية واحياء التقاليد القومية , والعمل على رفع المستوى الاخلاقي , والعلمي والاجتماعي وتشجيع روح الرياضة والرجولة بين الشباب , كما اكد على اهمية الاسرة في المجتمع , وشجع على الزواج وقدم منح للمتزوجين المعوزين , ودعا الى رفع مستوى المرأة الثقافي والاجتماعي لتنال حقوقها , كان تأسيسه بمثابة النواة لظهور التيار القومي العربي في العراق, ولهذا النادي حفلات اسبوعية لاستماع المحاضرات ومجاذبة الاحاديث.
      كانت الاجتماعات العامة تعقد في مقره , ويلقى أعضاؤه المحاضرات في المواضيع المختلفة كالآداب والتاريخ والاجتماع ويصدر الكتب والرسائل والكراسات, وكان يستقبل الوفود والشخصيات العربية الوافدة من البلاد العربية , ويتبادل معها الاحاديث التي تخص الشأن العربي.
 اصدر النادي مجلة خاصة به عرفت , بمجلة"المثنى"نسبة الى اسم النادي فقد صدر العدد الاول منها في 27 اب 1936وكرست المجلة عملها لخدمة النادي واستقطبت عددا من المفكرين العرب , فقد نجحت بشكل كبير في تثقيف الناس , وكان لنادي المثنى دوراً كبيراً في تنمية الثقافة العامة للشباب , فقد عمل بعزم على تعزيز العلاقات والروابط الشبابية بين الشباب العراقي وشباب دول المشرق العربي.
    وكانت لنادي المثتى علاقات متبادلة مع بقية الاندية , كعلاقته مع نادي الجزيرة في الموصل الذي كان اعضاؤه دائما يتوافدون على نادي المثنى, فضلا عن اقامته للصلات مع النوادي العربية في دمشق مثل النادي العربي.
 نتيجة للتقارب الفكري بين"جمعية الجوال"ونادي المثنى انضمت الاولى الى نادي المثنى مع الاحتفاظ بكيانها داخل النادي , حصل ذلك في صيف 1936 حين توقفت مجلة الفتوة عن الصدور بعد عددها الاخير رقم 21في 4 تموز 1936وحلت محلها مجلة"المثنى بن حارث الشيباني"وهكذا لم يعد ممكنا فصل تاريخ الجمعية عن تاريخ النادي.
  كما لا يمكن اغفال دور النادي السياسي في انتفاضة نيسان-مايس 1941الذي ادى الى اغلاقه من الحكومة , بعد ان وجهت له اتهامات عديدة , فصدر امر الغلق من قبل وزارة الداخلية  بكتابها المرقم (329) في 7 نيسان 1942 , فضلا عن الغائها اجازة النادي , كما شمل الكتاب ايضا الغاء اجازة جمعية الجوال للأسباب نفسها,وبعد مدة تمت مصادرة النادي وممتلكاته وتحويلها لصالح نادي اخوان الحرية الذي تأسس كمنتدى للبريطانيين واعوانهم.

- نادي البعث العربي:
هو نادي ثقافي مستقل اسس في 9 ايار 1950 في بغداد , يهدف النادي الى تأكيد الالتحام المصيري بين العروبة والاسلام , وانماء الشعور القومي الصادق وتشجيع ومساندة المؤلفين والمفكرين والعمل على تالفهم , لخدمة الوطن العربي ورفع المستوى الثقافي والاجتماعي والاقتصادي , تكونت الهيئة الادارية الاولى للنادي بعد اجراء الانتخابات من السادة عبد الرحمن البزاز رئيسا والدكتور علي الصافي امينا للسر والدكتور عبد الحميد الهلالي محاسبا وعضوية السادة علي الدلي وشكري صالح زكي وعبد الرحمن البزاز, اصدر النادي مجلة ثقافية باسم مجلة"البعث القومي"في 15 كانون الاول 1951مديرها المسؤول حسن الدجيلي وكتب عليها مجلة اسبوعية يصدرها نادي البعث العربي , فقد عالجت مختلف القضايا الوطنية والقومية , فضلا عن الانتقادات المستمرة للحكومة العراقية حتى عطلت مع صحافة الاحزاب والصحافة الوطنية ابان انتفاضة تشرين الثاني 1952.
    استمر النادي يمارس اعماله حتى اغلق بالقرار رقم 19 الذائع الصيت عام 1954 ثم اعيد تأسيسه من جديد رسميا في 20 كانون الاول 1954 ثم حلته وزارة الداخلية في 26 كانون الاول 1956 نتيجة لمواقفة القومية المؤيدة لمصر.

- نادي المعارف:
اسس هذا النادي في 24 حزيران 1956 , وكان من مؤسسيه الدكتور محمود الامين والدكتور مهدي المخزومي بجهود مجموعة من المثقفين الذين يعدون الهيئة المؤسسة للنادي واعضاء النادي كانوا على نوعين الاعضاء العاملون , وهم موظفو الخدمة التعليمية وموظفو وزارة المعارف , والاعضاء المؤازرين, وهم من ينتسب الى النادي ولم يكن من اسرة المعارف اما أهداف النادي فهي العمل على نشر الثقافة ورفع المستوى الاجتماعي وتقوية الروابط بين افراد اسرة المعارف.

     مما تقدم يتضح لنا ان النوادي الثقافية التي تأسست في بغداد قد ادت دورا كبيرا ومؤثرا في المجتمع البغدادي , عن طريق نشاطاتها المختلفة وان اغلب هذه النوادي كانت قد انشئت لتحقيق اغراض سياسية لكنها اصطبغت بصبغة الثقافة لتمرير تلك الاغراض ومع هذا فقد كان لها تأثير كبير على البغداديين وساعدت على نشر الثقافة ولو بنسبة متوسطة.

عن رسالة (الجمعيات الاجتماعية والثقافية في بغداد)