طرائف البيانات البلدية ونوادرها.. الاحتلال البريطاني واعلاناته الرسمية للعراقيين 1914 ــ 1920

طرائف البيانات البلدية ونوادرها.. الاحتلال البريطاني واعلاناته الرسمية للعراقيين 1914 ــ 1920

باسم وحيد جوني
تُعد محاولة الادارة البريطانية لتشكيل المجالس البلدية والتي تضم الوجهاء والملاكين وكبار الشيوخ، أول محاولة اُجبرت الادارة البريطانية على انتهاجها خلال مرحلة ما بعد الحرب، وخصوصاً بعد خطاب رئيس الولايات المتحدة الامريكية ودوورد ويلسن ((W. WELSON (1856-1924) والذي ألقاه في 8 كانون الثاني 1918،

 حيث أكد في البند الثاني من البنود (الاربعة عشر) المشهورة التي وردت في ذلك الخطاب على ((وجوب تأمين سيادة الدولة العثمانية على ما تبقى من اقسامها وتأمين الحياة لسكان الدول التي انسلخت منها)).
فقد كتب الكولونيل جيرالد أفلين لجمن(G.E.LICHMAN) (2) احد الحكام السياسيين في العراق الى السير آرنولد ويلسون، بأنه أخذ يستلم رسائل عديدة من الحكام السياسيين يسألون فيها عن احتمالات الاستغناء عن خدماتهم. فأجابه ويلسون بأن هدفه الوحيد والأساس هو التمسك بوظيفته.

وفي الخطاب الذي ألقاه السير آرنولد ويلسون اثناء الاحتفال الذي أقيم بمناسبة عيد ميلاد ملك بريطانيا (جورج الخامس) في 29 آيار 1919، أكد على ضرورة إبقاء زمام الأمور بيد الحكام السياسيين، وإلقاء بعض الامور على عاتق المجالس البلدية، حيث ذكر إن المجالس المزمع تشكيلها ستكون تحت رئاسة الحكام السياسيين، أما كاتمو الاسرار فيجب أن يكونوا من الوطنيين.
ومن الجدير بالذكر ان الادارة البريطانية قد شرعت قبل ذلك بتشكيل المجالس البلدية، وكانت البصرة أولى المناطق التي شهدت تطبيق هذه التجربة، حيث تشكل المجلس البلدي فيها من رئيس المجلس، وهو بريطاني ونائب له  عراقي، ومستشارون فنيون من العرب والبريطانيين وعدد من الاعضاء وكان أحدهم من بريطانيا وآخر من الهند.
    وفي أول اجتماع لأعضاء المجلس البلدي في الشامية والنجف استقال عدد من الاعضاء وهم السيد علوان الياسري، والسيد محسن أبو طبيخ، والسيد نور الياسري وآخرون غيرهم، بعد أن علموا أن واجباتهم تنحصر في شؤون الخدمات البلدية مثل مراقبة الاسواق والرسوم البلدية والاشراف على الصحة العامة، وأشاروا في كتاب الاستقالة بأن مصير البلاد لم يقرر بعد ولا يمكن المشاركة في مشاريع لم تقررها حكومة وطنية شرعية.

المواصلات
البريد والتلغراف
بعد اندلاع الحرب العالمية الاولى بدأت القوات البريطانية بالتوغل في العراق، حتى احتلت بغداد في 11 آذار 1917، فوجدت القوات البريطانية أن من أولى واجباتها تأمين طـرق مواصلاتها البريدية والبرقية، فأصبحت دوائر البريد جميعها جزءاً من المؤسسات العسكرية، وتأسست في بغداد دائرة مركزية هي ناظرية البريد الملكية (دائرة البريد الملكية) يقوم بادارتها عسكريون بريطانيون.
ومما تجدر الاشارة اليه أن الادارة البريطانية عملت على توجيه اشعار الى أهالي بغداد في 26 نيسان 1917 مصدقاً من الحاكم العسكري الجنرال مود، يؤكد على ايصال الرسائل للسكان المدنيين من قبل سعاة للبريد، وليس عن طريق مكتب البريد، واذا رغب أحدهم الاحتفاظ برسائله في مكتب البريد كايداع، فيجب عليه تقديم طلب مكتوب لدائرة البريد لغرض تسليمها.
ومن الجدير بالذكر بأن هذه الخدمات تقدم مجاناً حيث لا يطالب الأهالي بدفع أجور لسعاة البريد، واذا طلب ساعي البريد أجراً مقابل ايصال الرسائل، فيجب عليهم ابلاغ مدير مكتب البريد.
وفي 1 نيسان 1919 نقلت تشكيلات البرق والبريد كافة الى عهدة الادارة البريطانية المدنية والتي تشكلت بعد الاحتلال، وكان موظفوها جميعاً من البريطانيين والهنود، ثم وضعت دائرة البريد في عهدة السكرتير الاداري التجاري في آيار 1919،وفي 11 آيار 1919 تم افتتاح دائرة البريد في محطة السكك الحديدية في جانب الكرخ)، ووضعت أسلاك التلغراف بين بغداد ودير الزور وبوشر بالمراسلات من ذلك التاريخ.
ومن اجل حماية خطوط التلغراف، أصدرت الادارة البريطانية عن طريق وكيل قائد الحملة البريطانية في العراق الجنرال مكمن بياناً في 14 تموز 1919 عرف (ببيان التلغراف) لسنة 1919 حول السفن التي تسير في المياه الداخلية، حيث اوضح البيان عدم جواز ارتفاع السارية للسفينة عن 65 قدماً فوق سطح الماء، وانه يجب تغطية رأس سارية الشراع اذا مرت من تحت أسلاك التلغراف، وفرض البيان عقوبات مادية على كل من تسبب في تلف اسلاك التلغراف أو التليفون أو تشويهها أو قطعها، وشملت العقوبة رئيس السفينة وصاحبها.
ومن البيانات التي أصدرتها الادارة البريطانية والتي تخص تنظيم البريد والبرق، البيان الذي أصدره قائد القوات البريطانية في العراق المرهالدن
(ALMARHALDEN) في 27 نيسان 1920 وأسماه ببيان (تلغراف العراق) لسنة 1920، حيث شمل كل ما يتعلق بالتلغراف من تعريفات والعاملين به، حيث عرف التلغراف ومأمور التلغراف والرسائل المستخدمة فيه وسلك التلغراف وأعمدة التلغراف.
واشتمل البيان على قسم ثانٍ، وهي صلاحيات الحاكم المدني بالنسبة لأقامة وتشغيل التلغراف، فمن هذه الصلاحيات، منح أي شخص رخصة (موافقة) اقامة أو تشغيل أي تلغراف داخل أي جزء من الأراضي المحتلة، أن يضع يده على أي تلغراف عائد لشخص ما ويحجز أي رسالة واردة من والى الشخص أو فريق من الاشخاص، كما له صلاحية افشاء مضمون الرسالة للادارة البريطانية. وتضمن القسم الثالث العقوبات المترتبة على كل من يعمل على تلف اسلاك التلغراف أو مخالفة أوامر وكيل الحاكم الملكي، بعقوبة الغرامة (الف روبية) أو بالحبس مدة لاتتجاوز ثلاث سنوات أو كليهما.
سكك الحديد
عندما احتلت الجيوش البريطانية البصرة، اخذت تطارد بقايا الجيش العثماني المنسحب الى الشمال على طول الطريق المحاذي لنهري دجلة والفرات. وقد أدركت قيادة الجيوش البريطانية أهمية مد خطوط للسكك الحديد، حيث  شرعت بأنشاء خطوط بين البصرة والناصرية، والبصرة والقرنة، والبصرة وجبل سنام، واضعة نصب عينيها الأهمية العسكرية لهذه الخطوط، وقد بلغ طول خطوط السكك الحديد التي أنجزتها قوات الاحتلال البريطانيــة خـلال سنوات الحـرب(125ميلاً).
وبعد توقف العمليات العسكرية، نقلت مسؤولية ادارة السكك الحديد من الادارة العسكرية الى الادارة المدنية في نيسان 1920، حيث بلغ عدد العاملين فيها ما يقارب (24928) عامل، شكل الهنود نسبة (80٪) منهم، أما الأوربيون فشكلوا نسبة (3٪)، فيما بلغ عدد العمال العراقيين حوالي (6250) عاملاً. وقد بلغ طول السكك الحديد (944.76) ميلاً على مختلف المقاييس (المتري– المعياري- والخفيف) لكنها لم تكن بالمستوى الذي يعتمد عليه كثيراً، فقد وضعت أساساً لأغراض الجيش في أثناء العمليات الحربية، كما إن تجهيزاتها كانت مستعملة واغلبها قد سحبت من الخدمة في الهند.
ومن الجدير بالذكر ان الادارة البريطانية في العراق قد عمدت الى اصدار بيان في العشرين من تموز 1919 من قبل وكيل القائد العام لقوات الاحتلال في العراق الجنرال مكمن سمي ببيان السكك الحديد لتنظيم العمل في السكك الحديد والحد من الاخطاء والجرائم التي ترتكب من قبل المامورين في السكك والاشخاص المستخدمين فيها إذ اكد البيان على محاسبة ماموري السكك في الحالات الآتية:
أ. في حالة السكر أثناء الواجب، فيعاقب بغرامة لاتتجاوز(الخمسين روبية).
ب.اذا حاول استغفال المواطنين عن طريق لائحة اسعار نقل المسافرين فيعاقب بغرامة لا تتجاوز (عشرين روبية).
ج‍. اذا عرّض أحد الاشخاص للخطر في أثناء قيامه بواجبه.
د. اذا قطع الطريق على الناس من حيث يجتاز القطار الطريق فيعاقب بغرامة لا تتجاوز (عشرين روبية).
3. النقل النهري والبحري
عمدت الادارة البريطانية من أجل تنظيم السير في الأنهار والعمل في السفن النهرية الى أصدار بيان في 29 تشرين الأول 1919 من القائم بأعمال قائد الجيوش المحتلة الجنرال مكمن، وقد عُرف هذا البيان ببيان (سير السفن الداخلية)،
ثم أصدرت الادارة البريطانية في 18 تشرين الثاني 1919 بياناً تطرقت فيه الى نظام سير السفن في المياه الداخلية ونظام معاينة سفن المياه الداخلية.
وفي 30 تشرين الثاني 1919 صدر بيان تضمن تنظيم الركاب في سفن المياه الداخلية وتنظيم المراكب الاهلية في المياه الداخلية.
وفي 15 كانون الاول 1919 صدر بيان حول نظام شهادات الاهلية (شهادات الكفاءة) والخدمة في المياه الداخلية ونظام حماية السفن الداخلية من النار.
ومن الجدير بالذكر ان ميناء البصرة كان يعاني من الاهمـال الكبير في حقبـة ما قبل الحرب، فلم يكن فيه رصيف للرسو والتحميل، فضلاً عن عدم وجود رافعـات، اذ كان يتم الشحـن والتفريغ بواسطة المراكب الصغيرة.
ويصف لونكريك(S.H. LONGREGG) ادارة الميناء بالبدائية، فالعمليات بطيئة والموظفون مرتشون وأماكن خزن المواد معدومة، إذ كانت المواد تخزن في العراء تحت رحمة الاحوال الجوية المتقلبة. ولم تكن في الميناء سوى ثلاث سقائف، مع رصيف واحد أنشأه الالمان، من أجل سكة حديد بغداد، وبما أن الميناء كان يمثل قاعدة الانطلاق لقوات الاحتلال، فقد بدأت الادارة العسكرية عمليات التوسيع والتطوير فيه، ففي 28تموز1919 اصدر وكيل الحاكم الملكي آرنولد ويلسون بياناً تناول فيه أحكام اصلاح ميناء البصرة، وقد تضمن تحديد سرعة السفن بين البصرة والفاو وكذلك تحديد حجم السفن التي تسير في المياه حيث لا يسمح لأي سفينة ذات دفع ذاتي أكبـر من (40) قـدماً بالسيـر في الميناء.
وفي الخامس من آب 1919 صدر بيان آخر من لدن السير آرنولد ويلسون، تضمن السماح للزوارق المحلية بالسير نحو الخليج العربي، ولم يسمح لعابرات المحيط (اللأهوسارت)  من السير في الخليج إلا بعد الحصول على موافقة السير. واشار البيان الى أن كل زورق غير مجاز سوف يصادر من قبل سلطات الكمارك وأضاف البيان بأنه يمنع تفريغ الحمولة الثقيلة سواء أكانت رمل أم حجراً في البحر أو النهر.
وفي الثامن من تشرين الاول 1919 صدر بيان من وكيل القائد العام لجيوش الاحتلال البريطاني في العراق الجنرال مكمن، حدد علاقات العمل وحجم النشاط بالنسبة للميناء وقد عرف هذا البيان ببيان(ميناء البصرة)، وقد حدد هذا البيان ميناء البصرة من شط العرب في الحد الأعلى لميناء نهـر عمـر الى البحر.
واشار البيان الى مساعدة أصحاب السفن والمواطنين على معرفة ما ينظم العمل داخل الميناء، واوضح البيان أيضاً مواد خاصة بادارة الميناء من مأمور الحكومة وتقسيم ادارة الميناء، ولجنة الاستشارة، واعطى البيان صلاحية لمدير الميناء بالتصرف بما تقتضي مصلحة الميناء من بيع وشراء أو نقل ملكية الأموال المنقولة التي لا تتجاوز قيمتها (5000) روبية.
وأوضح البيان سلطات مدير الميناء وواجباته من رفع دعوى للمطالبة بأموال مستحقة أو لصيانة الأرصفة والاحواض، وقد ألزم البيان ادارة السكك الحديد بأن تنشيء وتبقي وتشغل جميع خطوط السكك الحديد داخل حدود الميناء، ويعين معاون (موظف) لمراقبة النقل بالسكك الحديد داخل الميناء، ويعمل ذلك المعاون بالاتصال مع مأمور الميناء ويكون من مسؤولياته القيام بجميع لوازم الميناء، بالتنسيق مع مدير الميناء وملاحظة النقل المحلي في جميع الظروف.
وتناول البيان قانوناً حول تفريغ البضائع وتحميلها واعداد أماكن لضباط الكمارك المعينين، وحدد البيان أيضاً الضرائب والرسوم التي يجب أخذها نظير الشحن والتفريغ في ميناء البصرة. واشار البيان الى العقوبة المفروضة في حالة وجود تلاعب في الوزن أو في كمية البضائع.
ولتوسيع ميناء البصرة ورسم حدوده بشكل نهائي، أصدر الجنرال مكمن بياناً على ضوء البيان السابق، جاء فيه، إن شط العرب من الحد الأعلى على ما هو عليه بعلامة من حجر في ميناء نهر عمر الى البحر، وان مجرى الفرات الجديد من نقطة فوق جسر كرمة علي الخاص بسكك الحديد ب‍ (1000 ياردة) الى إتصاله بشط العرب، وأشار البيان الى إن ضفتي المجريين السابق ذكرهما والمجاري المتشعبة منها تحدهـا لمسافة تبعد (15 ياردة) من حد المد الأعلى، وبين ضفتي نهر العشار من شط العرب الى جسر دنلي الذي  يبقى خارج الحدود.
السيارات
لقد كان خط المركبات (الترمواي) بين مركز بغداد والكاظمية، عبارة عن عربات تجرها الخيول تسير على سكة حديدية والتي يعود أنشاؤها الى عهد الدولة العثمانية، وعندما جاء البريطانيون الى العراق، بدأت تدخل أنواع من السيارات، وبسبب الحاجة الى من يقودها، أصدرت الادارة البريطانية أعلاناً في 25 شباط 1918 بينت فيها حاجتها الى سائقين للسيـارات، وبراتب شهري يتــراوح بين (45) روبية و (50) روبية بعد أجتياز دورة التدريب.
وبعد ذلك أصدرت سلطات الاحتلال بياناً في 22 تموز 1920 من قبل الجنرال المرهالدن قائد القوات البريطانية في العراق سمي (بيان السيارات) من اجل تنظيم سير السيارات بشكل صحيح ودقيق وعدم حصول اضطرابات مرورية في العراق. فقد اكد البيان على وجوب حصول سائق أي مركبة على شهادة (رخصة قيادة) من مامور التسجيل (موظف التسجيل)، تثبت فيها أهليته لقيادة السيارة.
واشار البيان الى أنواع رخص (اجازات) القيادة:
أ‌. رخصة قيادة دراجة بخارية (موتور سيكل)، ورسمها خمس روبيات.
ب‌. رخصة قيادة دراجة بخارية بعربة في جانبه، ورسمها عشر روبيات.
ج‍. رخصة قيادة سيارة بخارية (موتور لري) ورسمها عشر روبيات.
وحدد البيان أعمار الذين يحق لهم الحصول على رخصة قيادة. فبالنسبة للنوع الاول لاتمنح لمن عمره أقل من أربع عشرة سنة. أما النوع الثاني فلا تمنح لمن عمره يقل عن سبع عشرة سنة. أما النوع الثالث فلا تمنح لمن عمرهم يقل عن (20) سنة.
واشار البيان إلى انه يحق للحاكم السياسي أن يوقف (اجازة السوق) أو يلغيها عند ثبوت اهمال السائق ورعونته، وبأمكان الحاكم السياسي ايضاً أن يضع السائق تحت طائلة قانون العقوبات البغدادي (أي محاكمته وحبسه)، وهناك غرامات مالية تفرض على السائقين المخالفين لاتتجاوز (20) روبية.
ومن جانب آخر أكد البيان على ان جميع شهادات التسجيل يجب أن تجدد عند انتهاء المدة المحددة لها، وإلا تعرض صاحب المركبة إلى إلغاء إجازة السوق أو للغرامة، أما اذا بيعت السيارة إلى شخص آخر فعلى المالك الجديد أن يُعلم مأمور التسجيل بأنتقال الملكية، وعند ذلك يتم تحويل الملكية في سجلات مأمور التسجيل إلى المالك الجديد بعد دفع رسوم قيمتها روبية واحدة.كما ألزم البيان أصحاب السيارات، وضع أرقام وحروف بارزه على تلك الانوع الثلاثة، منقوشة بأحرف وأعداد عربية واجنبية باللون الابيض على أرضية سوداء، وأوجب البيان أن تكون للسيارات مصابيح تقوم بإضاءتها بعد غروب الشمس بنصف ساعة.


  عن رسالة (بيانات واعلانات الادارة البريطانية)