مجلس الدفتري وطرائف الحياة الادبية والسياسية في العراق الملكي

مجلس الدفتري وطرائف الحياة الادبية والسياسية في العراق الملكي

مير بصري
الأسرة الدفترية من  اسر بغداد القديمة. قال ابراهيم فصيح الحيدري في كتابه"عنوان المجد" الذي الفه سنة 1869:"ومن البيوت القديمة الرفيعة بيت خليل افندي الدفتري ، وهو بيت عزّ. وكان الافندي المشار اليه من اكابر الرجال الذي لم تزل  رجال بغداد تجتمع في مجلسه.

 وبقي منهم نجله الاديب ابراهيم حلمي افندي، وهو على سيرة ابيه".ورأس هذه الاسرة خليل افندي بن اسماعيل اغا بن طاهر افندي تولى منصب متصرف بغداد، ثم نصبه الوالي داود باشا متسلماً (وَيُوُدَة) لماردين سنة 1823. وعاد الى بغداد بعد امد وجيز فكان دفتردار الولاية على عهد الواليين داود باشا وعلي رضا باشا. وكان له مجلس يحضره ارباب الوجاهة. ذكره ابو الثناء المفتي الالوسي في مقاماته ونعته بـ"نخبة الاخيار وفذلكةالاجلة الكبار خليل افندي الدفتردار". وادركته الوفاة سنة 1837.
 ان بغداد التي انجبت في الزمن القديم فضولي وفضلي وعهدي ونظمي وسواهم من ائمة الادب التركي لم تعدم، في اوانها الاخير، اديباً المعياً عارفاً بالآداب العثمانية القديمة، ملماً باخبارها واسرارها، شهد له بذلك ادباء الترك انفسهم مثل سليمان نظيف ورضا توفيق وفؤاد كوبرلو وغيرهم ممن عرف مواهبه ومزاياه وقدره حق قدره.
هذا الاديب التركي القديم في بغداد الحديثة هو محمود صبحي الدفتري الرجل النبيل، ذو المواهب المتعددة والاداب الرفيعة.
ومحمود صبحي ينتمي الى اسرة بغدادية عريقة ارتبطت ببلدية بغداد باوثق رباط، فقد كان جدّ ابيه ابراهيم الدفتري اول رئيس للبلدية يوم انشأها الوالي المصلح مدحت باشا سنة 1869. ثم تسنم هذا المنصب بعد ذلك جده اسماعيل وخاله رفعت الجادرجي وابن خاله رؤوف الجادرجي في العهد التركي، وتولاه ابوه فؤاد الدفتري بعنوان:"محافظ بغداد"، ثم نهض به هو نفسه مرتين باسم"امين العاصمة".
ولد محمود صبحي بن فؤاد بن اسماعيل بن ابراهيم بن خليل الدفتري في بغداد في 14 كانون الاول 1889 ونشأ نشأة ابناء الاشراف في ذلك العهد. ورافق اباه الى الديوانية حيث كان نائب المدعي العام (1894) فكربلاء (1898) الى سنة 1903. وتخرج محمود صبحي في المدرسة الاعدادية فعين كاتباً في دائرة ولاية بغداد وألحق بسكرتيرية ناظم باشا رئيس الهيئة الاصلاحية ووكيل الوالي (1907). وانتمى الى مدرسة الحقوق عند افتتاحها (اب 1908) فنال اجازتها سنة 1912.
شغف بالادب التركي والتاريخ العثماني منذ حداثته، فلما عين سنة 1913 مدرساً للادب في المدرسة السلطانية في بغداد، اتيحت له الفرصة للتوسع في هذا المجال واشراب طلابه حب هذا الادب الذي كان العراق موطناً من مواطن نشوئه وازدهاره، وكانت اللغة العربية، الى جانب اللغة الفارسية، مصدراً من مصادره. وجاء الى بغداد الوالي الاديب سليمان نظيف بك (كانون الثاني 1915)، فاتصل به مترجمنا ولازمه ملازمة الاديب للاديب وكانت تلك الصلة فاتحة نشاطه الادبي في عاصمة الدولة العثمانية حينما هيئت له زيارتها بعد سنتين.
واحتل الانكليز بغداد في اذار 1917 فانسحب موظفو الولاية من الاتراك عشيّة يوم الاحتلال بقطار سامراء، وهو القطار الذي انشأه الالمان جزءاً من سكة حديد برلين – البصرة.
وكان فؤاد الدفتري النائب في مجلس النواب التركي موجوداً في بغداد، فالتحق بموظفي الدولة ورافقه ابنه محمود صبحي فمضيا الى الاستانة عن طريق الموصل.
قضى محمود صبحي في قاعدة الدولة والخلافة في هذه الحقبة سنتين كانتا من أحفل ايام حياته وأزخرها بالذكريات الأدبية: فقد كان يعرف من اسرار التركية وادابها وتاريخ آل عثمان ووقائعهم ورسوم بلاطهم و سلاطينهم وأحوال"فروق"عاصمة دولتهم، كان يعرف من كل ذلك، وهو الفتى البغدادي االذي لم يزر الاستانة من قبل، اكثر مما يخطر ببال معظم  أبنائها. وقد فتحت له في ربوعها آفاق رحبة. فسرعان ما جدد العهد بسليمان نظيف بك وسائر رجال الترك الذين عرفهم من قبل في مسقط رأسه، وسرعان ما تعرف باساطين الثقافة والأدب، وفي مقدمتهم عبد الحق حامد، أعظم شعراء الترك المعاصرين بلا منازع، والدكتور رضا توفيق الطيب الشاعر الفيلسوف، وفائق عالي الشاعر أخو سليمان نظيف،والشاعرة المتحررة نيكار هانم عثمان (1871 – 1918)، وغيرهم.
شارك محمود صبحي في الحياة الأدبية التركية، وقد كانت حياة محمومة في ظل غمامة الحرب الكئيبة، فحضر مجالس الأدب وندوات أرباب الوجاهة والثقافة، وكتب في الصحف التركية دفاعاً عن العرب رداً على التخرصات والتعريضات،وساهم في رثاء احرار الأمة كسليمان نسيب بك الذي كان في حين ما مديراً لمعارف بغداد. وكانت صلته وثيقة برجال العرب النازلين في دار الخلافة ولا سيما العراقين كفهمي المدرس ومعروف الرصافي … وكان يعد في ذلك العهد من أرسخ الشباب قدماً في الأداب التركية من عاشق باشا وسنان باشا وفضولي وباقي ونفعي ونابي الى شناسي والمعلم ناجي ونامق كمال، وأعرفهم بالشعر ولغة الدواوين المنمقة والديباجة المزخرفة القديمة، تلك الديباجة التي قضى عليها كمال أتاتورك حين أوعز بتبسيط اللغة واصطناع الحروف اللاتينية.
وقد توثقت صلة الدفتري بالشاعر الأعظم عبد الحق حامد حتى أصبح كاتب وحيه، ولا غرو، فالشاعر أشبه ما يكون
بالنبي، وقد قال توماس كارليل في"أبطاله":"يحمل النبي الى البشر رسالة الواجبات، أما الشاعر فيحمل لهم رسالة الجمال.
ذلك قراٌ السر العظيم فانار للعالم طريق الناموس، وهذا قراه فانار للعالم طريق المحبة!". وقال عبد الحق حامد في بعض قصائده:
"وأنا ماذا دهاني؟. ألست شاعراً، فلم لم يأتني الوحي ولم يهبط علي الالهام؟".
حدثنا محمود صبحي الدفتري أنه زار عبد الحق حامد في منزله في بعض الايام،وكانت زوج الشاعر الفرنسية الثالثة جالسة.كانت الحرب قائمة على قدم وساق، وقد أضرت بالناس وأرهقتهم في معايشهم، فتحرست الفرنسية الشابة وقالت:"ليتني عشت في عصر لويس الخامس عشر"!. تقصد عصر مدام دي بومباردور وسيدات البلاط وعهد البذخ والترف والأناقة. فاهتز الشاعر الشيخ على كرسيه المتحرك وأغمض جفنيه اغماضة الحالم وقال:
"ليتني أدركت عصر الرسول الأعظم ففزت بالسعادة وكنت من الصحابة"!.
وقال محمود صبحي على الفور:"لقد كتبت لنا السعادة وكنا من الصحابة"!. يشير من طرف خفي الى قول الشاعر. فتملكت عبد الحق النشوة وتأرجح على كرسيه وكرر كلمة حوارية البغدادي مراراً، وهو يشفعها كل مرة بعبارة: استغفر الله، استغفر الله!.
وضعت الحرب أوزارها واحتل الحلفاء عاصمة آل عثمان ورابطت جيوشهم على ضفاف البوسفور، فعاد محمود صبحي مع أبيه الى بغداد سنة 1919. ولم يلبثا ان رايا عاصمة العراق تعج  بالفورة الوطنية، فالناس متلهفة الى الحرية والاستقلال، والنفوس هائجة مائجة كما لم تهج ولم تمج منذ عهد هولاكو وشراذم المغول، والكهول والشباب المثقف كلهم مأخوذون بالحماسة اللاهبة لا يقر لهم قرار. ودخل فؤاد الدفتري وابنه محمود وقريبه رفعت الجادرجي في المعمعان، فقبضت عليهم السلطات العسكرية في 28 آب 1920 وزجتهم في السجن ثم أشخصتهم الى الآستانة عن طريق الهند. ولبثوا هناك سنة وبعض السنة، حتى سمح لهم بالعودة بعد اعتلاء الملك فيصل عرش العراق، فآبوا الى بغداد في 7كانون الأول 1921.
جدد محمود صبحي صلته بأصدقائه من رجال الفضل والأدب في العاصمة التركية  في اقامته الثانية بها. وعاد الى بغداد، فعين مشاوراً حقوقياً لأمانة العاصمة (13 آذار 1923). وانتخب نائباً عن لواء الدليم في المجلس النيابي الاول (تموز 1925)، ثم ناب عن ديالى في المجلس الثاني (ايار1928).
 وعين اميناً للعاصمة في 8 نيسان 1930 واستمر في منصبه الى 5 ايلول 1931.ثم عهدت اليه رئاسة كلية الحقوق (تشرين الثاني 1931)، غير انه اثر الاستقالة. وعاد الى الوظيفة مديراً عاماً للطابو (28 كانون الاول 1932) فاميناً للعاصمة للمرة الثانية (26 تشرين الاول 1933) فمدير البلديات العام (تشرين الثاني 1936)، وقد استقال في كانون الثاني 1937.
وعين عضواً بمجلس الاعيان (17 تشرين الاول 1937). واصبح وزيراً للعدلية في الوزارة السعيدية الثالثة (25 كانون الاول 1938). واحتفظ بمنصبه في الوزارة السعيدية الرابعة (6 نيسان 1939) الى 18 شباط 1940. ثم اشترك في الوزارة السعيدية الثامنة وزيراً للخارجية (25 كانون الاول 1943 – 3حزيران 1944).
وكان له في مجلس الاعيان الذي استمر عضواً فيه الى 17 تشرين الاول 1945 مواقف وخطب، ابرزها معارضته لتعديل القانون الاساسي في حزيران 1943 مستنداً الى ظروف الحرب وتقييد حرية الاجتماع والكلام.
على أثر وفاة الدفتري كتبت إلي ابنته السيدة لميس زوجة خيري العمري في رسالة لها مؤرخة 18 حزيران 1980 تقول:
"… لقد عاش والدي تسعين عاماً ناقصاً 7 أيام: فقد ولد في بغداد في 14 كانون الأول 1889 وتوفي في 7 كانون الأول 1979. وبقى الى آخر يوم من حياته قوى الملاحظة، سريع النكتة، راوياً للشعر. ولا أنسى انني سالته قبل وفاته بأيام معدودة عن الشعر الذي نظمه بحقه الشاعر التركي  المعروف رضا توفيق، وكنت أعتقد أنه سيذكر لي أبياتاً قليلة منه، واذا به ينبري وهو في فراشه بانشاد ما يقرب من العشرين بيتاً.
  "لقد رحل جميع اصدقائه قبله وعاش سنواته الاخيرة يعيد (ذكرياته) عنهم ويتسلى بها. ولم ينس ولا واحداً منهم، وكنت انت احدهم.
"في مساء ليلة وفاته عقب العملية الجراحية التي اجريـت له كان يبدو بصحة جيدة، وعاده الدكتور هادي السباك الجراح الذي اجرى العملية، فقال له والدي: اتمنى ان تكون الصديق الدائم المستديم، واتمنى الا اشفى حتى تزورني يومياً، لانني لو شفيت فستكف عن زيارتي.
"وقبلها بيومين كلم ابنتي صبوح بالتلفون وقال لها مشجعاً: إنني بحالة جيدة، وبعد ايام قليلة ساخرج من المستشفى واشترى  مجلس الجمعة.
لا يكون الكلام في سيرة محمود صبحي الدفتري كاملاً دون الاشارة الى"صالون الجمعة"ذلك المجلس الذي ورثه عن ابائه واجداده واستمر يعقده في داره صباح كل جمعة اكثر من اربعين سنة، فتحضره الاجيال المتعاقبة من رجال الوجاهة والفضل والعلم والادب والسياسة والكياسة. ان هذا المجلس ليمثل خير ما كان ماثوراً عن بغداد القديمة وبيوتها الكريمة ورجالها اولي الرزانة والوقار.
 ومجالـس الجمعة كثيرة،  لكن مجلـس  الجمعة اذا ذكــر مجرداً عن النعت او القرينة في بغداد لم يخطئ السامع انه مجلس الدفتري، ذلك المجلس العامر الذي يكثر قصاده ويختلف رواده: منهم المبكر والمضحّي، والمكثر والمقل، يؤلفون في جوانبه وابهائه الحلقات، ويتجاذبون اطراف الحديث في شتى المواضيع، من تاريخ واجتماع وعلم وادب وشعر وفكاهة، بينما يطوف عليهم الخدم بالقهوة والشاي والمرطبات حسب المواسم.
اما رب الدار فمثال اللطف والحنكة والبشاشة، يفيئ على مجلسه ظلاً من روحه وارفاً، ويغمر ضيوفه برقته وفضله. يتنقل بين صفوفهم، فيخاطب هذا ويداعب ذاك، وياخذ بمجامع البابهم حين يروي لهم طرفة من ذكرياته او يتلو عليهم تحفة ادبية رائعة من مختارات ذوقه السليم. وإذا كان"الاستقبال"فناً لا يحذقه الا من كان فيه طبع لا تطبع، فان مضيافنا الكريم قد حازه سليقةً واتقنه خليقة وابدع فيه ما شاء له الابداع.
وللوطنية في هذا المجلس دولة، وللادب فيه صولة وجولة، فاحاديثهما تغلب على سائر الاحاديث ومواضيعهما.
تمتاز بالطرافة الطلاوة. ولكم اتيح لهذه الندوة ان تستمع الى احاديث، منها ما يفور حماسة وما يتدفق بلاغة، ومنها ما يلذع سخرية وتهمكاً وما يتروق حكمة ووقاراً!. ولقد تقرقر"النارجيلة" في طرف من اطراف البهو الكبير، فيؤلف  صوتها ايقاعاً راتباً على وتيرته حديث المتكلمين.
لقد انفرد هذا المجلس البهيّ بميزة اختص بها: فقد ابيحت حرمه لقطط اصيلة، فسرحت في"مدينة الضيوف"ومرحت مثلما فعلت اخوات لها في"مدينة الكتب"التي حدثنا عنها اناتول فرانس في قصة بطله الخالد"سلفستر بونار". واية قطط هذه القطط العزيزة؟

قطط لاحت (امر عجب!)
ولهـا راس ولهـا ذنب
ولهــا فهم ولهـا ادب
ولها حسـب ولهـا نسب
تغدو وتروح على المهل
ليـس تدري  ماذا الارب
وتداعب ضيفاً فـي غنج
فيحــار اجـد ام لعب؟
فوقـار جاء بلا كلــف
ودلال بـان و لاســب
واذا ملـت مرحا وعنـا
طلبت مثوى فيـه رحـب
ومضت تغفو لا يوقضها  صـوت او يقلقهـا طرب
اترى كسـل قد ابعدهـا
حقـا ام اعياهـا التعب؟
علمت عن حدس او فطن
ان واتاهــا حظ عجـب
فغدت بالقسمة راضيـة،
لاتنغص عيشتها الكرب.
المصالحة الادبية
شجرت نفرة بين الشاعرين جميل صدقي الزهاوي ومعروف الرصافي فدعاهما محمود صبحي الدفتري الى حفلة عشاء في داره ودعا معهما نخبة من رجال البلد وادبائه، وذلك في 8 كانون الاول 1928. وكان ذلك حدثاً ادبياً من احداث بغداد القى فيه الزهاوي قصيدة قال فيها:
جمـع الاديـب الـحر صبحـي شملنـا
فـي داره، اكـرم بـها من دار!
لـو لــم تكـن لـي لحيـة وسـدارة
لحسبتنـي طيـراً مـن اللاطيار
اما الرصافي فألقى قصيدة عنوانها"غادة الانتداب"، وهي قصيدة سياسية جريئة وجم لها الحاضرون الذين جاؤوا للاستمتاع بمحفل ادبي وليس لمناقشة السياسة في تلك الظروف العصبية. قال الرصافي:
دع مـزعـج اللـوم وخـل العتـاب
واســمـع الى الامر العجيب العجــاب
وعرض بدار الاعتماد في جانب الكرخ ونعتها بالنعوت الشنيعة وشبه الحكومة بفتاة موقرة بالحلى، مبرقعة بالنقاب، مخضوبة الكفين، تمشي مشية الدل والخيلاء وتخلب الناس بوضعها المنكر…
قـال جليسـي يـوم مـرت بنا:
مـن هـذه الغـادة ذات الحجـاب؟
قلـت لــه: تلـك لاوطـاننـا
حكـومـة جـاد بهـا الانتــداب
   اخبرني مصطفى علي انه كان مع نفر من اصدقاء الرصافي ومريديه ينتظرونه في داره.
فلما عاد من حفلة الدفتري وقص عليهم ما جرى، سالوه ان يقرأ لهم قصيدته، فقراها، وساد الجمع الوجوم، فلم ينطقوا ببنت شفة.
***
كان مجلس الجمعة يعج برجال السياسة والادارة
والادب، وكان صاحبه محمود صبحي الدفتري لا يحب ان
تحتدم فيه المجادلات السياسية لان زواره ينتمون الى الاحزاب والفئات المختلفة، فلا يريد ان يكون"صالونه"محل مناقشة وعراك. فاذا جرى البحث في المواضيع العامة وتطرق
الحاضرون الى الشؤون السياسية، اسرع فشرع يقص قصة ممتعة من ذكريات استانبول، او قرأ شعراً تركياً قديماً يفسره ويحلله، او شغل المجلس بقططه واخبارها الطريفة. وفي ذات مرة رأى لجاجاً من احدهم في المناقشة، فلم يكن منه الا ان صاح: أين فرج؟ابحثوا عن فرج!… واستدعى خدمه وصرخ بهم، والحاضرون يتسألون من هو فرج وما شأنه؟. ولم تمض لحظات حتى دخل عوني يتقدمه هرّ كبير يسير متمهلاً، وكانه قائد منصور يلقي على الجمع نظرات متعالية.
وضحك الحاضرون ونسوا المناقشة السياسية. وقال احد شيوخ العشائر بلهجته البدوية: أهذا فرج؟. ظننت انه مدير ناحية…
وقد رأينا ابراهيم صالح شكر يلازم مجلس الدفتري ويتصدر حلقة الادب في احد جوانبه، مطرق الراس، قليل الكلام. اما احمد حامد الصراف فكان يصول ويجول، يرتل الشعر ويروي النوادر واللطائف ويمزج العربية بالتركية والفارسية ويرطن بالانكليزية والفرنسية. وقد حضر صاحب المجلس حلقتنا في احد الايام واخذ يحدثنا حديثاً طويلاً والصراف لا يستطيع السكوت فيقاطع كلامه مرة بعد اخرى.
   قال الدفتري: يا احمد، اعرني سمعــك دقـائق معدودات
ولا تقاطعني ثم تكلم كما تشاء. وسكت الصراف وتدفق الدفتري كالسيل الجارف، حتى اذا ما فرغ من حديثه قام منصرفاً الى حلقة اخرى وقال: تكلم الان، يا احمد، كما تريد.
ودعا الدفتري صديقه الدكتور رضا توفيق الاديب الوزير التركي الى زيارة بغداد سنة 1940، فلبث قي ضيافة الحكومة العراقية اشهراً. وكان رضا توفيق، كالدفتري والصراف، مولعاً بكثرة الكلام لا ينقطع سيل حديثه حتى ضاق به جلساؤه ذرعاً وطووا عنه كشحاً، الا نفر مثلنا من الشباب ظلوا يزورونه ويصغون اليه باعجاب واحترام، وهو يتحدث بلغات شتى وعن مواضيع مختلفة من الادب والموسيقى والتاريخ الى الطب والسياسة والاثار.

  عن كتاب (اعلام التركمان في العراق الحديث)