نساء في حياة الملا عبود

نساء في حياة الملا عبود

حين اردت الكتابة عن الحياة  العاطفية لأمير الشعر الشعبي في العراق الملا عبود الكرخي وجدت حرجا كبيرا  فالكتابة عن هذا الموضوع تفتقر إلى المراجع والمعلومات الموثقة لاسيما وان  شاعرنا امضي فترة شبابه وجزءاً من كهولته في العهد العثماني،  وكثير من إخبار تلك الفترة مجهول لدينا، فليس لنا إلا أن نرجع إلى أوراقه ومخلفاته الادبية، ووثائقه الرسمية،

 علّنا نجد فيها ما يسهل مهمتنا، فشعرنا عن ساعد الجد وبدأنا ندقق ونمحص ونراجع الأوراق. وهو عمل شاق – كما تعلمون-. ولكننا من حسن الحظ توصلنا الى ما يغطي بعض الجوانب لا كلها، ورتبناها بحسب تسلسلها الزمني، متجنبين – قدر الإمكان – ذكر الأسماء، فكانت هذه الحصيلة.

عذية.. أول حب!
تعلق قلب شاعرنا المرهف في صدر شبابه بفتاة اسمها (عذية) بمعنى طيبة وهي من الفصيح.
(عذية) كانت تسكن محلة (سوق الجديد) من كرخ بغداد، منافسه في حبها شاب من أبناء محلتها، اسمه صالح، فشاع خبر هذا الحب بين الناس، فاضطر اهل الفتاة الى هجر المحلة. والانتقال الى مدينة الهندية (طويريج) دفعا للمشاكل، فلما علم شاعرنا المتيم بذلك. اشتعل قلبه بنار الحب ومرارة الفراق، ولم يجد وسيلة للتنفيس عن ألمه غير الشعر ينظمه، ويتسلى به. ومنه هذه القصيدة التي تسيل رقة وعذوبة: - مع السلام وابرشد هالنيه.

يكلون حبي ساكن (الهندية)
ومنها:
ادعو بالقرآن والفرد الصمد بكل صباح وكل مسه ليلية بكذب الإخبار حتى استريح من فراكه امطبر بجبدي، طريح ومثل طارش بالخلة وزادي شحيح عالسراب اركض عبالي اميه، شوف همي، قط ما ينكس يزيد وعادة ينكص لان حبي بعيد تهيج ناري من امر (سوك الجديد) والمشرف بين الترف كاسر فيه الغي: الظل والجمع افياء الشرف. المحب للنظافة.
وبنفس الوقت عرج على منافسه (صالح) والهبه بسياط نقده، بقصيدة طويلة تقع في (71 بيتا). افرغ فيها كل غضبه وحتفه، لتسبيه في ابتعاد حبيبته عنه، وحرمانه منها، هذه الخريدة تعتبر من الكواكب اللامعة في سماء الادب الشعبي، نكتفي بذكر مطلعها، لانها تدخل في باب الشعر الصريح المكشوف.
يا (صويلح) هذي اعمالك تره بيها طيحة حظ واكلان الـ..
وبعد فشله في هذا الحب. ظل فترة من الزمن كسير الفؤاد، مضربا عن الزواج وكلنه بتأثير من والده واهله، تزوج عام 1897م قريبة له هي (ب.ح)، فهدأ واستقر، واهدته ثلاثة اولاد وبنتا واحدة. فرت بهم عينه، وهم نجم (1898 – 1964)، حاتم (1900 – 1974)، نايف (1905-1956)، مضوة (1906 – 1985).

أرمل لمدة عامين
وبعد تسع سنوات من هذا الزواج الميمون، رحلت ام أولاده الى رحاب الله، فتكفلت اخته الكبرى بتربية طلفته وابنائه الصغار.
ظل ارملا قرابة عامين، وفي عام 1908 تعلق قلبه بفتاة اسمها (م) من اسرة كرخية معروفة، فخطبها لنفسه، وعقد عليها، وبعد دفع مهرها المعجل، وتحديد موعد للزفاف، وبعد مرور شهرين انهمك خلالهما في تهيئة بين الزوجية، قرر والدها فجأة وبتأثير من زوجته فسخ العقد، منكرا حتى استلام مبلغ الصداق المعجل، وتم الفسخ فعلا عن طريق المحاكم، فاستشاط شاعرنا غيظا وثارت ثائرته، وعاد الى الشعر ثانية يستنطقه، ويبثه شكواه، واذا بقصيدة عصماء تقع في (81) بيتا، تجري على لسانه، ذهبت مهب الامثال بحيث تحدث بمطلعها اهل بغداد طويلا، اولها.
شفت حرمة انملجت وكالت، نعم ومن بعد شهرين يأخذها الندم؟ ليش هذا شان ناس اليدعون بالنجابة والشرف يتطاولون؟
ومنها:-

(الحك) ليش اذكرته يابومه وجلف؟
تخاف من مرتك مترضه تعترف ما تخاف اني اسوكك عالحلف الله بالمرصاد يظهر ما انكتم خمسماية ذهب، مرتك قبضته و(شذرة) خدامتنه هي الشالتن بحبر مشدوده كلت راسي انهدم صدك لو كالوا بمرته اتعلمه يكله للقاضي: (بنيتي نادمة) طيط كرش حو، يأمل العمة جابها والناس نوة واحتزم.

العزاب اشتكوا
ثم عاد شاعرنا المعذب ارملا اعزبا بعد فشله في حبه الاول، واخفاقه في مشروع زواجه الثاني، فعانى ما عانى، والمكابدة قاتله، ولكنه لم يشأ ان تمر فترة قاسية كهذه دون تسجيل، فجادت قريحته المسعفة بملحمة رائعة، حفظها عن ظهر قلب الكثيرون من البغداديين من معاصريه، ومازالت تجري على السنة الناس من محبي شعره في مجالسهم ومنتدياتهم الخاصة، فقد عالجت محنة الارامل والعزاب، كحالة اجتماعية قائمة، معالجة الطبيب النطاسي الذي يحسن تشخيص الداء ووصف الدواء وقد نشرت في مجموعة الادب المكشوف دون اذن منا في الستينات، تكتفي بذكر الصدر الاول من بيت المستهل: (ارمل صرت ياجاويد دفعية).

الليرة الذهبية
وفي عام 1911، والعهد العثماني مازال قائما، خطبت له أخته المتزوجة في كربلاء فتاة وصفتها له بأنها مقبولة الشكل، تدعى (ز.ج.ج) من كسنة محلة (باب الطاق) بكربلاء، دون يراها مسبقا، فرؤية الفتاة كانت محرمة على الرجل، وكل عقود الزواج كانت تتم عن طريق الخطبة، والمحظوظ من تكون من نصيبه زوجة جميلة صالحة، وحين زفت اليه فوجئ بمرآها، واحسن بحكم رهافته كشاعر وكمفكر، بان شيئا في سيمائها لا يرتاح له، فعمل بالمثل الشعبي (احسن ماتكول الها كش، اكسر رجلها)، وطلقها قبل الدخول بها، ومن الطريف ان صداقها المؤجل كان (11) ليرة ذهبية، يدفع لها غب مرور اثني عشر عاما، وحين انقضت المدة وفوقها سنتان، وتحول الحكم من العثمانيين الى المحتلين الانكليز اقامت مطلقته الدعوى عليه، فحكم لها القاضي المرحوم محمد جواد محفوظ والزم المدعي عليه بالتأدية مع تحميله المصاريف وهي:
انه     روبية
12      خط الإعلام
8     2 التبليغ
8     2 الطوابع
12     8 المجموع
وقد حولت الليرات الى الروبيات، فكانت بموجب قرار الحكم تعادل (ماية وثمان وعشرين روبية وتسع انات) لصدور الحكم عام 1926 وكانت العملة الهندية المتداولة التي ادخلها الاحتلال الانكليزي إلى العراق ماتزال موجودة، فالعملة العراقية التي صدر قانونها عام 1931 لم تطرح فعليا الا في عام 1932. ان شاعرنا كان محقا في تطليقها. وانه لم يكن كما قد يتبادر الى اذهان القراء متعسفا. الم تكن كافية لمحو ما كانت تضمر له في قلبها من حقد وموجدة ورغبة في الانتقام؟
هذا هو – اذا – زوجاه الثاني الفاشل وسيأتيكم خبر زواجه الثالث الفاشل ايضا في موقعه الزمني.
ففي عام 1912 يوم كان يهيء ويحضر لزراعة أراضيه (شطيطان والسليمية) الواقعة بين اليوسفية والمحمودية الواقعة بين اليوسفية والمحمودية، سكن المحمودية ليكون قريبا من اراضيه، وحين طاب له المقام فيها، تناسب مع عشيرة (الجميلة) الزبيدية التي تسكن الدليم، فقد كان شعاره (عرب وليدك عربه، والنار من مجباسها)، وعملا بهذا المبدأ تزوج (شمسة ابنة محيل بن ضاحي) التي يرجع اهلها الى رؤوس تلك العشيرة، الساكن فخذ منها في المحمودية، وكان عمرها انذاك اربعة عشر عاما برواية ولدها العم مزهر. وكانت كما وصفها شقراء، على جانب عظيم من الحسن والجمال، والبساطة، وقد احبها شاعرنا حبما جما واخلص لها الود. وهي التي قال عن لسانها هذا (الدارمي) البديع الذي سار مسار الامثال وتغنت به النساء، وردده الرجال:
جيت اشجر التنور والوردة طاحت هدني يبعد جلاي، حسس (تاضي) ضاحت

ثالث زواج
أما زواجه الثالث الفاشل، فقد تم بعد عودته وأهله إلى بغداد، اثر انتزاع أراضيه من يديه بتحريض من اعوان الانكليز المحتلين بعد ثورة العشرين، بسبب القصائد النارية التي كان يلقيها في تأجيج ضرام الثورة ضد الاحتلال.
ففي عام 1923 اقترن  بـ (ز ع) وهي من سكنة محلة العاقولية ببغداد ويظهر انه لم ينسجم معها، لاسباب قد يكون من بينها وفاؤه وحبه لزوجته الراحلة التي لم ينسها يوما واحدا، وما هي الا ايام حتى طلقها، وظل أعزب. وفي عام 1926 نزل عند رغبة اهله واصدقائه وشدة الحاحهم عليه، فتزوج بفتاة من اسرة كرخية كريمة لها وشيجة بآل الصفار (ابراهيم وصميم) رحمهما الله، الساكنين في محلة الجعيفر وكتب له ان يرتاح بقية عمره، فكانت نعم الزوجة المخلصة، شاركته السراء والضراء، فاحبها كثيراً، وسلا في كنفها مجمل معاناته السابقة، وكانت بحق مسك الختام، وانه ذكرها بقصيدة عاطفية ضمها الجزء الثاني من ديوانه، اولها:
العين عين الريم بالبرية
ونور يسطع من وجه (نورية)
وعين حاسدها عساها بالعمة
بدمها معجونة، حنطاوي جمه
خدها ياناس، حنطاوية
وقد انجبت له ولدا واحدا هو العم طارق (سنة 1928) وبنتين الاولى (عام 1932) والثانية (1935).
هذه باختصار بعض الجوانب العاطفية والحياة الاسرية المعروفة لدينا عن الشاعر الكرخي، وهناك – كما قلنا انفا – فترة الشباب التي نجهلها، لعدم توفر المعلومات الاكيدة الموثقة بالشعر والورق والرواية الصحيحة.


عن كتاب (مجالس الادب في بغداد)
للكاتب حسين الكرخي