اسرار عراقية في حديث مع  عبد الرزاق الهلالي

اسرار عراقية في حديث مع عبد الرزاق الهلالي

ابراهيم القيسي

صحفي عراقي راحل
في منتصف الأربعينيات، وعلى وجه التحديد في عام 1945 لفت نظر المثقفين والذين شغفوا أو تعودوا على اقتناء الكتب الرصينة، ومطالعة الصحف والمجلات المحلية والعربية الكبرى، اسم أهل جديد في عالم المقروءات ذات المستوى الادبي والعلمي المرموق، وبتوالي الأيام والأعوام، ازداد هذا الاسم بريقا ولمعانا حتى صار يخطف إبصار المتأدبين، ويبهر بصيرة الأدباء وينزل صدور مجالسهم وميادين تسامرهم وتذاكرهم، منزلة الإطراء والإعجاب والثناء،

  وصارت للاديب الكاتب (عبد الرزاق الهلالي) حصة من مناقشاتهم ومحاوراتهم، لما أثاره في الوسط الأدبي، ونثره ونشره من أفكار صائبة ومعالجات جريئة ومطالعات صريحة، تؤكد متانة القلم اليافع الذي يتحرك بين أنامله الرشيقة، ابرع مما تتحرك به وأثار العود بين اصابع الفنان المطبوع المتمكن.

قرأنه له في مجال المقال والبحث والدراسة اشياء غير مطروقة، حول اقليمية الادب، ايهما انفع للبلاد، اوقات الدراسة، ام اوقات الفراغ؟. الطربوش في التاريخ، المشكلات الاقتصادية في الشعر العامي، بلاد الاكو والماكو، العادات العشائرية وأثرها في الاقتصاد الريفي، التخيل وأثرها في الهجرة، كلام الحسجة في الفرات الأوسط، تقويم السنين والشهرة في مجرى التاريخ، ام كلثوم بين الشبيبي الكبير وابي كلثوم الوفدي، طاغور وزكي مبارك والثعالبي في بغداد (ثلاثة مقالات مستقلة).
الزهاوي والمرأة، الزهاوي في مجلسي المبعوثان العثماني والأعيان العراقي، حقائق وطرائف عن تاريخ التعليم في العراق.
وثيقة تاريخية حول سياسة العراق الداخلية بين الملك فيصل الأول وناجي السويدي (آفاق عربية) رسائل تاريخية بين الكرملي والشبيبي، والبصير والشيخ علي الشرقي، علاقة محمد كرد علي بالأدباء العراقيين ظاهرة الارتجال عند الكاظمي.. الخ.
وهناك عشرات التراجم والدراسات مما لا يتسع المجال للإشارة إليها، وقد أغناها الأستاذ الباحث طارق الخالصي عن التقصي والتفتيش والمراجعة، حين أحصى كتابات الهلالي فإذا هي تتجاوز المئتين، أصبح معظمها مرجعا موثوقا في الكليات العراقية والأجنبية!.

أما أول كتاب ظهر له، في الفترة التي اشرنا إليها فكان بعنوان (صور وأحاديث اجتماعية) وتتابعت جهوده حتى جاءت بـ(24) كتابا بضمنها كتابه الأخير (الزهاوي في معاركه الفكرية والأدبية) الذي ستنتهي دار الرشيد من طبعه قريبا.
حين التقينا (بأبي علي) في داره بمنطقة نجيب باشا، على ميعاد صعب، مهدنا له بالاتصالات الهاتفية المتكاسلة التي كادت تخذلنا، وجدناه على غير الصورة البهية التي ألفناه عليها، وقد باعدت الأيام بيننا وبينه، وكنا نسمع قبل ذلك بمرضه المتطفل، الذي يضطره للذهاب بين يومين وثلث إلى مدينة الطب لغسل كليتيه.
الابتسامة، والوداعة، والأناقة، واللثغة المنغمة، كانت هي ابرز ملامح شخصية الكاتب الجاد، الأديب الشاعر عبد الرزاق الهلالي، إلا أن الأعوام والأحداث تمتلك وحدها حق اغتصاب النضارة من الوجوه السمحة الصبوحة، والحيوية من الأبدان الناشطة، وعزاؤنا إنها تتسامح معنا فلا تتعجل بإخماد جذوة الفكر، ولا تسد سبل العطاء، وتجعل القلم والقرطاس آخر ما يسقط من أيدينا!.
* قلنا للهلالي وكان يحمل بيمينه كتيبا أنيقا حسبنا أن فيه سيرة حياته، اقرأ لنا شيئا من سطوره.
قال بعد أن اطرق طويلا وعاد إلى الوراء بعيدا:
- ولدت في البصرة سنة 1916 في محلة (الخندق) وأكملت دراستي الابتدائية في مدرسة العشار، التي كانت تسمى محليا (مدرسة الدبة) ثم أكملت المتوسطة سنة 1933، ودخلت دار المعلمين وتخرجت فيها سنة 1936 فعينت معلما في مدرسة التهذيب في البصرة.
بعد ذلك بعام سافرت إلى بغداد للدخول في دار المعلمين العالية (فرع الاجتماع) وكان قد مر على بدء الدراسة فيها شهران، وحين قابلت العميد المرحوم عقراوي أعلمني بعدم وجود (ساغر) إلا في فرع (التربية البدنية)، فقلت: إنني ارغب في علم الاجتماع، قال: داوم في هذا الفرع وسوف ننقلك منه إذا حدث الشاغر!.
وفعلا، داومت في فرع التربية البدنية، الا ان السنة انتهت ولم يحصل الشاغر المنشود، ومن الطريف كنت الاول على طلاب الفرع وحصل مثل هذا في السنة الثانية والثالثة، وربما كان من حسن حظي ان اسقط على الارض من قفزة عالية وبالزانة، فالتوت ركبتي وتورمت، وقالوا لابد من عملية جراحية، فرفضت، وحصلت على تقرير طبي يعفيني من الرياضة، فسارعت به للعميد (وكان المرحوم المقدادي)، ورجوته نقلي إلى فرع الاجتماع، ففكر الرجل مليا وقال: انك أديب وشاعر، ومن الصواب أن انتقلت الى فرع الآداب، وما عليك الا اقناع الاستاذين طه الراوي والدكتور البصير، فلما رويت لهما قصتي  وافقا على قبولي في الصف الرابع، وكانت النتيجة ان تخرجت مع زملائي في فرع (آداب اللغة العربية بدرجة شرف).
* قطعا كان هذا غير متوقع للكثيرين، ثم ماذا جرى؟
- عينت بعد تخرجي سنة 1941 مدرسا في (دار المعلمين الريفية) في الرستمية، وبعد سنة عينت معاونا لمدير دار المعلمين الريفية في ابي غريب، وفي سنة 1943 عينت معاونا لمدير (معهد التربية البدنية)، ثم ملاحا للتربية البدنية في وزارة المعارف، فوكيلا للمدير فيها.
* لابد أنهم تنبهوا إلى تضلعك والتربية البدنية التي درستها على محض ثلاث سنوات، فاستعانوا بك لتدبير شؤون الرياضة والالعاب؟
- يبدوا كذلك، حيث نقلت سنة 1946 الى وزارة العمل والشؤون الاجتماعية وعينت ملاحظا للنقابات، وخلال هذه الفترة دخلت كلية الحقوق المسائية وتخرجت فيها سنة 50-1951 واثناء ذلك عينت (مساعد للتشريفات الملكية) عام 1947 وتركت البلاط عام 1954.
* كانت لكم جولة قصيرة في الإذاعة..
- أربعون ليلة بنهارها، أعيرت خدماتي بعدها الى المصرف الزراعي، الذي بقيت فيه خمسة عشر عاما، كنت في السنوات الخمس الاخيرة منها مديرا عاما له، واجلت سنة 1970 على التقاعد، واصبت بعد سبع سنوات بمرض (عجز الكليتين) وقدر علي ان اراجع مدينة الطب مرتين في الاسبوع لتنظيف الدم بالجهاز الخاص، وكنت قد سافرت سنة 1979 الى لندن على نفقة الدولة لسحب الماء الأبيض من عيني وفحص الكلى.
* (اذا سألتم اله فاسألوه العافية)، نسأله تعالى أن يمتعكم بالصحة، وان يخفف عنكم وطأة هذا المرض الغشوم.
- لكم شكر المطمئن العاجز.
* طاف بكم الطائر الميمون في انحاء متباعدة من العالم المعمور، فالى اين سعى؟ واين حط الرحال؟
- قمت بسفرات ورحلات عديدة خلال (44) عاما من حياتي منها ما كان على الصعيد الرسمي، ومنها ما كان بدعوة خاصة، ومنها على حسابي الخاص، وهذه اهمها:
شاركت في مؤتمر بدورات الكشافى العربي سنة 1938، وفي وفد الفتوة العراقي الى المانيا (في نفس السنة) وكنت ابعث مقالات عن مشاهداتي نشرتها جريدة الزمان، وكنت ضمن الوفد الذي شارك في المؤتمر الطبي العربي الرابع في القاهرة سنة 1940 وكتبت ايضا مشاهداتي لنفس الجريدة.
اوفدتني وزارة المعارف الى لندن سنة 1946 لدراسة شؤون الكشافة ونوادي الشباب، وكتبت بعد هذه الرحلة كتابي (40 يوما في لندن)، وكنت قد سافرت قبل ذلك الى سوريا ولبنان موفدا مع فريق المدارس الثانوية لكرة القدم عام 1944.
شاركت في دورة (مشاكل التنمية الاقتصادية) التي عقدت في لندن واكسفورد سنة 1956 لمدة عشرة اسابيع، ورأست وفد المصرف الزراعي الى السودان والاردن عام 1957، وبدعوة خاصة من الجامعة الاميركية شاركت في مؤتمر مديري المصارف الزراعية في حوض البحر الابيض المتوسط سنة 1964 وفي عام 1972 شاركت في حفل تأبين سامي الكيالي صاحب مجلة (الحديث) الطبية.
سافرت الى موسكو سنة 67 بدعوة من اتحاد الكتاب، وقبلها في سنة 1975، سافرت إلى المغرب بدعوة من وزارة الثقافة للمشاركة في مهرجان (ابن زيدون) وفي نفس العام غادرت إلى اسبانيا على حسابي الخاص فزرت قرطبة واشبيلية وغرناطة، ثم إلى تونس بدعوة خاصة، وألقيت هناك محاضرة بعنوان (تونس في الشعر العراقي)، وفي عام 1876 سافرت إلى دمشق للمشاركة في مهرجان (مرور مئة عام) على ولادة مؤرخ الشام المغفور له محمد كرد علي.
* من كتبكم غير المطبوعة، هل من ذكر لبعضها؟
- كنت قد انتهيت منذ بضعة شهور من تأليف كتاب مهم جدا عن (تاريخ التعليم في العراق في عهد الاحتلال البريطاني)، وكتاب آخر ربما كان أكثر أهمية من الأول بعنوان (7 سنوات في التشريفات الملكية) من عام 47 حتى عام 54 إلى جانب ذلك فقد انتهيت أيضا من تحقيق مخطوط (كفاية المتحفظ وغاية المتلفظ) للفقيه ابي اسحق بن ابراهيم المعروف بابن الاجدابي من علماء القرن الخامس الهجري.
* وماذا عن المخطوطين المخطوفين؟
- في آذار 1980 اتصل بي السيد (ف. س. ح) الذي تربطني به بعض معرفة، واخبرني بأنه يعمل الآن (مديرا عاما) لشركة نشر في الشارقة باسم (شاركوت) وأطلعني على تخويل فيه بعض الصلاحيات، واستوضح عما لدي من كتب جاهزة للطبع، ليجعلها باكورة أعماله، وبناء على حسن نيتي، وثقتي به، سلمته كتابين هما: (نثار الفكر والقلم) و (شعراء من العراق)، ولا أريد أن اطوي هذين الكتابين وما بذلك فيهما من جهود، المهم أن الأخ وعدني أن يأتي بصيغة العقد بعقد أسبوع لتوقيعه!..
ومع الأسف مر الأسبوع، وبعده سنتان، دون ان اسمع اي شيء عن الموضوع، فان سمحتم أن أتوجه بالرجاء لمن يعرف شيئا عن هذا الأمر المريب أن يخبرني وله شكري، وثواب العلم والثقافة.
* لقد أتعبناكم...
- انا الذي اتعبتكم، والاجر على قدر المشقة، قد لا يقدر احد سعادتي الآن وانا اجد في الصحافة هذا التقدير الصادق، الذي شملتني به، فسعت الى داري تتفقدني وتطلع على آثاري الأدبية، ومسيرة حياتي، لنشرها وإيداعها ململمة في ذاكرة التاريخ، فلكم تحيتي الخالصة.

كتب
الهلالي باحث متتبع، في طبعه أمانة للكاتب الحريص، أولع منذ حداثته بجمع شتات المعرفة، ولم شذورها وشواردها، وتقصي الاخبار والحوادث، واحتفظ بالوثائق والتقارير والمراسلات الرسمية المهمة والخطيرة، ولذلك جاءت كتبه ومؤلفاته زاخرة بالغة بالعلم والمعرفة، مدعمة بالصورة وبالتقرير والوثيقة.
ونظرة متأملة في نتاجه الذي بلغ حتى الان (24) كتابا قابلة للزيادة بعون الله، نستطيع أن نتلمس جملة المواضيع والميادين التي طرقها، ووفق في إيفائها حقها من الدقة والاستيعاب والإحاطة.
والثمر اليانع تجد به التربة الصالحة، والعرق الناضح:
صور وأحاديث اجتماعية، (40) يوما في لندن، ولادة وابن زيدون، نظرات في إصلاح الريف (طبع ثلاث مرات)، معجم العراق (جزءان) مشاكل الائتمان الزراعي في العراق، الهجرة من الريف إلى المدن في العراق، دليل العراق الحديث (بالانكليزية وبالاشتراك)، تاريخ التعليم في العراق في العهد العثماني، الريف والإصلاح الاجتماعي في العراق، الزهاوي بين الثورة والسكون، تعمير القرية في العراق، الشاعر الثائر الشيخ محمد باقر الشبيبي، ادباء المؤتمر، المجتمع الريفي العربي والاصلاح الزراعي،، قصة الارض والفلاح والاصلاح الزراعي في الوطن العربي، زكي مبارك في العراق، دراسات وتراجم عراقية، مختارات الزهاوي، تاريخ التعليم في عهد الاحتلال البريطاني، ولادة واثرها في حياة ابن زيدون، الزهاوي الشاعر الفيلسوف والكاتب المفكر، الزهاوي في معاركه الفكرة والأدبية (قيد الطبع).
هل كان مدحت باشا.. شاعرا؟!
درس مدحت الفتى، القرآن الكريم، وتعلم مبادئ العلوم العربية، وصار يحسن كتابة الخط الديواني.
شغل منصب (رئيس مجلس شورى الدولة) وسعى لتطوير القوانين.
وصل بغداد واليا مصلحا سنة 1869، ولم تدم ولايته عليها اكثر من ثلاث سنوات وواحد وعشرين يوما.
مما ذكره العلامة المرحوم محمد رضا الشبيبي في بحثه المنشور بجريدة العرب التي كانت تصدر في بغداد سنة 1918.
واشتهر لمدحت باشا عند أدباء العراق (بيتان) صارا مطرحين بينهم وقد ذهبوا في تخميسهما وتشطيرهما كل مذهب! وهما:
اما والقنا والمرهفات البواتر
فلا ترى ابقيت لي عند واثر
ايذهب خصم في دمي لي مضيع
ولست اذيق الخسم طعم البواتر؟
عن كتاب الهلالي
دراسات وتراجم عراقية
رأي المحرر: لا تطاوعنا القناعة ان ننسب هذين البيتين من الشعر العامر، لرجل مثل مدحت باشا، الذي لم يؤثر عنه غيرهما، وقد يكون تمثل بهما في امر عارض امام جلساته، وفي غمرة استحسانهم ومجاملاتهم، سكت الوالي وأضاع لحقيقة! والله اعلم.
مداعبات شعرية مع الشيخ الحنفي والازدي والبراك
الشاعر الذي لا يعترف بشاعريته هو الشاعر المقل عبد الرزاق الهلالي، فهو شاعر يرسل الشعر، ولكن ليس جزافا كيفما طرأ، وهو قد ينتشي بسحر قوافيه، وحسان عروضه، إلا انه لا يتكسب بضرائره ويتحاشى الاقتراب من بحوره المغرقة المائجة، فطالما نبض وجدانه بالنشيد، وهتف إحساسه بالقصيد، فكانت أشعارا بديعة السبك، حسنة المنبت، شجية الرنين.