مراجعة النقد لاكتشاف السحر في (تمثلات ليليث) لأمجد الزيدي

مراجعة النقد لاكتشاف السحر في (تمثلات ليليث) لأمجد الزيدي

علي لفته سعيد
يسعى الناقد امجد نجم الزيدي في كتابه الجديد (تمثلات ليليث) الى عدم التعامل مع منهجية ثابتة في النقد وانه يحاول ايضا اجتراح شخصية نقدية مستقلة رغم اتفاقه مع الرأي الذي يقول بان اغلب النقد العراقي ماهو الا اعادة تمثيل لكل المناهج النقدية.. الكتاب لم يعتمد على منهج واضح ولكونه ايضا يتعامل مع نصوص لا تلتزم بمنهجية محددة او واحدة..

 الزيدي في الكتاب يحاول اكتشاف السحر الذي يخبئه النص إن كان نصاً شعرياً او سردياً من خلال اعادة تأويل دلالاته وكشف احالاتها بقراءة نصية تفكك تلك الدلالات وتكشف السدى الذي يربطها ويعمق وجودها كنواة بانية له ربما اكتفي في اكثر مقاربات الكتاب بالاشارة الى الوحدات البنائية التي تشكله من دون كشف معانيها او معنى النص برمته.
الكتاب الذي حمل عنوانا آخر تحتيا (مُقارَبات نَقدية في الشعر والسرد)قد احتوى على مقدمة وفصلين لكل فصل العديد من الاقسام.. وفي مقدمته يوضح الزيدي لم وضع الكتاب بعنوان (تَمثلات ليليث)ويوضح انه مأخوذ من اسطورة (ليليث) الشيطانة في الديانات والاساطير القديمة او هي زوجة ادم كما في كتب اليهود الى اخره من اساطير، ولكن ما يرتبط بمقاربات هذا الكتاب هي الاسطورة البابلية التي تقول ان ليليث هي البغي المقدسة لإنانا والآلهة الأم البابلية الكبرى التي ظهرت في حدود 3000 سنة قبل الميلاد والتي تغوي الرجال في الطريق وتخطفهم من زوجاتهم وتقودهم إلى معبد الإلهة، حيث كانت تقام هناك الاحتفالات المقدسة للخصوبة وربما ما فعلته ليليث منذ ذلك الزمن السحيق هو ما يفعله معنا ومنذ زمن بعيد الادب (شعرا كان ام نثرا)، اذ انه يخطفنا من عوائلنا، متخلين عن الحياة العادية المستقرة من اجل طقس الخصوبة هذا فالشعر والسرد هي تمثلات ليليث التي نحاول في هذه المقاربات ان نكتشفها.في الفصل الاول الذي حمل عنوان(اللغة الشعرية باعتبارها كشفا) وهو مختص بالنصوص الشعرية وضم ستة أقسام التي يريد الزيدي الكشف عن اسرارها خاصة وكما يقول ان الشعرية العربية مرت بمراحل عدة وتنوعت اشكالها وتعددت اجيالها الشعرية وتبحث لها عن شخصية جديدة متأثرة ربما بالموجات التي اجتاحت العالم من حولنا والتي انتقلت من خلال الترجمات لأهم الشعراء العالميين..كما يوضح ان قصيدة النثر كسرت الأطر التقليدية التي تسير الثقافة الشفاهية اذ يمكنها ان تطوف بالمتلقي الى فضاءات بكر لم تطأها قدم من قبل وان كانت هذه القصيدة تنتمي الى ثقافة اخرى بعيدة ومختلفة، اختلافاً جذرياً..ويشير الى ان تجربة كتابة الشعر هي تجربة غاية في التعقيد وذلك لأنها تجربة العيش خارج الزمان والمكان في فضاء تصطرع فيه البنى الفكرية والفلسفية، وتتجاذب فيه العواطف والمشاعر الانسانية وتتلون مساحات القرب والابتعاد بينهما بالحساسية العالية للغة باستخداماتها وتنوع فضاءاتها التي تحرك مناطق الاطمئنان والحس المتقشف الذي تعيش فيه مفردات اللغة اليومية..ففي القسم الاول (الوحدات النصية وسياقات الجملة الشعرية) يقول:تظهر هذه المقاربة إن شعرية النص لاتكمن في السياق الذي تبنيه الجملة الشعرية، وانما من خلال تجميع الوحدات النصية وبناء علاقات افتراضية بينها من دون الوقوع في اسار السياق للجملة والنص، وانما بناء فضاء دلالي يعتمد العلاقات الإحالية لتلك الوحدات النصية..وفي القسم الثاني (سلطة النص والكينونة الانثوية المستلبة): يخفي النص النسوي العراقي تحت اغطية البلاغة والعلاقات البنائية للنص، كينونة انثوية مستلبة، لا تستطيع التصريح بنفسها بصورة مباشرة، ولاظهار تلك الكينونة نحتاج الى كشف للعلاقات الدلالية التي يبنبها النص، والسدى العلامي والتناصات التي ينسجها في مداره،  وقد اخذت مجموعة من النصوص التطبيقية لبعض الشاعرات العراقيات المعاصرات، بالاضافة لنص لشاعر كردي وهو لطيف هلمت؛ حاولت ان اظهر به جانباً اخر من النقد النسوي الذي يبنى على هيمنة ذكورية.اما القسم الثالث (بنية الداخل بنية الخارج في النص الشعري):  ان البنية الداخلية هي البنية المعتمدة على متن افتراضي يربط بين المقاربات الدلالية للنص التي رسمتها البنية الخارجية، والجوهر الشعري الكامن في العالم واللغة من خلال توليد افق احتمالي يلم جوانب النص في مسارب سيميائية ودلالية متعددة كاسراً بها الصورة الجامدة، التي تظهر بها البنية الخارجية.. في حين حمل القسم الرابع عنوان (أفق القراءة والعلاقات الاحالية للنص): إن الشعر سلسلة غير منقطعة من التوالدات التي تنمو وسط بنية مشروطة تدعى (النص)، حيث تتوجه القدرة الإيحائية والاحالية للغة وفق مسارب بنائية مخصوصة، كوحدة نصية منتظمة وفق تصورات معيارية، على اعتبار إن النص كبنية مخصوصة، ينشأ داخل المنظومة الثقافية والاجتماعية..وجاء القسم الخامس تحت عنوان (الانزياح عن الاطر التقليدية للنص الشعري): إن الاطر التقليدية التي تسيطر على النص الموزون - ان كان عموديا او تفعلية-  والتي يتبع بها قواعد العروض، لا تمنعه من ان يفتح فضاءاته، لاستيعاب قدرة اللغة على التمرد، على القوالب القاموسية المتواضع عليها، والتي اصبحت من مسلمات هذا الجنس، وان بدأ هذا التمرد في تجارب قديمة، كما في شعر ابي تمام مثلا، والذي اخرج من دائرة الشعر، لانه كسر مايسمى عمود الشعر العربي.مختتما في قسمه السادس (النص المفتوح كنص عابر للشعرية) رأيه بقوله: ان النص المفتوح كجنس كتابي حديث، لم يأخذ له مجالا حيويا داخل ثقافتنا العربية، الا من خلال مجموعة من التجارب القليلة، وخاصة في تجارب الشاعر العراقي خزعل الماجدي كحية ودرج، او احزان السنة العراقية وغيرها، ويمكننا اعتباره نصاً عبرشعرية، (والشعرية هنا بالمفهوم التودروفي) تحويراً لمصطلح العبرثقافي او البينثقافي، أو العبر معرفي، اذ انه يعتبر نصاً جامعاً عابراً لمختلف الاشكال الكتابية رغم تفارقها بنائيا وشكلياً..وينطلق الزيدي في الإتيان بمجاميع شعرية ليطبق عليها فرضيته واجحرتاحه لرءؤيته النقدية المبنية على اساس القراءة العميقة للنص الشعري ليأتي الى الفصل الثاني الذي حمل عنوان (حركية الخطاب السردي)وضم ثمانية أقسام مختصة بالسرد رواية وقصة وفيها يعد الكتابة السردية بكل تمثلاتها من قصة ورواية محاولة لتلوين العالم بألوان أفكارنا وتصوراتنا التي نرسمها بكلمات وجمل وشخصيات حية مفعمة بالحياة أي ان هذا العالم المتعدد الأشكال والألوان يتحول بيد السارد الى مجموعة من الكلمات والجمل في سياقات كتابية معينة، يمثلها الخطاب السردي وأنساقه، تحمل تصور الكاتب عن البنية الثقافية والمعرفية، التي تتحرك فيها فضاءات النصوص ودلالتها..مثلما يعد الكتابة السردية اعادة تشكيل العالم او اعادة بنائه وفق تصورات حديثة لا تخضع الى البنية..في قسمه الاول الذي حمل عنوان(التأريخ وحركية الخطاب السردي) يرى فيها التاريخ دوماً معينا مهما للرواية حتى ان اهم الروايات العالمية التي عدت نقطة مضيئة في تاريخها.. مثلما يعتقد ان الرواية التاريخية تسمية غير دقيقة لانها لا تتقصد نقل التاريخ او تحاول ان تكون بديلا عنه وانما هدفها الاول هو خلق رواية متخيلة منسوجة من شخوص واحداث تاريخية..اما القسم الثاني(الخطاب السردي وموجهاته البنائية) يؤكد فيها انه رغم التمايز في تجارب الروائيين وتعدد الاليات إلا إنها أبقت على الوحدات والتراكيب السردية واحدة وإن تفاوتت في درجة تركيزها وظهورها ومرد ذلك بحسب راي الزيدي يعود إلى الآلية التي يحاول بها النص اجتراح خط منفصل ومستقل عن تلك التجارب وهذا التفاوت في درجة التركيز هو الذي يعزز النسق البنائي العام للنص، فالشخصية والمكان والزمان وغيرها هي وحدات سردية مهمة يستطيع من خلالها الكاتب أن يوجه نصه باتجاه الرؤية التي يتبناها النص ويمضي بتناول بع1ض الامثلة على اختلاف التجارب طونها دليبل على ما مضى إليه.. وفي القسم الثالث (الفنطازيا ولاعقلانية الواقع) يرى ان إبتعاد الخطاب الروائي الحديث عن الاسلوب المباشر للرواية التقليدية هو ابتعاد لها عن مضمونها الواقعي بيد إن الرواية وإن مالت الى تجريب عدة اشكال فنية حاولت كسر النسق االبنائي للرواية الواقعية التقليدية، لكنها حرصت دوما على ان تكون ممثلا لذلك الواقع وليست ناقلة له، كما تفعل المدونات التاريخية وإن خالفته من حيث البناء والرؤية، بل هي تنظر اليه من زاوية اكثر حساسية متعالية عن التجريد السياقي الذي يصف التاريخ انها ترسم لها حضورا افتراضياً وسطاً، بين جميع المناهج السياقية من خلال تفعيل الرؤية الاستكشافية، لما وراء الاشياء والظواهر وتحفيز كوامنها على خرق نسقية اللامفكر به او المسكوت عنه، بأدواتها الفنية التي تستند على حركية بنيتها السردية والخطابية لفك عجمة اللاعقلانية التي تسيطر على واقعنا، وتسلب منا ربما حتى قدرتنا التوفيقية على منطقتها.وقد جعل القيسم الرابع (القصة القصيرة والرسم..مقاربة إبداعية)يرى ان اللغة وخاصة الادبية كانت على الدوام ومنذ عصور بعيدة أكثر التصاقاً بالانسان وعوالمه وخيالاته لذلك ربما تشترك اللغة بروابط متينه بكل وسيلة تعبيرية خلقها الانسان لتكون واجهة له ومنها الفن التشكيلي وخاصة الرسم والسينما والمسرح..ويمضي بالقول ان هذه العلاقات كانت أكثر تجريدية من اللغات الصورية الاخرى إذ مَثلت الكلمات ولم تعكسها كصورة من الواقع الخارجي الموضوعي،  كانت عبارة عن تشكيلات بصرية دالة..ويشير الزيدي في القسم الخامس (ماوراء القص وبنية الايهام) الى ان العمل السردي (الرواية، القصة القصيرة) بقي لأزمان طويلة غامضا وسريا فيما يتعلق ببنيته التركيبية وتشكله وما يرافقها من طقوس خاصة تدور في فلك الكاتب وكتابته..ويضيف الاعمال السردية وقعت تحت هيمنة أنساق التاريخ والواقع ولم تحظ بشخصية مستقلة إذ كانت علاقتها بهذه الانساق ملتبسة أصابت الاعمال السردية (الروائية بخاصة) بحالة من الجمود..القسم السادس الذي حمل عنوان (البنية السردية ومرجعيات النص) أكد فيه الزيدي على إن التعامل مع عملية الكتابة بمختلف اجناسها هو تعامل مع مستويين من التَشكل المستوى الاول هو الوجود الحقيقي للنص قبل عملية القراءة والذي قد رُكب وفق آليات كتابة مقننة خضعت الى ظروف زمكانية خاصة بالكاتب وبيئة الكتابة..ويرى المستوى الثاني انه الوجود المتشكل من عملية القراءة والذي يسير مع النص بصورة متوازية ليستفز اشاراته المضمنة..ويعد الزيدي القصة القصيرة في القسم السابع (الفعل السردي وفضاءات النص) من انها احد الفنون السردية التي تميل الى الاقتصاد باللغة والشخصيات تحاول ان تستفيد من قدرة اللغة على الإحالة فالشخصية القصصية تسير في وسط محدود الاختيارات، لأن كل دلالة او حدث أو شخصية ربما تفلت من السياق الذي يحكم السدى السردي، الذي يدور حول نقطة واحدة وإن حاول بعض القصاصين أن يوهموا القارئ في بعض الأحيان انهم يتناولون في القصة عدة فضاءات متباعدة، ولكن هذه الآلية ربما تجنح بالكثيرين الى عدم السيطرة على الحدث السردي مما يجعل القصة تدور في مدارات مفككة يسقط البنية السردية في التشتت. لم يغيب الزيدي القصة القصيرة جدا في كتابع فكان قسمه الثامن (توازن البناء السردي في القصة القصيرة جدا) شارحا اختلاف النقاد حول تجنيسها  حيث مثلت اغلب الكتابات التي كتبت تحت مظلة هذا النوع نزوعا الى الاقتراب الى اجناس اخرى ومنها قصيدة النثر حيث ان الاطر الحاكمة لكلا الجنسين متقاربة من خلال التكثيف والاختزال، وهذا ما يجعل قراءة الناقد عسيرة للفصل بين هذين الجنسين، حيث ان البنية الشكلية للقصة القصيرة جدا تكاد تفارق البناء التقليدي للقصة القصيرة، لكنها رغم هذا التكثيف والاختزال والتنازل عن الكثير من البنى المشكلة للقصة، الا انها تحافظ على وجود مقبول للبنى الرئيسية المشكلة للخطاب السردي، أي الشخصية والزمان والمكان والحدث السردي..ويوضح ان البناء الشكلي للقصة القصيرة جدا لا يقترن فقط بالمدى الذي تأخذه داخل اللغة بالطول او القصر، وانما يعتمد على مرتكزات رئيسية مهمة تميزه عن القصة القصيرة التقليدية، وذلك هو الاختزال والتكثيف في الحدث السردي والاكتفاء بأقل الشخصيات، بالاضافة الى زمكانية مقننة، فالتكثيف (يحدد بنية القصة القصيرة جدا ومتانتها لابمعنى الاقتصاد اللغوي فحسب وإنما في فاعليته المؤثرة في اختزال الموضوع وطريقة تناوله، وإيجاز الحدث والقبض على وحدته) اذ انها تقفز مباشرة الى الحدث المركزي بدون مقدمات، مكتفية بالاطر التي يوفرها ذلك المركز لخلق اجواء القصة، اذ انها تعتمد على حبكة بسيطة في فضاء زمكاني مختزل.
     وللخروج من الاطر اللغوية المقننة تحاول القصة القصيرة جدا فتح فضاءات دلالية من خلال اللعب بالفضاء الافتراضي الذي توفره اللغة، وايضا الاحالات التناصية التي تفتح مسارب واسعة للتأويل.