أبو العلاء المعري ثائراً

أبو العلاء المعري ثائراً

د. عبدالحسين صالح الطائي
صدر في مطلع عام 2016 كتاب للدكتور نبيل الحيدري بعنوان:"أبو العلاء المعري ثائراً"عن دار العرب في بيروت، تناول فيه حياة المعري (973 – 1057م)، فيلسوف الشعراء، الذي استحق صفة الشاعرية، وتفرد بإمتلاك خاصيّة النبوغ والابداع في مجالات الأدب والفلسفة والتراث والعلوم، حتى أبهر علماء عصره، واستحق لقب"أعجوبة الدهر".

باسلوب بديع تعمق الكاتب في دراسة وتحليل شخصية المعري. فأخذنا في رحلة انسانية طويلة في فكر ونفسية وروحية أبو العلاء، التي غلبت عليها سمات التشاؤم، مبيناً الدوافع التي أوصلته لهذه الحالة.

أُصيب المعري بالجدري، فعمي، وهو في الرابعة من عمره:"قُضي عليَّ وأنا ابن أربع". وعلى الرغم من معاناته الكبيرة، انطلق في الحياة وأثبت بأن الإنسان لا يوقفه عجزه أمام طموحاته الواسعة. دفعته عاهته إلى التحدي والرغبة في التكيف والطموح في إكتساب مختلف المعارف إلى درجة لعب النرد والشطرنج والتفوق على البصراء. لقد جعل من محنته ومعاناته وفقره عوامل دفع قوية وظفها بعزم ضد كل التيارات المعرقلة لمسيرته:
قالوا العمى منظرٌ قبيحٌ     
قلتُ بفقدانكم يهــــونُ
والله ما في الوجود شيءٌ     
تأس على فقده العيونُ
أبو العلاء هو أحد أولئك الشعراء الذين ظفروا بنصيب وافر من الطبيعة الفنية، التي جعلت شعره جزءاً من حياته، فاصبح موضوع حياته هو موضوع شعره، وموضوع شعره حياته. فهو صاحب النظم البديع. شعره يدل على أنه كان عالماً بالأديان والمذاهب وعقائد الناس والفرق. ندّد بالخرافات التي تمارسها الأديان. كانت له فلسفتة المتميزة للحياة والكون والوجود والأديان. تباينت تقييمات النقاد له، فمنهم من جعله فيلسوفاً وجرّده من الشعر، وعده آخرون شاعراً مجرداً من الفلسفة، وجمع له فريق ثالث بين الخصلتين. كان شغوفاً بالعلم والتعلم، ونتاجه الشعري والأدبي والفلسفي يعكس عمق ثقافته وسعة اطلاعه، لديه قدرة عالية على الحوار والمناقشة والمناورة الواعية في مختلف مجالات المعرفة والأدب والفلسفة.
نُقلت عنه قصص عجيبة، إلى حد الإعجاز، عن قوة ذاكرته وعظمة ذكائه، جعلته متفرداً متميزاً حتى قيل عنه:"ما قرأ إلا حفظ جميع ما قرأه ولم ينسَ منه شيئاً". ونقل عنه قوله:"ما سمعت شيئاً إلا حفظته". اهتم بالآداب والفلسفة والتراث والجدل والعلوم فأبهر عظماء عصره فأقروا له بالنبوغ والابداع. أنصفه الكثير من الكتاب والأدباء والمستشرقون فيما بعد، فعدّوه فيلسوفاً عالمياً سبق زمانه بآرائه العقلية والفلسفية والأخلاقية والسياسية والدينية.
ما مر فى هذه الدنيا بنو زمن … إلا وعندى من أخبارهم طرف
كانت نظرته النقدية إلى الأديان محل جدل كبير. آمن بنظرية العقل، واعتنق نظرية الشك التي أوصلته إلى الكثير من الحقائق. كان من المتشككين في معتقداته، يعتقد بأن الدين"خرافة ابتدعها القدماء"، ولهذا كان موقفه صارماً بالضد من الخلفاء الذين استغلوا الدين كأداة لتبرير أعمالهم السيئة في تدعيم سلطتهم، وكذلك انتقد وعاظ السلاطين الذين طبلوا لهؤلاء الحكام. كان صادقاً في أقواله، مؤمنا بأفكاره كل الإيمان، غير آبه بردود الأفعال. تحرّر من هيمنة الطقوس، فأصبح حراً مبدعاً مجدداً، رافضاً للتقاليد، فاتهم بالزندقة والإلحاد.
تجاوز المعري أحداث زمانه ومكانه ومجتمعه إلى آفاقٍ لا تعرف الحدود في الفكر، جعلته في موقع المواجهة مع قوى التخلف والتعصب والتزمت. فأصبح متمرداً غريباً في موطنه، وبسبب تكفيره وعزلته، ومضايقة أمير حلب له، الذي حاربه في فكره وطموحاته، فكر بالتوجه إلى بغداد (مدينة السلام)، التي إزدهرت بالفن والأدب والعلوم.
لقد صادف يوم وصوله إلى بغداد وفاة الشريف الطاهر، حيث أدلى الشعراء بدلوهم، فارتجل المعري مرثية فتميز، فرفعه الشريفان الرضى والمرتضى إلى منصتهما إجلالا وإكباراً. كانت بغداد تمتحن الوافدين، فتعرض المعري لإمتحان صعب نجح فيه بتفوق، فاطلق عليه لقب: أعجوبة الدهر وفريد العصر. كان حاضراً في كل مجالسها الأدبية والعلمية، كما قال عنه طه حسين:"لم يترك أبو العلاء بيتا من بيوت العلم فى بغداد إلا ولجه، ولا مجلساً من مجالس الأدب إلا حضره، ولا بيئة من بيئات الفلسفة إلا اشــــترك فيها".                                                                                  
عاش المعري أهم فترات حياته فى بغداد، مركز التنوير والعلم والثقافة والحوار والترجمة، خلال فترة العصر الذهبي لإزدهار الخلافة العباسية. فكان المعري محوراً لكل المنازلات الشعرية والأدبية والمذهبية والفكرية في أجواء بغداد المحتقنة اصلا بشتى المدارس والنزعات الأدبية والعقائد الفكرية والتيارات المختلفة.
كقوله فى بغداد:
لى الشرف الذى يطأ الثريا …
مع الفضل الذى بهر العبادا
كان المعري شديد الاهتمام بكتبه وعلمه وأدبه يجمعها ويفسرها ويدافع عنها. شرح ديوانه"سقط الزند"بكتاب"ضوء السقط". كما شرح"اللزوميات"بكتابين ودافع عنها بثالث. وشرح"الفصول والغايات"بكتابين، وشرح"الرسائل"بكتاب أسماه"خادم الرسائل". ومن أعماله المعروفة"رسالة الغفران"، التي هي عبارة عن رحلة خيال إلى العالم الآخر، إلبسها ثوباً سماوياً، شغلت الكثير من الأوروبين لشدة الشبه بيها وبين"الكوميديا الإلهية"لدانتي. لقد تجاوزت كتبه السبع والسبعين، وعلى الرغم من أن بعضها قد أتلفها البيزنطيون. إلا أنه ترك لنا نتاجاً ضخماً يعكس طبيعة الحياة التي كانت سائدة في عصره.
نسب خصوم المعري كل سوء وبدعة ورذيلة له حتى ظنّ طه حسين، حينما كان يدرس فى الأزهر، أن المعرى قد جمع كل رذيلة فى الدنيا، ولكنه حينما وصل إلى باريس ورأى اهتمام المستشرقين بنتاجه الأدبي والفلسفي وتأثرهم بعظمة فكره وإبداعاته، تأثر به بشكلٍ كبير ووجد ضالته عنده.  حيث أكدت ذلك سوزان الفرنسية زوج طه حسين بقولها:"إن طـه حسين كان أبا علاء آخر. إنسانان غارقان في الليل نفسه. إنسانان يرفضان قدراً ظالماً". لقد أيقن طه حسين بأن المعري يستحق أن تكون رسالة الدكتوراه عنه، وفيما بعد تلاها بكتب ومقالات خالدة وفاءً له ووفاءً للمعرفة.
وكان محمد مهدي الجواهري من المعجبين جداً بالمعرى وشعره وأدبه وفكره. حفظ الجواهري أكثر أشعار المعري ودرس رسائله وأدبه بعمق وتأثر به كثيراً كما تأثر بالمتنبي والبحتري. ولما دعي إلى مهرجان الذكرى الألفية للمعري في دمشق، وبحضور عميد الأدب العربي طه حسين، إلقى قصيدته التي مطلعها:
قِفْ بالمعَرَّةِ وامسَحْ خَدَّها التَّرِبا
    واستَوحِ مَنْ طَوَّقَ الدُّنيا بما وَهَبا
تأثر المعري بالكثير من الشعراء العرب وحفظ لهم، وشرح بعض دواوينهم كالبحترى وأبى تمام والمتنبي، ولكنه تأثر بشكل كبير بالمتنبي حتى سمى شرح ديوانه بمعجزة أحمد. ويظهر تأثره بوضوح في الكثير من أشعاره، كقوله:
وإنى وإن كنت الأخير زمانه …
لآت بما لم تستطعه الأوائل
على غرار قول المتنبي:
سيعلم الجمع ممن ضم مجلسنا …
 بأنني خير من تسعى به قدم
ورغم عشقه الكبير لبغداد، إلا أنه عاش محنة كبيرة فيها مما اضطره لتركها متحسراً. فألزم نفسه بيته، وشعره بشيء من التشاؤم، وصار يطرق مواضيع فلسفية لم يألفها أدب العرب، كتبشيره بالنبتانية.
فلا تاكلن ما اخرج الماء ظالما    
ولا تبغ قوتا من غريض الذبائح
ولهذا لُقب برهين المحَبسين، رهين العمى، ورهين البيت. عاش زاهداً في الدنيا معرضاً عن لذاتها. توفي ودفن في منزله في معرة النعمان.