كيف ننظر إلى الفنان  ؟ اللوحة كوسيلة للنظر إلى الفنانين الذين يرسمونها

كيف ننظر إلى الفنان ؟ اللوحة كوسيلة للنظر إلى الفنانين الذين يرسمونها

ترجمة / عادل العامل
قمت في الربيع الماضي، تقول كاتبة المقال هالي موتيك، بزيارة إلى لوحة للفنانة لي كراسنر لم أكن قد رأيتها من قبل،"الفصول Seasons"(1957)، معروضة في متحف ويتني. وقد أوضحت الرقعة المرفقة بها أن كراسنر قد أكملت هذا العمل كطريقة للرد على سؤال عنها في حينه، وهو: إن زوجها جاكسون بولوك قد توفي قبل عام. فهل ستظل ترسم؟

وقرأت أن مرشدة سياحية مرت مع جماعة من زوار المتحف، وقالت في معرض تقديمها"هذه زوجة جاكسون بولوك"، وكنت غاضبةً من مقدار محدودية ذلك الوصف ــ ذلك أن كراسنر كانت أكثر بكثير من مجرد قرينة ــ ولهذا غادرتُ.
إن صورة الفنان، المكونة من كلمات، قطعة جدلية من الفن. فالأسماء تصبح عناوين، والأوقات فترات، والعشاق معاصرين، والأسئلة إجابات: فنقد الفن حقل تقيمه الحدود. لكنه أيضاً مكان للإسراف العاطفي، حيث يأمل النقّاد في فقدان أنفسهم في الأحاسيس التي يستحضرها عمل فني واحد. فكل ناقد هو رومانسي. وأكثرالنقاد رومانسية هو جون بيرجر.
وكتاب بيرجر الأخير، (صور شخصية Portraits : جون بيرجر عن الفنانين)، هو مجموعة من المقالات تغطي تاريخ الفن. فبدءاً من لوحات كهف شورفيت لما قبل 30,000 سنة قبل الميلاد، وانتهاءَ بمنحوتات عام 2008 للفنانة الفلسطينية رندة مداح Randa Mdah، يتتبع بيرجر قروناً من الفن بينما يقودنا عبر مسيرته لعقود من الزمن ككاتب فني. وهو يستهل هذه المجموعة بإعلامنا أنه"ظل يكره على الدوام دعوته بناقد للفن"، حتى مع أن التعبير صحيح، فهو يفضّل، بدلاً من ذلك، التفكير بعمله على أنه محادثة، سواء كان بإمكان الفنان أن يرد أم لا.
لقد رسّخ بيرجر أولاً نفسه كواحد من أبرز نقّاد الفن في زمننا بعمله،"طرق الرؤية"، وهو سلسلة تلفزيونية في البي بي سي عام 1972 أدت به إلى تأليف كتاب بالعنوان نفسه. وقبل ذلك، كتب نقداً للفن لصحف مثل النيو ستَيتمان و السَندي لندن تايمس، ونشر كتباً عن بيكاسو، والتكعيبية، إضافةً لعدة روايات وسيناريوهات سينمائية.
وفي كتابه (صور شخصية Portraits)، سينظر بيرجر إلى اللوحة باعتبارها وسيلة للنظر إلى الفنانين الذين يرسمونها: للرؤية، من خلال بضعة أعمال تصويرية، أية أنواع من الهويات تؤدّى بالحبر، أو الرسم، أو الطين. وتجري المحادثات بينه وبين الفن، لكن الغالب في كل مرة أن الشكل يتبدل ليصبح ذهاباً وإياباً فعلياً بين الأشكال المحبوبة. وتظهر ابنته كاتيا، ويكتبان رسائل أحدهما إلى الآخر، يناقشان فيها مزايا لوحات مختلفة: ففي فصل عن لوحة أندريا مانتيغنا،"المسيح الميت"(1480)، يحث بيرجر كاتيا بسؤالها"أتتذكرين كيف رأيناها معاً؟". وفي مقالة حول تفضيلات كرافاجيو الجنسية تتخذ شكل حديث وسادة بين بيرجر وزوجته، وهي رسالة حب لشريكة حياته تدور حول ذكريات ليلة سألته فيها أن يذكر لها رسامه المفضَّل.
  ويكتب بيرجر قائلاً:"إننا نرغم الفن على مواساتنا. ثم نكافئه بدعوتنا له أنه جميل". وهذا هو السؤال الأخير الذي يسعى بيرجر للإجابة عليه بأعماله الخاصة بالصور الشخصية: حين يرسم الفنان، ما الذي يُراد منا رؤيته؟ هل يراد منا تحليل صانع العمل الفني تحليلاً نفسياً، تحديد الشخصية استناداً على لوحة الألوان؟ أم أن الفن يبقى منفصلاً عن الفنان، شيئاً ما ينبثق من لوحة الألوان هذه لكنه لا يخصها؟
أما المقالة التي تجيب أفضل إجابة على هذا السؤال، فهي عن العلاقة بين بولوك وكراسنر. ويكتب بيرجر عن النظر إلى صورهما الفوتوغرافية، متفحصاً كيف أنه يستطيع أن يرى أن"نظرهما ذاك تزاوج بين رسامين". ويطلب بيرجر منا أن ننظر إلى لوحات كراسنر وبولوك معاً لنرى الحوار بينهما (من خلال هذه اللوحات)."فهو يرسم انفجاراً؛ وهي تقيم، مستخدمةً عناصر تصويرية مماثلة تقريباً، نوعاً من المواساة". ويستمر يتأمل، متسائلاً"إن كانت لوحاتهما تقول أشياءً بعضها للبعض الآخر خلال تلك السنوات ما كان بإمكانهما قولها أبداً بصورة شخصية".
ومن عام 1943 إلى 1952، رسم بولوك، كما يقول بيرجر، أعمالاً عظيمة كثيرة، بينما عملت كراسنر بعناية في إنجاز قطع فنية أساسية قليلة، لكنهما كانا على الدوام الجمهور الأول أحدهما للآخر."كان الاثنان، جزئياً، يرسمان بعضهما لبعض، ليرى كل واحد منهما دهشة الآخر. وكانت تلك طريقة للتواصل، التأثير touching أو التأثر.
وهكذا هي مجموعة مقالات بيرجر هذه بالنسبة لنا: بكلمات، لا بلطخ أصباغ، طريقة للتأثير في القراء برؤاه المواسية. فقد كان بيرجر على الدوام كاتباً يفهم أن الفن لا يبدأ وينتهي بالقماشة ــ بل أن الفن (وكتابة الفن العظيمة) ينبغي أن تظل معنا كمشاركة بين العناوين المتخطية التي نحددها كصور شخصية  portraits: زوجة، شخص، عبقري، فنان. وهذه العناوين، عندما يجري تعيينها بإهمال، يمكن أن تكون محدِّدة، لكنها، بيدي بيرجر الخبيرتين، مجرد البداية ليس غير.

عن /  National Post