جامعة بغداد، المراحل الاولى لتأسيسها وأفتتاحها.. من هو اول رئيس لجامعة بغداد؟

جامعة بغداد، المراحل الاولى لتأسيسها وأفتتاحها.. من هو اول رئيس لجامعة بغداد؟

شيرين رحيم الجابري
تعد جامعة بغداد واحدة من أعرق الجامعات ليس على مستوى العراق فحسب، بل على صعيد الوطن العربي والعالم، إذ يعود تاريخ تأسيسها إلى سنة 1957، وبذلك تكون أول جامعة رسمية في العراق، وأما البداية الحقيقية للتعليم الجامعي في تاريخ العراق المعاصر، فتتمثل بتأسيس كلية الحقوق، في سنة 1908 والتي أعقبها تأسيس كليات ومعاهد عالية تحت ظروف مختلفة

 وفي حقب متفاوته حسب دواعي الحاجة إلى المهنيين والمختصين، فأسست كلية الطب في سنة 1927 وكلية الصيدلة في سنة 1936 وكلية الهندسة في سنة 1942 وكلية التحرير (للبنات) في سنة 1946 وكلية التجارة في سنة 1947، وقد كانت جميع هذه الكليات لاتعدو عن كونها مدارس مهنية غاياتها أعداد الموظفين أو المتخصصين بمهن معينة.

مراحل تأسيس جامعة بغداد:
    لعل أول محاولة ظهرت لتأسيس جامعة في بغداد يعود إلى بداية الحكم الوطني عندما عاد إلى أرض الوطن لفيف من رجال الفكر والنخبة المثقفة من العراقيين والعرب ليساهموا في توطيد أركان الحكم الوطني الجديد في البلاد، وظلت فكرة الجامعة تراود عقول الكثيرين منهم، فجرت عدة محاولات منها: محاولة إصلاح مدرسة الامام الأعظم، فاستجاب الملك فيصل الأول لهذا الإصلاح والرغبة وشجعها ووجهها وعهد إلى فهمي المدرس، دراسة مقترح أنشاء الجامعة وتطوير مدرسة الامام الأعظم وجعلها كلية تعلو فوق جميع المدارس الدينية وجعلها شعبة من جامعة كبيرة، سميت فيما بعد بـ(جامعة آل البيت) وأطلق على الشعبة نفسها اسم (الشعبة الدينية العالية) على غرار الشعب الأخرى، ونتيجة لوجود معارضة قوية لهذا المشروع فقد أصدر الملك فيصل أوامره بإغلاق الجامعة في 4 /آيار/ 1930 قبل أن ينهي الطلاب امتحاناتهم، وبعد إلغاء الجامعة عادت الشعبة الدينية إلى مكانها السابق، حتى ألغيت سنة 1935، وأسس مكانها دار العلوم العربية على غرار دار العلوم في القاهرة.
تجددت المساعي لفكرة تأسيس الجامعة عندما كان صادق البصام، وزيراً للمعارف في وزارة ياسين الهاشمي الثانية (1935-1936) إذ تقدم البصام مع عقراوي الذي كان عميداً لدار المعلمين العالية بمذكرة إلى مجلس الوزراء يستهدف فيها تحويل دار المعلمين العالية إلى كليتين الأولى للآداب والثانية للعلوم، وقد  دعى بعض الشخصيات للاجتماع مناقشة موضوع تأسيس الجامعة، ومن  بينهم وزير الداخلية رشيد عالي الكيلاني، ورئيس مجلس النواب محمد أمين زكي، وعميد كلية الطب العراقية حنا خياط، وساطع الحصري (مدير التدريس والتربية العام في وزارة المعارف) وعبد الرزاق  السنهوري، عميد كلية الحقوق، وذلك للاجتماع في ديوان وزارة المعارف، للمذاكرة حول موضوع تأسيس جامعة عراقية، وكان ذلك في شهر شباط سنة 1936.
 وفقاً لما ورد في التقرير الذي رفعه البصام إلى مجلس الوزراء في 15 /شباط 1936، أرسل مجلس الوزراء إلى وزارة المعارف استفساراً عن مقدار النفقات المتوقعة لتأسيس جامعة عراقية، فأجاب وزير المعارف بتقرير أرسله إلى مجلس الوزراء في 10 آذار من السنة نفسها، بأن النفقات المتوقعة لتأسيس الجامعة لاتتجاوز (2000) دينار سنوياً، وذلك على اعتبار ان كليتي الطب والحقوق باقيتان على نفقاتهما، اما فرعا العلوم والآداب المزمع تحويلها إلى كليتين فأن النفقات المخصصة لهما، بالإضافة إلى المبالغ التي ستنفق عليهما، والتي لا تتجاوز المبلغ المذكور اعلاه، سوف يسد احتياجهما من الانفاق، وبذلك يكون مقدار الإنفاق المتوقع لتلك الجامعة لا يتعدى ألفي دينار على أكثر تقدير. غير انه تم تأجيل البت في مشروع الجامعة إلى اجل غير مسمى.

لجنة هاملي سنة 1943:
    تجددت المساعي مرة أخرى لإنشاء جامعة عراقية خلال الحرب العالمية الثانية (1939-1945) عندما ظهرت المحاولة الثالثة، وهي المحاولة الثانية لصادق البصام وزير المعارف، الذي وجه مذكرة إلى مجلس الوزراء بشأن تأسيس جامعة في بغداد، أوضح فيها الأسباب الموجبة، وأقترح المكان المناسب لها في منطقة باب المعظم لانه يجمع معظم الكليات والمعاهد القائمة آنذاك، فوضعت دراسات ومذكرات كثيرة حول الموضوع، فضلاً عن الاستعانة بعدد من الخبراء والمختصين بشؤون التعليم العالي، وبتاريخ 19/ آذار/ 1940 وافق مجلس الوزراء على تشكيل لجنة لدراسة"تأسيس جامعة للدراسات العليا في العراق".
 قرر مجلس الوزراء في آب /1942  تشكيل لجنة مؤلفة من عمداء كليات الطب والحقوق ودار المعلمين العالية الذي كان متي عقراوي عميدها آنذاك ومديرية الري العامة ورئاسة ديوان التدوين القانوني، غرضها دراسة مشروع الجامعة، ووضع التقارير التي ترشد الحكومة إلى كيفية العمل من أجل تنفيذ المشروع، وكان يرأس تلك اللجنة هاملي، وهو خبير تربوي بريطاني.
 كان إلى جانب عقراوي في تلك اللجنة كل من، عميد الكلية الطبية سندرسن وحسن جاد (ممثلاً عن عميد كلية الحقوق) وحامد زكي وأنطوان شماس مدير التدوين العام ورئيس اللجنة المستشار في وزارة المعارف هاملي، فقدمت اللجنة تقريرها في شهر شباط سنة 1943، فأوضحت للحكومة العراقية بصورة جلية أهمية الجامعة والفائدة المرجوة منها للعراق خاصة، ولهذا الجزء من العالم بصورة عامة.
 درس هاملي مع عقراوي عدداً من أنظمة الجامعات البريطانية والأمريكية والمصرية والجامعة الأمريكية ببيروت واقترحا نظاماً أشبه بالنظام البريطاني في تنظيم الجامعة وقدما توصيات عديدة إلى مجلس الوزراء، كان من أبرزها، انشاء كلية للآداب والعلوم بالسرعة الممكنة وإبقاء دار المعلمين العالية على حالتها وجعل الجامعة هيئة مستقلة ترتبط بشخص رئيس الوزراء وانشاء جامعة باسم (جامعة بغداد) وأختيار منطقة شمالي بغداد لتكون موقعاً للجامعة, فضلاً عن مقترحهما الذي نص على ان تسير دار المعلمين العالية في طريقها ككلية اعدادية (متوسطة) للعلوم والآداب، ولم يغفلا بأن تكون الجامعة هيئة مستقلة ما أمكن ذلك، بيد أن التجارب أثبتت أن أعمال الابتكار لاتزدهر الا اذا أحاطها جو معقول من الحرية، لذا أقترحت لجنة هاملي ان تكون الرابطة بين الجامعة والحكومة قائمة في شخص رئيس الوزراء الذي يقوم بعرض الميزانية السنوية.
 تضمن تقرير هاملي وعقراوي الكيان العام للجامعة المزمع أنشاؤها حينذاك، ولكنهما لم يعطيا تفصيلات عن كيفية سير مجالسها وتعيين كبار موظفيها، ولذلك كان نص مشروع الجامعة، والذي اسمياه (مشروع انشاء جامعة بغداد) المتضمن (29) مادة هو المرجح لكبار المعنيين والمسؤولين في المعارف لأخذ الأيضاحات حول هذا المشروع حيث تضمنت مادته الأولى ما نصه"تقترح اللجنة تسمية الجامعة – جامعة بغداد، لأن الجامعات في معظم الدول تسمى بأسم المدن التي تنشأ فيها، بينما تضمنت المادة الحادية عشرة، ان يكون رئيس الجامعة على الأغلب كبيراً من كبراء الدولة وقد يكون هذا الكبير من المشتغلين بالعلم أو من رجال السياسة، وواجبه الأول هو في رئاسة المجلس الأعلى للجامعة".
 كان متي عقراوي من أكثر المناصرين لمشروع الجامعة ,في الوقت الذي كان فيه عميداً لدار المعلمين العالية، إذ وجه كتاباً إلى وزارة المعارف بتاريخ 22 /آذار /1945 أشار فيه إلى"ان الوقت قد حان لأخراج مشروع الجامعة إلى حيز التنفيذ"وأقترح تأليف لجنة من عمداء الكليات ومن ذوي الخبرة في هذه الشؤون لدراسة تفاصيل المشروع.
 التقت رغبة عقراوي مع الرغبة الكبيرة لبعض القادة  لتأسيس جامعة حديثة في بغداد، فأخذ قادة الرأي يعملون على أخراج مشروع الجامعة من نطاق الدراسة والبحث إلى حيز التطبيق والتأسيس، لاسيما بعد ان توسع التعليم وتوقف إرسال البعثات الدراسية إلى البلدان الغربية بسبب نشوب الحرب وظروفها الرهيبة في أوربا، فتشكلت لجان لهذا الغرض، توصلت إلى وضع أسس لائحة الجامعة، وصدر قرار مجلس الوزراء، بجلسته المنعقدة في 25 /أيار /1946، يقضي بتأسيس الجامعة التي ضمت تحت لوائها كليات الحقوق والآداب والعلوم والصيدلة والهندسة والطب، وعملاً بتوصيات عقراوي ولجنة هاملي فقد أستثنيت دار المعلمين العالية، ويعد هذا القرار أول قرار بهذا الخصوص، لكنه لم يوضع حينذاك موضع التطبيق.

لجنة مورغان سنة 1948:
 وجهت وزارة المعارف في مطلع سنة 1948 دعوة إلى الخبيرين البريطانيين مورغان ودارون، وفور وصولهما إلى بغداد، أنضم إليهما متي عقراوي الذي كان يشغل منصب المدير العام للتعليم العالي آنذاك فتشكلت منهم لجنة عرفت بـ(لجنة مورغان).
 أشار مورغان بأن تقريره ليس الا دراسة أولية واستطلاعية عن حالة التعليم في العراق، موضحاً أن الغاية من تأسيس اية جامعة هي توفير وإعداد الكوادر التي يحتاجها المجتمع، وتتطلبها الدولة في مختلف الاختصاصات، ومن أهداف تأسيس الجامعة هي توسيع آفاق المعرفة في جو مشبع بالحرية والخيال والقيام بأجراء البحوث التي تتناول مشاكل البلاد الخاصة، وأثنى على كلية الطب، وتوصل إلى أستنتاج مفاده، بأنها الكلية الوحيدة التي يمكن ان يقال أنها بلغت مستوى كلية جامعية.
 قدمت اللجنة الجديدة المتكونة من مورغان ودارون وعقراوي تقريرها، الذي نص على ان تأسيس كليتي العلوم والآداب من الأمور التي تدعوا إليها الحاجة عند وضع هيكل الجامعة، وفيما يتعلق بدار المعلمين العالية فقد أعجب أعضاء اللجنة بارتفاع مستوى الدراسة فيها، غير ان اللجنة فضلت الطريقة الانكليزية في اعداد المعلمين على الطريقة الأمريكية، فأوصت ان يلحق الطلاب اولاً بكليتي الآداب والعلوم لنيل الدرجة العلمية ثم يتابعون بعد ذلك الدراسة الاختصاصية في قسم للتربية يستحدث في الجامعة، فضلاً عن تأكيد اللجنة على ضرورة ان تكون الجامعة مرتبطة بقضايا المجتمع الذي تقوم على خدمته، فأقترحت أن تؤلف الحكومة لجنة لا يتجاوز عدد أعضائها العشرة ممن لهم مؤهلات خاصة لوضع مشروع متصل لتأسيس الجامعة وأتخاذ الخطوات اللازمة لتنفيذ المشروع.
 مما لاشك فيه، أن عقراوي قد ترك أثراً ايجابياً وبصمات واضحة على أغلب مواد تقرير مورغان، لاسيما فيما يتعلق بتسمية الجامعة ووظائفها ومؤهلات القبول فيها، فضلاً عما يتعلق بكليتي الآداب والعلوم ودار المعلمين العالية، والدراسات التربوية ودستور الجامعة ولجنتها ورئيسها وقد عبر مورغان عن هذه الآثار وتلكم البصمات بقوله وهو يعرب عن شكره وامتنانه للمساعدات القيمة والنصائح السديدة التي أبداها عقراوي للجنة بالقول:"لا يسعنا الا ان نخص بالشكر للدكتور عقراوي المدير العام للتعليم العالي، إذ كان الداعم لنا في جميع أعمالنا بالعراق، وحققت مصاحبته لنا في زياراتنا خير الاتصالات، فشاهدنا كل ما أردنا أن نرى، واستشعرنا في أسفارنا الراحة التامة، وما علينا إلى ان نسجل بالغ أعجابنا بمعرفته العميقة وحكمته الناضجة, وشكرنا لما بذل لنا بسخاء في هذا المضمار".
 باشرت اللجنة أعمالها في تموز 1948، فبادر عقراوي إلى تقديم مقترح يقتضي بتأسيس ما سمي بـ(الكلية التوجيهية) على أساس رفع مستوى خريجي الثانوية ليكونوا مؤهلين للدراسة الجامعية – وتقوية الطلبة في لغة أجنبية للتوسع في الدراسة المذكورة، ولاحتمال استقدام أساتذة أجانب، لا يعرفون اللغة العربية وتقرر مبدئياً ان تكون الانكليزية هذه اللغة، وأن تقوم هذه الكلية بتصفية خريجي الثانويات كي لا يدخل الجامعة, الا من وصل إلى مستوى مناسب.
 كان ذلك في الوقت الذي  رأت فيه وزارة المعارف ان الطريقة العملية لتأسيس الجامعة هي الشروع بتأسيسها قبل تشريع نظامها، انسجاما مع توصيات لجنة مورغان، فأنشأت سنة 1949 (كلية العلوم والآداب) التي أصبحت نواة لكليتي (العلوم والآداب) والكلية التوجيهية.
 يعد تأسيس كلية العلوم والآداب هو بمثابة غرس البذرة الأولى للتعليم الجامعي الصحيح في البلاد، وحسب رؤية عبد الجبار عبد الله، ان هذه الكلية هي النواة الحقيقية لجامعة بغداد.
 خلال السنوات الممتدة من 1949 إلى 1957 وهي فترة عمل عقراوي كممثل للعراق في منظمة اليونسكو وبحكم كونه مديراً لدائرة المساعدات الفنية في المنظمة المذكورة آنذاك, فقد اصبح دوره حلقة الوصل بين الحكومة العراقية وبالأخص وزارة المعارف وبين المنظمات الدولية، ففي شهر أيلول سنة 1950، أرسلت منظمة اليونسكو إلى ديوان وزارة المعارف العراقية مطالعاتها حول تأسس الجامعة العراقية ضمنتها آراء عقراوي مندوب العراق لديها وكذلك آراء الخبراء والفنيين الآخرين حول الموضوع، وذلك تلبية لطلب الحكومة العراقية التي أبدت رغبتها في معرفة رأي اليونسكو في مشروع تأسيس الجامعة العراقية.
 أدى عقراوي دور الوسيط بين منظمة اليونسكو التي كان يشغل فيها منصب مدير دائرة المساعدات الفنية حينذاك وبين الحكومة العراقية، وفي سنة 1950 كتبت اليونسكو إلى منظمة، تبلغها بأن عقراوي، قد قدم كافة الأبحاث التي جرت بينه وبين وزارة المعارف العراقية حول أنشاء الجامعة العراقية, وأبدت منظمة اليونسكو استعدادها لتقديم المساعدات اللازمة.
 وفي 26 كانون الأول سنة 1950، حضر عقراوي في ديوان وزارة المعارف وتباحث مع خليل كنه وزير المعارف حول الجامعة العراقية وإعداد الخطوات اللازمة لإنشائها، وقد حضر هذا الاجتماع معظم عمداء الكليات، فضلاً عن حضور أعضاء لجنة الجامعة التي أوكل إليها وضع مسودة اللائحة القانونية بتأسيس الجامعة، وقد عرض عقراوي مع المجتمعين الأخرين مع الوزير مقترحاتهم الأخيرة بصدد نظام الجامعة وبناياتها وملاكها، وقد رجح المطلعون آنذاك بأن هذا الاجتماع هو الأخير قبل ان تبت وزارة المعارف بمسودة اللائحة إلى مجلس الوزراء لإقرارها وإرسالها إلى مجلس الأمة (النواب والأعيان) لتشريعها.
 أنشأت وزارة المعارف في مطلع سنة 1951 مجلساً للتعليم العالي، برئاسة مدير الآثار العامة ناجي الأصيل، بموجب نظام أصدرته برقم (16) لسنة 1951، تكون مهامه الأساسية التنسيق بين الكليات وأعداد الوسائل اللازمة لرفع المستوى العلمي للكليات القائمة، بهدف التمهيد لتأسيس الجامعة المرتقبة.
 تألف مجلس التعليم العالي من أعضاء دائميين هم: وزير المعارف وعمداء الكليات وعضو واحد تنتخبه كل كلية من بين أساتذتها وأعضاء أضافيين ينتخبهم الاعضاء من ذوي المكانة الاجتماعية , ومنح المجلس صلاحية أتخاذ الخطوات اللازمة لتأسيس الجامعة، غير انه أخفق في مساعيه، ووجهت إليه انتقادات فتم إلغاؤه في 8 /حزيران/ 1953.
 استمر عقراوي في مسعاه لتأسيس جامعة بغداد لمدة عشر سنوات ما بين سنتي 1943و1953، فقدم الدراسات ومناقشاتها مع اللجان وبعد تلك الدراسات أصبح تأسيس الجامعة قضية أساسية، إذ ايده في مسعاه وزير المعارف حينذاك عبد المجيد القصاب، الذي اعد اللائحة الخاصة بها في سنة 1953 ، وقد نشر مشروع لائحة قانون جامعة بغداد، الذي رفعته الوزارة المشار اليها إلى ديوان مجلس الوزراء، وأيدت رأيها في ضرورة الإسراع بتحقيق مشروع جامعة بغداد، الذي وجد عقراوي فيها أعداد دراسة ثقافية حرة والأعانة على البحث والتقدم العلمي، ونشر الثقافة والفضائل الخلقية الجامعية والنهوض بها، وان فكرة انشاء تلك الجامعة تقوم على اساس جمع الكليات القائمة، وتوحيد انظمتها على اسس سليمة، وجعلها منظمة حكمية مستقلة عن ادارة وزارة المعارف مالياً وادارياً.
 قدم عقراوي لائحة جامعة بغداد إلى كافة الكليات بغية دراستها من قبل مجالس الأساتذة فيها، وموافاة اللجنة المختصة بآرائهم ومقترحاتهم بصدد هذه اللائحة الموضوعة تمهيداً لمناقشاتها في مجلس الوزراء، الذي أقرها في 8 آذار سنة 1954، وأرسلها إلى مجلس الأمة لتشريعها، وقدمت لجنة شؤون المعارف في مجلس النواب تقريرها إلى رئيس المجلس بعد ان عقدت (12) جلسة، ناقشت فيها اللائحة، بعد ان أدخلت عدة تعديلات عليها.
 تجددت المناقشات في مجلس النواب والأعيان، وأخيراً تم أصدر قانون جامعة بغداد ذو الرقم (60) لسنة 1956، وبذلك ظهرت الجامعة إلى حيز الوجود من الناحية القانونية، وليس الفعلية ، وأعرب وزير المعارف وقتذاك منير
القاضي، عن أمله في تنفيذ هذا القانون، وأختيار رئيس للجامعة وتعيين مجلسها، واتخاذ الاجراءات اللازمة لاقامة مدينة جامعية أختارها عقراوي في ان تكون بمنطقة الجادرية تعيد أمجاد العراق العلمية.
 بقي قانون جامعة بغداد لسنة 1956 معطلاً أكثر من سنة كاملة، ولم يشرع في تنفيذه حتى أواخر سنة 1957، حينما تم تعيين متي عقراوي أول رئيس لجامعة بغداد، بموجب الارادة الملكية رقم (50) والصادرة بتاريخ 21/ آب /1957، براتب شهري قدره (240) ديناراً مع مخصصات شهرية قدرها (100) دينار، ثم عين أربعة من الأساتذة العراقيين أعضاء في المجلس التأسيسي للجامعة، ثم أضيف إليهم عضو خامس.
 عقد وزير المعارف عبد الحميد كاظم في 26 /آب/ 1957، مؤتمراً في ديوان الوزارة، ضم عمداء المعاهد والكليات، تحدث فيه متي عقراوي عن تأسيس الجامعة وأهدافها وواجباتها، مشيراً في الوقت نفسه إلى ان هدف الجامعة هو اعداد أخصائيين وقادة لجميع النواحي الفكرية والعلمية في العراق، وان تكون هذه الجامعة مركزاً للأبحاث العلمية لخدمة الدولة والمجتمع في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية.
 قرر عقراوي في 27 /تشرين الثاني /1957 في الجلسة الأولى للمجلس التأسيسي لجامعة بغداد، ربط الكليات برئاسة الجامعة، وأوصى ان يكون الارتباط إدارياً وفنياً، على ان لا يعد هذا الربط ضماً للكليات حتى يتم دراسة وتنظيم كل كلية حسب ما يقتضيه القانون، ثم ضمها نهائياً للجامعة.
 أعقب ذلك صدور امر وزاري من وزارة المعارف بتاريخ 10/ كانون الأول/ 1957، يقضي بربط الكليات بجامعة بغداد ربطاً فنياً، وشمل الأمر كليات (العلوم والآداب والهندسة والتجارة والاقتصاد والحقوق والملكة عالية ودار المعلمين العالية ومعهد الهندسة الصناعية في حين أصبحت كليتا (الطب وطب الأسنان) و(الصيدلة والكيمياء) تابعتين فنياً للجامعة وإدارياً لوزارة المعارف.
 باشر عقراوي أعماله في جامعة بغداد بعد اجتماعه الأول في المجلس التأسيسي بتاريخ 27 /تشرين الثاني/ 1957 في تنفيذ احكام مواد قانون جامعة بغداد، وتمكن من خلال جلساته المستمرة من تعديل قانون جامعة بغداد بعد موافقة مجلس الامة، وتمتع بصلاحيات مجلس الجامعة وأصبحت مدته اربع سنوات بدلاً من سنتين.
 في 16 آذار 1958، وبناءاً على ما نصت عليه المادة السادسة والعشرون من مشروع أنشاء جامعة بغداد للجنة هاملي بانه"يجوز للجامعة ان تسمح بانضمام اية كلية أو معهد في العراق إلى الجامعة، مادام هذا المعهد يقدم لطلابه تعليماً يكون في مستوى التعليم الجامعي"، وبناءا على ذلك أقترح عقراوي بصفته رئيساً للمجلس التأسيسي لجامعة بغداد على وزارة المعارف بضرورة الحاق (المعهد العالي للتربية البدنية)، بالجامعة أسوة ببقية المعاهد والكليات.
 أقام عقراوي في يوم 19/ حزيران/ 1958 أول أحتفالية للتخرج حضرها الملك فيصل الثاني وكبار الموظفين ورجال الدولة، فأعتلى عقراوي منصة الخطابة، وبين تضافر الجهود والانجازات خلال سبعة أشهر الأولى التي مضت في سبيل النهوض بمشروع الجامعة العراقية، ومما جاء في خطاب عقراوي:"أملنا ان نجعل من جامعة بغداد جامعة راقية خلال السنوات العشر القادمة وان تضم بين جدرانها فئة منتجة من الأساتذة الأعلام، وبناء الجامعة في بقعة بعيدة من الضوضاء الخارجي، ولقد حرصنا ان يكون المشروع عاماً تعضده جميع الهيئات الرسمية والخاصة، وهدفنا الرابع هو ان نجعل من الجامعة مركزاً ينبثق عنه الروح العلمي الصحيح والخلق المتين لتكون الجامعة مصدر أشعاع وهدى لهذا البلد، وحصناً منيعاً يحفظ تراثنا من الاندثار، وهدفنا الخامس والمهم هو استغلال هذه الجهود بكاملها في أنتاج الرجل الجامعي الأفضل والمرأة الجامعية الفضلى.. على ان مستقبل الجامعة البعيد مرهون بمن تعدهم من نوابغ الشباب العراقي لكي يحتلوا مناصب التدريس العليا في الجامعة، إذ الجامعة بأساتذتها... أننا نعيش في عصر جهاد وكفاح، ومن أهم وسائل الفوز في هذا الكفاح هو نشر العلم".

عن رسالة (متي عقراوي ودوره...)