شارع الرشيد...  بين الابقاء والتجديد

شارع الرشيد... بين الابقاء والتجديد

رفعة عبد الرزاق محمد
على الرغم من الدراسات والمقالات والنبذ الكثيرةالتي تناولت شارع الرشيد، قلب بغداد النابض، رغم قساوة الامراض الي اعتورته، واغلبها تتحدث عن الجوانب التاريخية والاجتماعية، فأن الحديث عن هذا الشارع الفريد في موضوعه جملة وتفصيلا لاينقطع. فما ان تذكر بغداد، حتى يذكر شارع الرشيد، بأبنيته الجميلة واسواقه الباذخة ومساجده القديمة ومحلاته العريقة واناسه الطيبين.


  وعلى الرغم من اهميته التراثية والمعمارية، وبقائه احد ابرز معالم بغداد القديمة، فقد تعرض للعديد من النكبات، غير ان نكبته الاخيرة بأغلاق اقسام مهمة منه، وتحول الكثير من وظائف ابنيته ومنشآته الى غير ما كان عليه قبل عقود، كانت الاكبر. والمتجول في الشارع في يومنا، ينتابه الاسف لما آل اليه، غير ان النكبة ـ في حقيقتها ـ غير جسيمة، فالشارع لم يزل يمتلك نحو خمسين بالمئة من ابنيته القديمة التي شيدت في النصف الاول من القرن المنصرم، ونحو سبعين بالمئة من رواقه الشهير بأعمدته الطويلة، وهي ـ كما يبدو ـ هوية الشارع. كما ان مسار الشارع لم يتغير الا في منطقة السنك، بسبب الجسر الذي يربط جانبي المدينة ويقع شارعنا تحت نهايته الشرقية.

  واليوم يتجدد الحديث عن احياء شارع الرشيد احياءا شاملا، ولا حديث عن اعادة الحياة اليه الا باعادة تعمير وتجديد ابنيته التراثية الباقية ورواقه الشهير.
  وسنقف في هذا المقال السريع على جملة من المقترحات، يعتقد كاتب هذه السطور، جديرة بالنظر مع الخطط والمقترحات الاخرى.
ــ ــ ــ ــ ــ
اني اخشى على الشارع بعد تصاعد صيحات المطالبة بأصلاح امره، او التسرع بأتخاذ القرار، من خيال التطوير وتجريبية الشركات الهندسية التي يعهد اليها تنفيذ عملية التطوير المعماري. فالشارع وحدة واحدة ليست لها صلة بما حولها من محلات وجسور، فتلك لاتتصل مع الشارع الا بمنافذ محددة، والحديث عنها ليس محله هنا.
   ومنذ البدء، كانت للشارع حكاية معمارية متميزة، فلم تعرف بغداد قبل فتح شارع الرشيد عام 1916، سوى شارع ضيق يمتد من سوق الخفافين وينتهي عند رأس جسر الاحرار، هو ما يدعى بشارع المستنصر او النهر. ولعله من بقايا دار الخلافة العباسية التي كانت تضم قصور الخلفاء و حريمهم وما يتصل بمقر الخليفة. وتذكر كتب الخطط البغدادية انها كانت تمتد من شارع السمؤل (البنوك) حتى محلة المربعة وتطل على دجلة , وهو على اية حال لايمكن تسميته بشارع، او قل انه زقاق عريض على غير ما عرف في ازقة بغداد.
  ان جميع ازقة بغداد الرئيسة كانت تبدأ من نهر دجلة تمتد عموديا او شعاعيا الى مختلف اطراف المدينة (انظر الى خرائط ابغداد في القرون المتاخرة)، كما ان معظم الاسواق البغدادية القديمة يشملها هذا النظام، وان الكثير من هذه الازقة تمتد الى ما هو قريب من سور بغداد المزال عام 1870، على عهد الوالي مدحت باشا (وكان هذا الامر من اسوأ اجراءات هذا الوالي) او قريبا من السدة الشرقية التي اقيمت لحماية الجانب الشرقي من فيضان دجلة، وقد اقيمت عام 1909 واستمر امرها الى اواخر الخمسينيات حيث ازيلت. فكان شق شارع الرشيد عام 1916 من شمال المدينة الى جنوبها، تقطيعا لهذا النظام، وعلى غرار الامر نفسه شق شارع  السعدون عام 1932 وشارع غازي (النضال) عام 1936، فشارع الشيخ عمر في نفس العام،  فشارع الخلفاء عام 1957. والامر نفسه في جانب الكرخ.
   يبلغ طول شارع الرشيد من الباب المعظم الى الباب الشرقي  (120و3) كم، وهذه المسافة في الربع الاول من القرن العشرين هي طول مدينة بغداد القديمة من جانبها الشرقي (الرصافة) اما الجانب الغربي (الكرخ) فهو اصغر من ذلك، وعرض الشارع لايتعدى (5و12) مترا، غير ان السائر مشيا في الشارع لايكاد يشعر بطول الشارع بسبب الرواق الطويل على جانبي الشارع، وهو العلامة الفارقة للشارع وسر جماليته.
  ويبدو ان الوعي بحماية الشارع والحفاظ على تراثه، قد بدأ منذ ثلاثينيات القرن الماضي، فمما ذكره المرحوم محمود صبحي الدفتري في بعض ما املاه، انه في عهد امانته للعاصمة في الثلاثينيات اراد توسيع شارع الرشيد في بعض مناطقه، الا انه واجه معارضة شديدة، فرد على منتقديه انهم سيندمون على معارضتهم في المستقبل!، وفي عام 1946 بدأت امانة العاصمة في تطوير شارع الرشيد، الا انها اختارت وسيلة هدم بعض المؤسسات التراثية، ومنها جامع مرجان فقد كانحائط الجامع على الشارع كبيرا وجميلا، الا ان معاول الهدم لم تبقي عليه، مما اثار حملة نقد كبيرة لجرأة الامانة بهدم هذا الاثر الذي يرقى الى العهد المغولي، ولعبت جريدة (صوت الاهالي) دورا كبيرا في ذلك. وكان المقال الشهير لصاحبها الاستاذ كامل الجادرجي، تحت عنوان (هدم جامع مرجان بآثاره الفريدة جناية على الفن) حديث الرأي العام، فبعد حديثه عن تارخ بغداد الغني الحافل وفقره بالوقت نفسه بآثاره القديمة، قال:
...  فوجيء الناس بهدم الجامع والظاهر ان امين العاصمة الذي اعتبر هذه القضية قضية شخصية، عد نفسه مخذولا، فجدد نشاطه، واستعمل نفوذه الشخصي لدى الوزارة الحاضرة التي لم تعتبر قرار الوزارة السابقة بهذا الشأن قرارا نهائيا، فأستصدرت قرارا مستعجلا بهدم الشارع. وكم كانت دهشتي عظيمة عندما رأيت العمال يهدمون البناء من دون ان تكون هناك عناية بالمحافظة على تلك الاثار النفيسة، فكانت الكتابات والزخارف تتحطم وتنهار تحت الانقاض من غير ان يكون هناك مراقبة ما من جانب مديرية الاثار، فذهبت الى تلك الدائرة مستفسرا عن هذا العمل الشائن، فقيل لي انه لم يكن للدائرة سابق علم بهذا القرار الاخير،وانها في تلك الحالة لم تتمكن من انقاذ تلك الاثار الا بنسبة ضئيلة، وهكذا تلاشى هذا الاثر النفيس نتيجة قرار طائش.
  والحقيقة ان تجميل المدن اصبح فنا رفيعا يحتاج الى ثقافة واسعة ودراسة شاملة، بالاضافة الى الاختصاص والتنظيم فيما يتعلق بالفن المعماري وتاريخ المدينة التي يراد تجميلها او اعادة تنظيمها، والصفة الخاصة التي تمتاز بها ايضا. فليس تجميل المدينة معناه تخطيط الشوارع بالمسطرة من دون الالتفات الى ما يجب صيانته من اثار نفيسة قيمة ان وجدت...فحتى في المدن التي لا تعترض الاثار التاريخية تخطيطها اصبح التخطيط يعين بموجب انحرافات اصطناعية خشية ان تكون الاستقامات الطويلة مملة، وبهذا الاعتبار لا يتطلب تجميل مدينة بغداد نفسهاان تكون شوارعها على هذه الاستقامة المملة، بل كان يجب ان تراعى فيها قبل كل شيءالمحافظة على البقية الباقية من لآثارها القديمة. (صوت الاهالي 9 نيسان 1946).
  وعندما تاسس مجلس الاعمار في الخمسينيات ووضعت الاموال الكبيرة لمشاريعه، لم يضع المجلس اي من الخطط العمرانية للتوسيع او تطوير ماهو كائن، بل كانت المشاريع العملاقة والطرق الكفيلة لانهاض العراق بشكل عام هو الاصل الذي اسس المجلس لاجله. ولم يعد الحديث عن تطوير شارع الرشيد الافي السبعينيات، ضمن تطوير العاصمة بشكل عام، غير ان تنفيذ ما يتعلق يشارعنا لم ير النور. اما السنوات التالية فقد كانت عملية تطوير الشارع لم تتعد طلاء ابنيته واعمدته ليس الا، واستمرت عمليات التشويه على قدم وساق، على الرغم من الكتابات الصحفية الخجلى.
                                ــ ــ ـــ ـــ ـــ
   لعل اهم ميزات الشارع وجماليته هو الرواق الطويل الذي يعد هوية الشارع، وهو الرواق الذي يحمي المشاةعلى جانبي الشارع من الشمس والمطر والضجيج، ويعطي الرواق شخصية موحدة لجميع ابنية الشارع.
   والملاحظ ان معظم الابنية التقليدية المشيدة على الشارع ـ سوى الاثري منها ـ يرجع تاريخها الى ما بعد عام 1920، فقد استعمل فيها نظام العقادة بالحديد (الشيلمان)، وهذا ما اثر على نظام اعمدة الرواق، فالمسافة بين عمود وآخر لايزيد عن اربعة امتار تقريبا. اما الابنية التي هي اقدم من ذلك،فكانت غير متقدمة باعمدة او رواق. وفي الصور القديمة للشارع نرى عددا من الاماكن الخالية من الرواق واعمدته. غير ان بعض الدور القديمة التي اصبحت مطلة على الشارع بعد  شيدتاضافات جميلة من الغرف بشناشيل بغدادية رائعة، استندت الى اعمدة، واستمر من تحتها رواق الشارع  كبيت عارف اغا وبيت القيماقجي وبيت الملا حمادي. اما بناية شركة لنج للملاحة النهرية المشيدة عام 1906، فقد كان بابها الكبير في شارع النهر، ولكن بعد فتح شارعنا، اضافت مانراه اليوم مطلا على الشارع كما اعتقد، وان كانت اعمدة رواق بيت لنج على غير ما الفناه من اعمدة الشارع الاسطوانية، وهو مايتميز به الشارع.
   ومن المؤسف، لم تلتزم الجهات الحكومية او الاهلية بنظام الرواق التقليدي لشارع الرشيد في الابنية التي شيدت في الشارع في العقود التالية.
يذكر الدكتور احسان فتحي:
ابتداء من منطقة البنوك والشورجة، سمحت اامانة العاصمة لابنية تجارية وادارية مرتفعة مثل بنك الرافدين (15 طابقا) والعمارة المقابلة لجامع مرجان (8 طوابق) وعمارة البدوي (12 طابقا  60 بالمئة من جميع الابنية في الشارع) وعمارة الاوقاف في شارع سينما الخيام (12 طابقا) وعمارة المواصلات (11 طايقا) وعمارة مواقف السيارات (6 طوابق). اني اعتقدبأن السماح لمثل هذه الابنية المرتفعة مباشرة على شارع الرشيد قد افسد الكثير من خصوصية الشارع، ولا انطلق هنا من موقف مبدئي ضد المباني العالية، ولكن ارى بان السماح لطابقين فوق الطابق الارضي يجب ان يكون الحد الاعلى يشكل عام. ومما يؤسف له ايضا، ان الامانة لم تبادر في ابنيتها (مثل السوق العربي ومواقف السيارات) الى الالتزام بمبدآ الرواق. ويبلغ عدد الابنية التي تقل عن ثلاثة طوابق 172 بناية اي بنسبة60 بالمئة من جميع ابنية الشارع، اما الابنية التي تقل عن ستة طوابق والى ثلاثة طوابق تبلغ 102 بناية والابنية التي تتراوح من ستة طوابق الى 15 طابق ينسبة 35 بالمئة والابنية التي تتراوح من ستة طوابق الى 15 طابق تبلغ 14 بناية اي بنسبة 5 بالمئة. وتشير هذه الارقام الحقيقية الى مدى الخطورة التي تهدد الان هذا الشارعبالزوال الى شارع آخر في بغداد. (حكاية معمارية مثيرة . مجلة الرواق لسنة 1983)
هذا ماكان عليه الامر قبل ثلاثة عقود، ولم يستطع احد الاستدراك على ما آل اليه الشارع من مصير مجهول، ومما اسعف الشارع ان تتوقف المشاريع العمرانية الكبيرة في نهاية الثمانينيات ثم توقفها تماما بعد المغامرة الطائشة لاحتلال الكويت وماعقبها من تداعيات، اوقفت مشاريع الدولة وخططها، وما جر ذلك من توقف المشاريع العمرانية الخاصة. اما اليوم، ووفق تنامي فكرة تطوير الشارع، وما رصد عليها من ميزانية ضخمة ـ كما قيل ـ، والطلب الملح لحماية الشارع والحفاظ عليه شكلا ومضمونا، بعد انحطاط امره في السنين اللاخيرة، يعتقد كاتب هذه السطور ان تتم عملية احياء الشارع وبعثه من جديد، وفق النقاط التالية:
1ـ شمول ابنية الشارع الباقية بقانون الحفاظ على الابنية الاثرية، المطلة على الشارع او التي تبعد عنه بما لايقل عن 25 مترا.
2 ـالشروع بتعمير او تجديد هذه الابنية بما يبقي على معالمها بنسبة لاتقل عن 75 بالمئة.
3 ـ ان يكون احياء معالم الشارع الرئيسة بشكل استثنائي، وهي ا ـ العمارات القديمة مثل بيت لنج.ب ـ البيوت التراثية مثل بيت الخضيري. ج ـ المقاهي التراثية مثل مقهى حسن عجمي. د ـ  الجوامع القديمة مثل جامع الحيدرخانة.
4 ـمنع مرور السيارات منعا باتا وجعله شارعا خاصا بالمشاة والمركبات التراثية.
5 ـ لابأس من وضع بوابات باسلوب العمارة البغدادية للاسواق الرنيسة المرتبطة بالشارع وهي اسواق: الهرج وشارع المتنبي وعكد الجام والصفافير و الشورجة وتحت التكية والبزازين.
6 ـ وضع لوحات مناسبة للتعريف باسماء البنايات التراثية الباقية في الشارع واسماء المحلات التي يمر بها او اشهر المرافق الادارية والاجتماعية والتجارية فيه.
   هذا ما اود بيانه في هذه العجالة، متمنيا لكل الجهود المبذولة، والاراء المطروحة، التوفيق والنجاح، خدمة لمدينتنا الزاهرة مدينة السلام والحضارة.