هكذا مرت الأيام..ثمانية عقود من حياة الكاتبة بلقيس شرارة

هكذا مرت الأيام..ثمانية عقود من حياة الكاتبة بلقيس شرارة

بغداد/ أوراق
حقيبة جمعت ما بين المتعة والفرح والمعاناة والألم والغبن وفراق الأعزة، انها حصيلة ثمانية عقود من حياة الكاتبة بلقيس شرارة ضمها كتاب بعنوان (هكذا مرت الأيام) والصادر عن دار (المدى) للثقافة والنشر. مشيرة الى ان الذكريات حقائب تجارب وأمزجة ملونه تختلف عن حقائب السفر التي تضم اشياء ملموسة تسافر مع أصحابها، فهي تذوب وتختفي مع الزمن بانتهاء حياة الانسان.

 تذكر شرارة انها ولدت عام 1933وهو العام الذي تقلد فيه هتلر منصب رئاسة الحزب النازي في ألمانيا، وأدى ذلك الى صراع دام جر دول العالم الى الدمار الذي خلفته الحرب العالمية الثانية، وفيه ايضاً وفاة الملك فيصل الأول في العراق، وهيمنة نوري السعيد تدريجياً على السلطة التي ادت الى صراع. ومن ذكرياتها في بغداد وبالتحديد في حي الأعظمية بعد انتقال اسرتها من النجف، تقول: كانت غرف دارنا صغيرة لدرجة لم تكن تتسع غرفة الضيوف إلى طقم الكنبات، فاحتوت نصفه، ووزع النصف الآخر على الغرف الأخرى، فضاقت المساحات فيها ولم يعد باستطاعتنا التنقل في غرف النوم إلا بحذر، ننتبه دائما كي لا نصطدم بالأثاث ونعّرض أجسادنا للأذى. فالدار صندوق من طابقين، بجدران من الطابوق وأرض من الطابوق الأصفر الفرشي، خلا من ألوان الطبيعة الزاهية وطغى اللون الرملي على مساحاته، وغابت خضرة الأشجار التي كان بعضنا يستظل بظلها والبعض يجعل منها لعبة مهمة يتنافس بتسلقها . كانت ساحة الدار الداخلية صغيرة لدرجة ضاقت بها حتى رقعة السماء، وقلت النجوم المتلألئة التي ترصعها في ليالي بغداد الصافية. وبخصوص اختها حياة تذكر عن شعورها بانها مراقبة في الكلية والدار، إنه شعور مخيف، تاكدت منه عندما نظرت من النافذة إلى حديقة دارها، فالتقت عيناها بعيون اخترقت الجدار وتجمدت بمكانها. عرفت أنها مراقبة كما كان زوجها قبل أن يصاب بجلطة في الدماغ. شعرت حياة أنها محاصرة من جميع الجهات، فطلبت عندئذ إحالتها على التقاعد، لكن العميد رفض طلبها، ثم قدمت طلباً للسفر مع ابنتيها خارج العراق، ورفض طلبها، لأنها تحتاج إلى محرم. وكانت ابنتها مها تحس بإحباط كامل نفس إحساس والدتها. حتى انها استغلت غياب والدتها وشقيقتها زينب عن الدار لتنفذ خطتها، ذهبت إلى الحمام وأغلقت الباب عليها وفتحت قنينة الغاز، وانساب رحيق الحياة من بين أطراف بدنها. عادت حياة مع ابنتها زينب إلى الدار، وأحست برائحة الغاز، وتوقعت ما كانت تفكر به هي، فقد خطرت لها فكرة الانتحار والتخلص من أعباء الحياة من قبل، لكنها فوجئت عندما سبقتها ابنتها مها. كانت مها ملقاة على أرض الحمام. نظرتْ حياة حولها، مها ممدة أمامها، رفعتْ رأسها ونظرات اليأس تهيمن على ملامح وجهها عندما التقت نظراتها بنظرات ابنتها زينب! ولكن عادت ونظرت نظرة ساهمة وكأنها في عالم آخر. ما الذي ستفعله الآن، مها انتحرت، مها جثة هامدة أمامها. وتروي عن زوجها الذي عاشت معه ستة عقود من حياتها رفعة كامل الجادرجي فتقول:
التقيت برفعة، وذهبنا سوية لدار والده. كان والده متحفظاً، حذراً، متهيباً في البداية، يخشى الفتيات النشطات في السياسة لتجربته المريرة مع بعض الفتيات والنساء المنتميات لمنظمة الرابطة النسائية، والحزب الشيوعي، ولسلوك بعضهن البعيد عن اللياقة أحياناً. كانت معلوماته عني قليلة، مبعثرة، مبالغا فيها عن نشاطي السياسي. وكان يعلم أنني فصلت من الكلية وخسرتُ عاماً دراسياً. دخلتُ من المدخل الخاص بضيوف أبي رفعة وليس من الباب الرئيسي. وجدته واقفاً قرب النار، إذ كان اللقاء في منتصف شهر تشرين الثاني عام1953 صافحته، وطلب مني أن أجلس على الكرسي الذي أمامه، وجلس رفعة بجانبي. كنت مستمعة معظم الوقت، لا أجيب إلا إجابات مقتضبة. كان السؤال الأول الذي وجهه لي عن والدي وعن وضعه في السجن. أخبرته أن مدة السجن ستنتهي بعد بضعة أسابيع.
ثم جاءت أمينة شقيقة رفعة، بعد أن سلمتْ عليّ، توجهت نحو المدفأة، وظلت واقفة وظهرها مواجه للنار، تتحرك بين حين وآخر لتغير الموقع، تبتعد تارة عنها وتقترب تارة أخرى منها، واقفة طيلة المدة حتى قُدم الشاي. دخلتْ أم رفعة، وجلست بجانب ابنتها أمينة بعد أن سلمت عليّ، ظلت صامتة، ولم تنبس بكلمة، بل استمرت تتطلع بي، تتفحصني بدقة، لا ترفع عينيها عني! فأم رفعة امرأة محافظة في تفكيرها، نشأت في بيت يتمسك بالتقاليد الصارمة حول المرأة، كانت راغبة بزواج ابنها من إحدى قريباتها، من فتاة تعرف عائلتها معرفة جيدة، وهذا موقف طبيعي ينسجم مع مفاهيمها، في تفضيل إحدى فتيات العائلة، يتيح لها إقامة حفلة قران لابنها يكون مفخرة لها. لا أدري ما هي الخواطر والأفكار التي دارت في رأسها، فقد تطوعت بعض النسوة في نشر شائعات غريبة لا يجمعها جامع عني. لكنها باءت بالفشل في إثارة الشكوك التي يمكن ان تحول دون إقدام رفعة على الزواج من فتاة غريبة عن العائلة. علمتُ فيما بعد من رفعة من أن والدته كانت خائفة، متوجسة من تلك الفتاة الغريبة عن بيتها؟ متشككة من تسببها في زوال الصفاء السائد بين أفراد أسرتها! واضعة نصب عينيها ما ستثيره الفتاة الغريبة عن العائلة من مشاكل باقترانها من ولدها البكر بعد أن فشلت محاولاتها المتتالية لإثارة اهتمامه بصورة جدية والتقدم لخطبة إحدى فتيات العائلة. مع استمرارها في كيل المديح المباشر وغير المباشر لهن أمامه، لم يصغِ رفعة إلى المديح، بل كان جوابه دائماً قاطعاً لا مجال للشك والتراجع عنه: ماما أنا أختار الفتاة التي سأقترن بها، وسأرافقها إلى دارنا لتتعرفي عليها! ظلت تلك الفكرة تقض مضجعها وتجعلها في حالة من القلق والخوف مما يضمره المستقبل المجهول لها بزواج ابنها من الفتاة الغريبة عنها! لم تستطيع أن تفهم لمَ أقدم رفعة على مثل هذه الخطوة، فهي في حيرة من أمرها! فالعائلة هي أهم ما في حياتها، هي كيانها التي تتمثل بها منزلتها التي تكرس لها في المجتمع! وكان صعبا عليها خروج ابنها عن المفاهيم السائدة في محيطها والتي نشأت عليها منذ نعومة أظفارها. أدخل رفعة فتاة غريبة في محيطها! تؤمن بالمفاهيم اليسارية، حكم على والدها بالسجن بسبب آرائه التي لا تكترث لها، ولا تفقهها أو تعيرها أية أهمية. فتاة يعود أصلها إلى بلد آخر غير العراق، وطائفة دينية تختلف عن طائفتها فتاة ليست بالثرية أو من الطبقة الحاكمة! صفات تجمعت في فتاة تناقض ما تؤمن أو ترغب فيه لابنها البكر.
أما أبو رفعة فلم تكن تهمه مثل هذه الاعتبارات أو المعيار الأساسي من وجهة نظر أم رفعة، في اختيار الفتاة المناسبة لولده. كان يقلقه شيء واحد فقط، استمراري في الانخراط بالنشاط السياسي الذي قد يخلق له مشكلات هو في غنى عنها. وقد تبدد قلقه هذا بعد ان أخبره رفعة بقراري اعتزال العمل السياسي نتيجة تداولنا معاً بعد أن بحثنا الموضوع سوية وبالتفصيل، قبل أن ألتقي بعائلته. وعن زواجها تقول: اتفقت مع رفعت على عدم اتباع التقاليد وتحديها فلا فستان زفاف ولا حفل عرس او صورة للمناسبة. ولكن بعد نهاية السنة الدراسية، فوجئت بطلب رفعت مني السفر الى شمال العراق. وقد علمت والدتي عندما ودعتها انني لن اعود الى الدار ثانية، فقبلتني واغرورقت عيناها بالدموع.