هكذا مرت الايام..وثبة 1948 وانتفاضة 1952

هكذا مرت الايام..وثبة 1948 وانتفاضة 1952

بلقيس شرارة
معاهدة بورتسموث 1948
بدأت المفاوضات بين العراق و بريطانيا بتكتم شديد في قصر الرحاب في 7 أيار 1947، و  استمرت المفاوضات في لندن، وانتهت بالتوقيع على المعاهدة في ميناء بورت سموث البريطاني في 15 كانون الثاني 1948، واعتبرت بنود المعاهدة الرئيسية أشد وطأة من معاهدة 1930. تضمنت  إلزام العراق بالوقوف إلى جانب بريطانيا في أي نزاع تدخل فيه،

 و يسمح للقوات البريطانية باستخدام الأراضي العراقية، و على العراق أن ينفق من حسابه الخاص على القواعد و المنشآت العسكرية المشتركة، و تكون طرق المواصلات في خدمة القوات البريطانية في حالات الحرب. 
تسربت بعض بنود المعاهدة إلى الأحزاب السياسية و الجماهير، فبدأت التظاهرات في بغداد، و اشتدت المقاومة، حتى أمرت الشرطة بفتح النار على المتظاهرين.
كانت ثانوية البنين تشترك في التظاهرات، و كانت المدرسة في شارع ثانوية البنات، فحاولوا مرات عديدة أن تشارك ثانويتنا معهم في التظاهرات، و لكن المديرة أديبة إبراهيم رفعت رفضت ذلك، و اعتبرت أن الطالبات وديعة عندها و عليها المحافظة عليهن.
و لكن بعد مقتل عدد من المتظاهرين، كان من بينهم شقيق الشاعر محمد مهدي الجواهري، اشتدت المقاومة، فحاولت الحكومة تهدئة الوضع، و تراجعت السلطة عندئذ عن إبرام المعاهدة.
و بعد مرور أربعين يوماً، سمح للمدارس رسمياً أن تشارك بالتشييع، فسمحت المديرة لمدرستنا بالمشاركة، و ارتدت جميع الطالبات لباس المدرسة الرسمي، حاملات اللافتات و الأكاليل، و كتب على بعض اللافتات أبيات من قصيدة الجواهري التي نظمها بأخيه جعفر الذي قتل أثناء التظاهرات.
ثم جاءت بما أطلق عليها بـ"نكبة فلسطين" في العام نفسه و الاعتراف بأسرائيل كدولة من قبل هيئة الأمم، فسمحت لنا المديرة في المشاركة بالاحتجاج على تقسيم فلسطين، و القيتْ الخطب و ألقت ثمينة ناجي يوسف كلمة ضد تقسيم فلسطين.
لكن بدأت غيوم التوتر تتكاثف في أجواء بغداد عام 1948، و غلبت روح العداء بين المراهقين و الشباب، و أصبح التعدي أحياناً أو التحرش بالشباب و الشابات من السمات الواضحة، إذ كان شارع أبو نؤاس من الشوارع التي يتمشى فيه فتيات و فتيان الجالية اليهودية و المسيحية و المسلمة أحياناً، فبدا الحذر و تجنب السير في الشارع. لم نكن نشعر بهذا الجو فيما قبل، أصبح الجو مكهرباً، و انعكس هذا الجو في معظم أنحاء العراق و شملني رذاذه.

رابطة المرأة العراقية
حضرتُ في العطلة الصيفية لأول مرة عدة اجتماعات عقدتها منظمة رابطة الدفاع عن حقوق المرأة، التي تأسست في عام 1948، و لم تكن مجازة من قبل الحكومة، و إنما كانت جمعية سرية يسارية. كان توجيه المنظمة و الإشراف عليها بالحقيقة من قبل نساء منتميات للحزب الشيوعي العراقي. كما كان الحزب الشيوعي يشرف على حركة السلام و اتحاد الطلبة.
عقد أول اجتماع حضرته عام 1950، في دار الدكتورة نزيهة الدليمي. ذهبتُ إلى الاجتماع أنا و أختي حياة، أما أختي مريم فلم تكن تهتم بالقضايا السياسية، بل كان عالمها يدور حول الأدب، و لذا كانت منصرفة كلياً بجهودها و طاقاتها إلى دراسة الأدب و المسرح و الشعر.
حضر الاجتماع الأول ما يقرب من عشرين فتاة و امرأة، جميعهن كن من الطبقة الوسطى، فلم يكن بينهن عاملة أو فلاحة. بل كن طبيبات و حقوقيات و طالبات في الثانوية أو الجامعة. كانت تلك الاجتماعات دورية و ليست منتظمة، تعقد في بيوت مختلفة و في أوقات مختلفة تجنباً لرقابة السلطة.
خرجتُ من الاجتماع الأول متحمسة للانخراط في النضال و تلبية نداء المقاومة و الثورة في سبيل تغيير قيم و مفاهيم المجتمع التقليدي المتعلقة بشأن المرأة! و تصورت بسذاجتنا أننا سننقل العراق إلى عالم فردوسي، يتمتع بالحرية و المساواة، فقد صوروا لنا أن هنالك عالم مثالي هو الاتحاد السوفياتي. و لكني اكتشفت بعد مدة وجيزة أن هذا العالم بعيد عن هذه المثالية التي صوروها لنا.
كنا نلقن دروساً في البطولات التي قام بها كل من لينين و ستالين، اللذين أصبحا رمزاً و شعاراً للنضال ضد الإمبريالية، كانت النظرة إليهما يشوبها التقديس و التأليه، و لا يمكن نزع هالة التقديس و توجيه النقد لمثل هذه الشخصيات، فقد صُور الاتحاد السوفيتي بالجنة الموعودة، و يوتوبيا المستقبل الذي آمنا به. و اخترقت المنظمة بذلك بساطتنا و حماسنا، بالطاعة العمياء إلى اللواتي أنيطت بهن مسئولية تنظيمنا.
كنا نتصور أن سكان الاتحاد السوفيتي يرفلون بالسعادة، لأن مجتمعهم – حسبما صُور لنا - مبني على المساواة و العدالة الاجتماعية، و كم ابتعدنا عن إنصاف كتّاب من أمثال أندريه جيد عندما كتب ضد الاتحاد السوفيتي بعد عودته عام 1932، كما سخرنا من كتابات الكاتب الانكليزي أوريل، و اعتبرنا كتاباته تمجيداً للإستعمار البريطاني، و خاصة كتابيه "مزرعة الحيوانات و 1984"، و لم نفق من سباتنا إلا عندما بدأت حملة خروشيف برفع تماثيل ستالين و نقل جثمانه من الساحة الحمراء و فضح أساليبه اللانسانية في التخلص ممن يعتبرهم متآمرين! و خسرنا بذلك الأفكار التي كنا نؤمن بها، و أصبنا بخيبة أمل!
و استمرت الاجتماعات المتنقلة في البيوت، و عقدت إحدى الاجتماعات في دار إحدى الزميلات في حي المسبح، و وزعت علينا الأعمال، فطلب منا توزيع منشورات ضد السلطة في عدد من أحياء بغداد. و وقع الاختيار على شقيقتي حياة بالذهاب إلى حي بعيد عن دارنا مليء بالبيوت الطينية «الصرائف». كانت تلك الأزقة بلا إضاءة، مخيفة في المساء للعتمة التي تهيمن عليها. فاعترضتُ من جانبي معلنة عن معارضتي المطلقة، معددة الأسباب التي لا يمكن أن ترسل شقيقتي إلى ذلك الحي، إذ كانت «حياة» صبية، جميلة، صغيرة السن لم تبلغ السادسة عشر من عمرها. وجدت  نفسي في وضع لا يمكن فيه إلتزام الصمت، و أعّرض حياتها إلى مخاطر في قلب حي مجهول مخيف، تكثر في الجرائم. 
و بسبب اعتراضي، أصبحت مواعيد الرابطة تحدد من دون علمي، و أصبحت شقيقتي حياة كاتمة أسرار المنظمة لا تنبس بكلمة أمامي! و شعرت بالفجوة التي بدأت تفصلني عنها. كان اندفاع شقيقتي و حماسها يشعرني بالقلق، عاجزة عن ردعها. 
و اعتبرتُ فتاة «برجوازية!» من قبل بعض مسؤولات الرابطة! كانت هذه التسمية تطلق بصورة عشوائية. فلم تفطن المنظمة النسائية إلى أن جميع عضواتها كن من الطبقة الوسطى! إذ كان يطلق على "الطبقة الوسطى" بـ"الطبقة البرجوازية" و هي تسمية غير صحيحة، فلم يتبلور الإنتاج الرأسمالي في العراق، لتظهر الطبقة البرجوازية، و لذا جاءت هذه التسمية و غيرها من التسميات، خطأ و جهل القادة الحزبيين في إطلاق هذه المسميات، لأن البرجوازي هو صاحب المال المسخّر في الإنتاج الصناعي، و في الوقت نفسه مسيطر على إدارة السلطة.
لم تنتهي العطلة الصيفية، حتى تركتُ المنظمة و انتهت علاقتي بها في بداية العام الدراسي.

انتفاضة 1952
شّكل إضراب طلبة كلية الصيدلة و الكيمياء الذي حدث بسبب فصل أربعة طلبة من الكلية، الفتيلة التي أشعلت انتفاضة 22 تشرين الثاني عام 1952. كان موقع كلية الآداب الاستراتيجي في باب المعظم، السبب في اختياره مركزاً لتجمع الطلبة من جميع الكليات، قبل أن تبدأ التظاهرة و تجوب شوارع مدينة بغداد. كنا شباب و شابات متحمسين ضد ظلم و طغيان السلطة و إذلالها للشعب. كان اتحاد الطلبة العام الذي بقياد الحزب الشيوعي هو من يقوم بتنظيم التظاهرات و كتابة الشعارات و الإشراف عليها. انتشرت الإضرابات تأييداً لكلية الصيدلية و الكيمياء في جميع الكليات، تطالب بإعادة الطلبة المفصولين، و بحياة ديمقراطية حقيقية.
كانت سافرة جميل حافظ،  من الناشطات في التنظيم السياسي، عضوة في منظمة الرابطة النسائية و الحزب الشيوعي و اتحاد الطلبة. انتمت سراً لهذه المنظمات من دون علم أسرتها، الثرية المحافظة، التي لا تتحمل أن ينخرط بناتها في العمل الحزبي السري. كانت تدرس الأدب العربي، تقطن في دار والدها الضخم الذي يطل على نهر دجلة في شارع أبي نؤاس. و كانت من المشرفات على توجيه التجمع قبل البدء في التظاهرة، و الهتاف الذي يعيده الطلبة بحماس بالغ مرددين هتافاتها الواحد تلو الآخر. 
لم أشارك في التظاهرات في الأيام الأولى و لكني كنت أقف في مدخل الكلية، أهتف مع الطلبة الذين كانوا يتجمعون في مدخلها. كان أساتذتنا البريطانيين يتركون الخيار لنا في الحضور أو التغيب عن الدرس، و كانوا يؤمنون في حق التظاهر، فشارك الطلبة عندئذ بالهتافات و التظاهرات.
شاركت في يوم 22 تشرين لأول مرة بالتظاهرة التي خرجت من كلية الآداب، يتقدمها عدد من الطالبات، و لكن لم نصل حي «الفضل» حتى رشقنا بالغازات المسيلة للدموع و لعلع الرصاص في الفضاء، رصاص طائش موجه نحو المتظاهرين، أزيز الرصاص يصم آذاني، انجلت و تفرقت التظاهرة في الأزقة، لتعود فتتجمع ثانية و تعود إلى الشارع قوة متماسكة. كنا فريقين، الشرطة الذين يصرون على موقفهم بالرصاص و نحن نصر على موقفنا الاحتجاجي برفع أصواتنا المنددة بفصل الطلاب و إرجاعهم للكلية. لم تقتصر التظاهرات على طلبة الجامعات و إنما امتدت و انتشرت و شملت العمال و أصحاب المهن. سرنا بضعة مئات الأمتار، حتى انطلق الرصاص ثانية، من سيارات الشرطة، سقط الجرحى و القتلى، و سالت الدماء، و وجدت نفسي في أحد الأزقة الضيقة.  
عدت ذلك اليوم إلى دارنا، لا أدري كيف أختبئ من جيش المخبرين، فانتشرت أخبار التظاهرة، وعرفت بسرعة أسماء الطالبات الجامعيات المشاركات في التظاهرة، كاللافتات و الأعلام المرفوعة فيها. انتشر خبر اشتراكي بالتظاهرة، و حددت الشرطة حتى لون ملابسي و الشريط الذي كنت أرفع شعري به!! كنت أعلم أن الشرطة ستداهم الدار للقبض عليّ و على والدي. أما حياة فقد سافرت لحضور مؤتمر السلام في فينا، و نجت بذلك من إلقاء القبض عليها. اضطررت أنا و والدي إلى ترك الدار و الاختفاء عن أنظار المخبرين.  
أعتقل في ذلك اليوم عدد كبير من الناس، فلم يقتصر الاعتقال على طلبة الجامعات و الثانويات، و إنما شمل الأساتذة و العمال، و أعضاء الأحزاب من الوطني الديمقراطي و الشيوعي حزب الاستقلال و الجبهة الشعبية، و شخصيات معروفة من الكتاب و الشعراء. 
* * *
تركتُ الدار و أقمت في دار ناجي جواد الساعاتي. استحوذ القلق على تقاسيم وجه والدتي عندما زارتني خلال الأسبوع الأول في دار ناجي جواد، و طلبت مني آلا أعود إلى الدار، لأن الدار مراقبة من قبل رجال الأمن السريين. فقد أعلنت الأحكام العرفية و جرت حملة واسعة في اعتقال الناس، لم تقتصر على الطلبة و إنما شملت حتى الأحزاب العلنية التي أيدت الانتفاضة. و القي القبض على والدي بعد شهر، عندما عاد من النجف إلى بغداد، و صدر الحكم عليه بالسجن لمدة عام في سجن بغداد، لكتابته المقالات المعادية للحكومة.  
مرً ما يقارب الشهرين، قبل أن أستطيع العودة إلى دار والدي، و أصدر عميد الكلية عبد العزيز الدوري الفصل بحق جميع الطلبة الذين شاركوا في التظاهرات، و شملني الفصل من الكلية لمدة عام، و بذلك خسرتُ سنة دراسية كاملة، و كان أستاذي دزمند ستيوارت Desmond Stewart من المعارضين لقرار فصلي و لم يستطع أن يهضم فكرة العقوبات القاسية بحق طلبته، و هو حق طبيعي يمارسه الطلبة في جامعات انكلترا. كما صدرت مدد متفاوتة بحق الطلبة اليساريين و الشيوعيين. و منهم من صدرت عليهم أحكام بالسجن.
* * *
القاء القبض عليّ من قبل مديرية التحقيقات الجنائية
عدت إلى الدار بعد شهرين تقريباً، و كان وضع العائلة الاقتصادي و النفسي في غاية السوء. و قد صدر الحكم على والدي بالسجن، و مريم ما زالت تلميذة في الصف الرابع في كلية دار المعلمين العالية، و تحتاج لبضعة أشهر لكي تنهي دراستها و تحصل على شهادة بي أي BA التي تخولها الحصول على وظيفة في التدريس. و لم يعد أمام والدتي إلا أن ترهن جميع ما تملكه من مجوهرات، و طلبت من خالي أن يقوم ببيع قطعة أرض من الأراضي التي تملكها في لبنان ﻹعالة عائلتها لأننا كنا في ضائقة مالية. حاولنا - مريم و أنا - أن نفتش عن وظيفة، لكي نساعد العائلة من الضيق الذي كانت تمرّ به. فوجدت عملا ككاتبة طابعة في المصرف الصناعي خلال العطلة الصيفية.
انتهى الشهر الأول و جلبت راتبي و سلمته لوالدتي، و اغرورقت عينها بالدموع، قائلة لي و الألم باد في كلماتها: كان عليك أن تصرفي هذا الراتب عليك و ليس على الدار، قلت لها لا فرق بيننا، فالبيت جزء مني و أنا جزء منه.    
خرجت ذات يوم كعادتي من باب المصرف الصناعي في شارع الرشيد، و إذا برجال الأمن يطوقونني و يقذفوني بسيارة، متجهين بي نحو مديرية الأمن. شاهدتني في الطريق إحدى زميلاتي سها ثنيان، و أدركتْ أنني معتقلة إذ كنت جالسة بين شرطيين من الأمن، فاتصلتْ بأهلي و أخبرتهم باعتقالي.
كان الجو حاراً في نهاية شهر آب، فعلت الحمرة وجهي، و بان عليّ الانفعال و القلق عندما ألقي القبض عليّ. وصلنا في الثانية بعد الظهر مديرية التحقيقات الجنائية. المديرية التي أصبحت رمزاً للظلم و التعسف و التعذيب في ذاكرة شريحة من الشعب العراقي. فالتصق الرعب و الفزع بكل من دخل بوابتها. توجه أحد الشخصين اللذين كنت جالسة بينهما في السيارة، نحو غرفة المدير قائلاً له: «سيدي جبناها/ اتينا بها»!
دخلتُ غرفة شبه مظلمة تقريباً، تطل نوافذها المغطاة «بالعاقول/الشوك البري» على نهر دجلة. جو الغرفة رطب بارد، قطرات الماء تتلوى بين شوك العاقول، فينقلب الهواء الجاف الساخن في الغرفة إلى برودة لذيذة. كان بهجت العطية، مدير التحقيقات الجنائية، جالس أمام منضدة كبيرة، رجل بدين، في منتصف الخمسين من العمر. رفع رأسه عندما أطلت عليه فتاة لم يكن يتوقعها بهذا الشكل! حدق بها من خلال نظارته السميكة، ثم رفعها عن عينيه، و مسحها ببطيء و وضعها ثانية!
أحسست بالمفاجأة التي ارتسمت على وجهه ذا السحنة السمراء، فلم تتطابق الصورة التي رست في مخيلته من خلال التقارير التي كان يكتبها له أعوانه عني! فأمامه فتاة تهيمن على قسمات وجهها براءة الطفولة، بملابسها البسيطة، و حذائها الواطئ و شعرها الأسود القصير، الذي اختزل بضعة أعوام من عمرها!
سألني سؤال يشوبه الاستغراب و الشك، هل أنت بلقيس؟ أجبت نعم. ثم قال بحدة أقرب منها إلى التأنيب: «شعايزج! ما تكولي لي! بنية مِثْلج كاملة بكل شي، شجابيج على السياسة! لكن هذا أبوك محمد شرارة إللي دخلج بهل الشغل! يعني: ما الذي يعوزك أو تفتقدين إليه؟ قولي لي! فتاة مثلك كاملة في كل شيء، ما الذي دفعك للإنخراط في السياسة! لكن والدك محمد شرارة، هو المسؤول الذي قادك في اتخاذ هذا النهج.» نظرت إليه و لم أجبه بل التزمت الصمت. ثم أردف قائلا: « حققوا وياها، بس لا تخلوها تبات»! يعني آلا أقضي الليل في مديرية الأمن.   
دخلتُ غرفة فارغة من الأثاث، إلا من طاولة صغيرة و كرسيين. جلست على أحداها، و انتابني مزيج من الأحاسيس التي لم أعرفها من قبل، تطلعت إلى الغرفة التي تضم بين جدرانها الصامتة ألف قصة و قصة! تقاذفت الأسئلة الحائرة رأسي، ترتطم ببعضها، حاولت أن أبعدها عني و أدفعها في خندق الذاكرة. طفت كلمات والدي على شفتي، الإجابة بصلابة و الابتعاد عن التردد الذي يقود إلى الانهيار النفسي، و تراءى موقفه الصلب في السجن أمامي.
عشت تلك اللحظات أخلع الأسئلة و أجوبتها في ذهني كأنني أخلع تهمة على عجل. ثم غابت الكلمات في لحظات الارتباك و عادت كالبرق، تقفز و تتجول بحريتها في أعماقي. حاولت أن أجمع كل ما تعلمته من تجارب الحياة في تلك اللحظات الحرجة، فبدأت أكتب الأجوبة العالقة في ذهني، أسطرها واحدة بعد واحدة على لوح الذاكرة، لأعود ثانية و أمسحها، أعيد كتابتها و أصححها، حتى عثرت على الأجوبة الصحيحة، فتمسكت بها أمام محقق الأمن، الذي دخل الغرفة بعد أكثر من نصف ساعة، واصلت إعادة و تكرار الأجوبة، بأسلوب آخر يناسب سؤاله!
كان المحقق في البداية يستمع بهدوء، لم تمر فترة وجيزة حتى علا صوته بالوعيد و التهديد إن التزمت التهرب من الإجابة عن الأسئلة و إنكارها؟ قلت: انكار ماذا؟ فقد تركز التحقيق حول علاقتي بالحزب الشيوعي و منظمة الرابطة النسائية و اتحاد الطلبة؟ كانت أجوبتي مقتضبة، و أعدت الأجوبة نفسها : لم أنتمي للحزب الشيوعي و لا علاقة لي بالرابطة منذ أكثر من عامين، و لكني أتعاطف مع الطلبة و إعادة المفصولين منهم. لم تشبع أجوبتي غليل محقق الأمن فظل متعطشاً إلى الحصول على ما يسمى « بالاعترافات»! و لم يمل المحقق أو يتعب، بل استمرت الأسئلة بالتدفق، من دون أن تصل إلى مصبها! انتعشت الأجوبة العنيدة في رأسي كلما طال التحقيق معي! حتى يأس المحقق عندما وجد أنه لم يصل إلى نتيجة بعد ما يقارب الساعتين من التحقيق المتواصل. فأطلق سراحي قبل غروب الشمس، و نجوت بذلك من قضاء الليلة في مديرية التحقيقات الجنائية، كما طلب بهجت العطية منهم! و الحقيقة كان موقف بهجت العطية موقفاً مشرفاً، إذ لم يأتمن رجال الأمن الذين يعملون في دائرته في أن اقضي ليلة بصحبتهم.
عدت إلى الدار قبل غروب الشمس، فوجدت قلق الانتظار قد هيمن على والدتي. كانت واقفة في وسط الدار، متخوفة من أن أحال إلى المحكمة أو السجن، فيضاف لزيارتها الشهرية للسجن زيارة أخرى هي في غنى عنها، و بان عليها الارتياح لمجرد رؤيتي، و انفرجت أسارير وجهها عن ابتسامة عريضة. حدقتُ في ابتسامة والدتي القلقة، و انتبهت أن والدتي لا تضحك، لم أرها طيلة حياتي مرة واحدة تضحك، فقد علمتها الحياة الصبر و الابتسام بدل الضحك.
توفي ستالين في العام الذي قضاه والدي في السجن، لم يكن لوفاته تأثير في حياتنا، فقد كنا مغمورين بالدراسة الجامعية و العمل، خاصة و إن والدي و شقيقتي حياة كانا اللولبين اللذين نشعر من خلالهما بما يحدث في الاتحاد السوفيتي من هزات. 
عن كتاب
 ( هكذا مرت الايام ) ، دار المدى