بمناسبة ذكرى رحيله..شذرات وطرائف من سيرة عبد الرزاق الحسني

بمناسبة ذكرى رحيله..شذرات وطرائف من سيرة عبد الرزاق الحسني

اعداد : عراقيون
تمر هذه الايام ذكرى رحيل المؤرخ العراقي الكبير عبد الرزاق الحسني. وفي يلي ملتقطات من سيرته.
الباشا نوري سعيد و شيخ المؤرخين عبد الرزاق الحسني
  ذكر الحسني في مقدمة احد كتبه : في شباط عام 1949 إستدعاني الباشا نوري سعيد وقال لي : (بلغني أنك تنفق قسماً من راتبك في إفساد ضمائر بعض الموظفين بغية الحصول على بعض الوثائق لكتبك التي تؤلفها ، وعليه قررت نقلك الى ديوان مجلس الوزراء لتبحث عما تريد!!

 ثم أمر بان توضع تحت تصرفي أوراق القضية الفلسطينية ، لكنه أسر الى رئيس الديوان (نوري القاضي) أن يمكنني من الإطلاع على ما أريد ، وهكذا منذ شباط 1949 عهد إلي تنظيم سجلات خاصة بتاريخ الدولة على نمط المؤسسة العثمانية (وقعي نويس) وقد قضيت في هذا الديوان 14 سنة استفدت خلالها فوائد تاريخية جليلة وكانت من اسعد ايام حياتي في الوظائف الحكومية فتعاقب على رئاسة الوزراء في بحر هذه السنوات السادة: نوري سعيد، مزاحم الباچچي، علي جودت الايوبي، توفيق السويدي، مصطفى العمري، نور الدين محمود، جميل المدفعي، فاضل الجمالي، ارشد العمري، عبد الوهاب مرجان، احمد مختار بابان، عبد الكريم قاسم، واحمد حسن البكر . فلم يتدخل احد منهم في عملي ولم يمسسني سوء من واحد منهم حتى أحلت نفسي على التقاعد في أواخر عام 1964.

صديقي الصدوق كوركيس عواد
 كان ابو اسحق الصابئي صديقا صادقا للشريف الرضي يفرح لفرحه ويحزن لحزنه وهناك اجماع في كتب التاريخ على ان الصابئي كان يصوم شهر رمضان مجاراة للشريف الرضي لا تدينا ومع مراعاة الفارق والزمن لا عجب ان يكون المرحوم كوركيس عواد صديقا صادقا لعبد الرزاق الحسني يفرح لفرحه ويحزن لحزنه في صداقة استمرت نحو ستين سنة متواصلة.
كنت مديرا لخزينة لواء الحلة عام 1934 وفيما كنت عصر ذات يوم في حديقة نادي الموظفين، في حلقة تضم (ابراهيم الشاهبندر) رئيس المحاكم المدنية والاستاذ (ساطع الحصري)  اقبل علينا (كاظم) موزع البريد يحمل غلافا طويلا اصفر اللون فسلمه الي وهو يقول هذه رسالة مسجلة جاءت اليك من كوركيس حنا عواد المعلم في مدرسة (شمعون الصفا) بالموصل فضضت الرسالة فاذا بمرسلها يقول (في ست اوراق متسلسلة):- انه قرأ كتابي (موجز تاريخ البلدان العراقية) في طبعته الثانية (1933) المصدرة بمقدمة للاستاذ يوسف غنيمة وانه وجد في الكتاب بعش الاغلاط والاخطاء فاحب ان يطلعني عليها، دون سابق معرفة بيننا قرأت هذه الصفحات مثنى وثلاث ورباع وانا اتيه عجبا بما اقرأه واطلعت المرحوم (الشاهبندر) على ما بيدي فقرأها ولم يعلق عليها، ثم اطلعت المرحوم (الحصري) عليها فقرأها واسر شيئا في قلبه وكان الحصري يشغل منصب (المدير العام للاثار) وقد جاء الى الحلة في جولة تفتيشية فلما عاد الى بغداد عمل على نقل (كوركيس) من الموصل الى بغداد (وعينه مأمورا لمكتبة المتحف العراقي) وكانت هذه المكتبة تشغل غرفة صغيرة وفيها عدد محدود من الكتب فاذا بهذه المكتبة تتوسع وتضم الاف من الكتب، بحيث اصبحت من امهات المكتبات في العراق ان لم تكن اهمها واكبرها اما انا فقد نقلت الى بغداد لاكون محاسبا في (مديرية الري العامة) ثم محاسبا (مديرية البرق والبريد العامة) فكنت اتردد على مكتبة الاستاذ كوركيسس في (مديرية الاثار العامة) وعلى داره ايضا وكان هو ايضا يزورني بين الفنية والفنية وكانت هذه الزيارات تستهدف البحوث البلدانية والامور الادبية ولا اثر لغير ذلك فيها. ولما اندلعت الحرب العالمية الثانية في الثالث من ايلول سنة 1939 ثم اعقبتها الحرب العراقية- البريطانية في ايار من سنة 1941 وفتحت الحكومة مراكز للاعتقال في (الفاو) و(العمارة) وفي مواضع اخرى، كنت احد المبعدين الى معتقل الفاو ثم الى معتقل العمارة وقد قضيت في الاعتقال اربع سنوات كنت خلالها اقتل الوقت في الدرس والتحقيق والكتابة وكنت ابعث بابحاثي البلدانية الى الاستاذ كوركيس فكان يدققها ويطابقها مع اصولها في الكتب القديمة ثم يعيدها الي على الرغم من الرقابة الشديدة المفروضة على مراسلات المعتقلين، وكان العلامة (محمد بهجت الاثري) المعتقل معي يدقق كتاباتي من الناحية اللغوية، ولما فرج عن العالم كربته واطلق سراح المعتقلين، اصبحت علاقتي بالاستاذ كوركيس قوية ومستمرة، وقد طفنا العراق من شماليه بزاخو الى جنوبية بالبصرة ومن شرقيه في خانقين الى غربيه في عانة وراوة، فلم نترك مدينة او قضاءالا وزرناه ولم يحدث بيني وبينه أي خلاف او احتكاك في جميع هذه الاسفار، والانسان لا يعرف جوهره ولا يكتشف سره الا في الاسفار وفي المعاملات الانسانية، ومما اتذكره في هذه المناسبة اني كنت والاستاذ على مائدة غداء في دار متصرف لواء البصرة الرجل الشريف النبيل السيد (امين خالص) فاشار علينا ان نزور المحمرة وزودنا بورقة مرور كتب عليها عبد الرزاق الحسني وكوركيس عواد وقد صحبنا مدير بريد البصرة السيد (جميل قومسير) في هذه السفرة ولم يرد اسمه في الورقة، وبينما كنا نعبر شط العرب الى التنومة لنستقل السيارة الى المحمرة اعترض بلمنا زورق ايراني وطلب الينا بيان هويتنا فابرزنا ورقة المرور التي باليد فقال نعم هذا عبد الرزاق وهذا كوركيس وهذا جميل تفضلوا.
ومما اتذكره بهذه المناسبة ايضا اني كنت والاستاذ كوركيس نستقل سيارة من كركوك الى اربيل لنقضي اسبوعا في مصيف (صلاح الدين) واذا بالسيارة تتعطل وعجز اصلاحها، ومرت بنا سيارة حمل محملة بالحصى والرمل فاستوقفناها ورجونا السائق ان يوصلنا الى اربيل فاصعدنا فوق الحصى والرمل حتى اذا بلغنا اربيل كنا الى القردة اقرب منا الى البشر لشدة الرياح وكثرة الرمال التي كانت تهب فوقنا، ولم تقتصر اسفارنا على المدن العراقية فحسب، فقد سافرنا الى سورية ولبنان وتركيا، وفي (استنبول) قصدنا سوق الوراقين في (حي بايزيد) وسال الاستاذ كوركيس صاحب المكتبة ان كانت لديه بعض المخطوطات او الكتب المطبوعة بالاحرف العربية فاصعدنا الى الطابق الثاني من دكانه واذا بالاستاذ كوركيس امام وجبة هائلة من المخطوطات والكتب النفسية مما اضطرنا الى التردد عليه مرات عديدة. وكان اجتماعنا في موسكو لحضور مؤتمر المستشرقين الخامس والعشرين الذي عقد في اب من عام 1960 من امتع الاجتماعات واجلها ولاسيما اثناء تناول الطعام حيث تاتي الفتيات الروسيات ويردن ان نعرف نوع الطعام الذي نريد ونحن لا نفهم لغتهن.
كان الاستاذ كوركيس عواد عالما كبيرا وباحثا دقيقا، وكاتبا بليغا وانسانا يندر ان نرى مثله في هذه الايام، ولئن تخصص في علمي الكتب والفهرسة فقد كانت له صولات وجولات في ميادين اخرى وهذه مؤلفاته تشرق وتغرب وتدهش قارئها بما فيها من معلومات طريفة وبحوث طلية نادرة، ويعتبر كتابه (معجم المؤلفين العراقيين) من التحف النفسية، ولا يمكن لاحد ان يقدره ويقدر الجهد الذي بذله وصرفه في سبيل جمع مواده وتصنيف فصوله الا صاحبه، وعار في فضله.
وتحضرني في الرثاء هذه الابيات:
حكم المنية في البرية جار
ما هذه الدنيا بدار قرار
بينما ترى الانسان فيها مخبرا
اذا به خبرا من الاخبار
جبلت على كدر وانت تريدها
صفوا من الاقدار والاكدار
ومكلف الايام ضد طباعها
متطلب في الماء جذره نار

وعن وفاته كتبت زكية المزوري
في الهزيع الاخير من ليلة الخميس الموافق لليوم الرابع والعشرين من شهر كانون الاول لعام 1997 م، توفي الى رحمة الله تعالى المؤرخ والصحفي الرائد السيد عبد الرزاق الحسني أثر مرض عضال لازمه لاكثر من عشرين عاما  حصل (رحمه الله تعالى) على شهادة دكتوراه فخرية بالتاريخ من كلية الآداب بجامعة بغداد عام 1992م، كما حصل على الوسام الذهبي من الاتحاد العام للكتاب والمؤلفين في العراق عام 1996 م
حفل موكب جنازة السيد عبد الرزاق الحسني بالوزراء وكبار الشخصيات الاعلامية والادبية ووجهاء الدولة، بينما لم يجد الحسني احدهم يطرق بابه او يمد له يد العون حتى لحظة احتضاره الاخيرة، ولولا رعاية وعناية الله سبحانه وتعالى ورعاية ابنته احلام التي تكفلت بمعيشته وعلاجه وعلاج زوجته الفاقدة لبصرها  لمات جوعا، كان للحسني زوجة واحدة وكانت سيدة فاضلة من اصل ومقام رفيع تزوجها وكان عمره ستة وعشرين عاما بينما لم يزد عمرها عن ثمانية عشر عاما، احبها واحبته واحسن معاشرتها برغم التفافه حول كتبه وبحوثه وادبه مما جعل الزوجة تتذمر وتقضي معظم ايامها في حزن وبكاء لشعورها انه يفضل علمه وادبه عليها ولمرض اصاب عينيها فقدت الزوجة بصرها وامست لا ترى الا بنسبة واحد بالالف حسب ما اكده الاطباء، ورغم العمليات الجراحية الكثيرة التي اجريت لعينيها الا انها لم تاتي بجدوى وتوقفت عن العلاج والمراجعة لضنك الحال التي كانت تعيشه العائلة
عودة النظر لعينيها كانت احدى امنياته التي لم تتحقق في حياته ولا بعدها وامنية اخرى لطالما انتظر تحقيقها وهي نشر مخطوطتيه الضخمتين (اسرار عايشتها) و (الاسرار الخفية) اذ لم يكن بامكانه نشرهما لعدم تمكنه ماديا فبقيا ضمن ما خلفه السيد الحسني لوارثيه علما ان المخطوطتين اصبحتا في غياهب الجب ولم يظهر لهما اثر حتى هذه الساعة بعد بلوغ الحسني السنة الرابعة والثمانين من عمره ، اصابه الهزال وضعف العظام فلزم فراشه وكان بالكاد يتمكن من الخروج لنزهة قصيرة او زيارة الاقارب، بعدها اقعده المرض وداهمته الشيخوخة بوحشيتها وظلالها القاسية وحوطته بسلاسل وقيود سجنها المريع فسكن بين اربعة جدران لا يغادرها الا حين دخوله المشفى للمعالجة او لقضاء حاجته، الا ان حالته الصحية تفاقمت وازدادت سوءا اذ تم تشخيص ما به من امراض حتى وصلت الى اكثر من سبعة امراض كتوقف احدى الكليتين وذات الرئة وتوقف الرئة اليمنى وارتفاع ضغط الدم وضعف القلب اضافة الى مضاعفات كثيرة نتجت عن توقف الكلى والرئة
على هذا قضى السيد الحسني ما يقرب الخمسة عشر عاما اسير حجلته الرباعية الاقدام والمصنوعة من ارخص المعادن وكانت تعاني هي الاخرى من اعوجاجات وكسور تم تركيعها بالحبال، رافقته هذه الحجلة الوفية حتى اواخر ايامه، رغم حالته تلك كان مزدهيا بعلمه مواظبا على لقاء طلابه في داره فلم ييأس  يوما ولم يعتذر عن مقابلة احد طرق بابه في سؤال، بل داوم على القراءة والكتابة واستطلاع اخبار العلم والعلماء والاداب والفنون والعلوم من كل من يقابله وكان يجلس بين ضيوفه وطلبته سعيدا يرد على اسئلتهم واستفساراتهم فيزيدهم تعلقا بالعلم ويحثهم على الاصرار في طلب العلم حتى اخر لحظة من الحياة، واذا ما تذمر فرد من عائلته من كثرة زواره وطلابه كان يرد غاضبا : العلم اثمن ما يمكن ان يمنحه المرء لغيره فجلوسي وجوابي عليهم لا يكلفني شيئا وابخل الناس من بخل بعلمه على الناس، على هذا احبت عائلته زواره ومريديه من طلاب وطالبات وصحفيين وحتى اقل من اسبوع من وفاته كان يستقبل (رحمه الله تعالى) طالبة دكتوراه في داره في الكرادة ببغداد ويفسر لها كل ما طلبته منه خدمة للعلم وللطالبة وهذا يفسر لنا سخاء وعظمة هذا العلامة الذي لا يمكن ان نتجاهل دوره الكبير في النهضة بالثقافة المعرفية والعلمية في مجال التاريخ والتدوين
للحسني ابنة واحدة هي احلام، تزوجت وانجبت بنتا واحدة كانت الونيس الوحيد للحسني في ايامه الاخيرة وكانت قريبة الى نفسه وخصها بعطفه وابوته بعد رحيل والدها، كان الحسني راضيا عن ابنته احلام التي تكفلت رعايته والعناية به وبوالدتها وكان يدعو لها بالتوفيق والرضا واوصى ان تتكفل بامور دفنه ومراسيم جنازته وان تنزله في قبره بيديها وعملت بوصيته
وله خمسة اولاد هم حسب الولادة قاسم ومحمد امين وانور وطارق وسليم وكان انور من اقربهم الى قلبه واعطفهم عليه، وله حصيلة لا باس بها من الاحفاد فقد وصل عددهم حتى عام 1998 الى ستة وثلاثين حفيدا معظمهم تلامذة وطلبة في المعاهد والكليات والجامعات ببغداد وغيرها
للحسني دار واحدة تقع في جانب الرصافة في منطقة كرادة داخل وهي من الطراز القديم جدا، وكم تمنى لو ان الدولة تولت رعاية الدار من بعده واتخذتها معلما ومتحفا يجمع اثاره وكتبه ومقتنياته الاثيرة الى نفسه
سخر السيد الحسني كثيرا من زمانه وكان يسأل اهل داره عن الادباء والعلماء ممن استقوا علمهم من معين نهر علمه، ولما كان الاتحاد العام للادباء والكتاب ووزارة الثقافة والاعلام والمؤسسات الثقافية الكبيرة تكرم احدهم كانت عائلته تخفي الخبر عنه، فلطالما تسائل عن سبب اعراض هذه المؤسسات عن استذكاره بامسية او اصبوحة تقدير او تكريم، غير ان ذلك لم يحصل حتى وفاته، كان يتألم ويقلق كثيرا على وضع الثقافة المزري في العراق ثم يضحك قائلا : شر البلية ما يضحك
لم يزد عدد زائريه عن ثلاثة أصدقاء خلال اعوام عمره الاخيرة، وكان للحسني صديقة حميمة كانت بمثابة الابنة والام والاخت الرؤوم وكان يتمكن من خلالها من معرفة اخبار الدنيا واحداثها المختلفة فتقرأ له الصحف والاصدارات واخبار الادب والعلم وتعينه على حاله وطعامه وتمازحه في ساعات الكدر الكثيرة وتختلق الاعذار لاحبائه ان اعرضوا عنه  وكانت تلك الصديقة هي جارته ليلى انيس سليم تلك النبيلة التي كرست وطوعت نفسها لتكون ممرضة واما وابنة لهذا العلامة فقد قالت عنه :
كان بالنسبة لي الاب والاخ والصديق، كان من العظماء حمل في اعماقه الكثير من الاسرار الحزينة، كنت اجلس اليه لساعات طويلة بحكم جيرتنا وعلاقتنا الابوية فاكون بقربه معظم نهاري احدثه ويحدثني، يطلب مني شراء الصحف وقراءتها بصوت عال، باح لي بالكثير من الاسرار التي عايشها في ظل حكومات واوضاع وظروف شتى ولو كنت امتلك قلما لكتبت الان صحفا من تلك السيرة النيرة، منحني هذا العالم حنان الاب الذي افتقدته في صغري، ما يحزنني حقا هو خسارتنا الكبيرة فيه فالزمان لا يجود بامثاله كثيرا، وسابقى اتذكر حزنه وحسرته على كتبه التي ابتلعها البحر والنسيان تلك الكتب التي كلفته الكثير من الوقت والجهد والثمن.