سكان الصرائف في بغداد في العهد الملكي بين البلاط الملكي ومجلسي النواب والاعيان

سكان الصرائف في بغداد في العهد الملكي بين البلاط الملكي ومجلسي النواب والاعيان

حيدر عطية كاظم
قبل كل شيء علينا ملاحظة أن توجه الفلاحين صوب بغداد واتخاذهم الصرائف مساكن لهم، لم يمثل مشكلة سياسية أو اجتماعية إلا بعد ازدياد أعدادهم وظهور عدة تجمعات أو أحياء للصرائف، وكان ذلك في ثلاثينيات القرن الماضي.


وإذا ما أردنا أن نثبت أول موقف للبلاط الملكي من سكان الصرائف فإننا نقول هو موقف الملكة حزيمة، زوجة الملك فيصل الأول، التي اعتادت منذ عام 1933 تقديم بعض المساعدات الغذائية، وهي عبارة عن وجبات غذاء إلى الفقراء القاطنين في أحياء صرائف بغداد، كما حرصت على تزويدهم بالمياه الصالحة للشرب قدر الإمكان. ومن جانبها قامت الملكة عالية في 4 شباط 1942 بإقامة حفلة عامة في بهو أمانة العاصمة، دعت لحضورها جمع غفير من السيدات العراقيات، لاسيما زوجات الوزراء وزوجات رجال السلك الدبلوماسي وغيرهن، وذلك لجمع التبرعات، لمساعدة فقراء بغداد، وفي المقدمة منهم فقراء الصرائف.
لا بأس من الإشارة هنا، أن الأمير عبد الإله الوصي على عرش العراق، والذي كان يميل إلى استخدام الشدة مع أبناء الشعب العراقي متى وجد إلى ذلك سبيلا، أمر بهدم حيٍ كاملٍ من الصرائف على ساكنيه لمجرد أن أحد ساكنيه رمى حجراً أمام سيارته أثناء مرورها بالقرب من ذلك الحي. من المفيد هنا أن نترك الكاتب البريطاني والمراقب للأحداث في العراق عن كثب كاركتاكوس أن ينقل لنا بعض من تفاصيل تلك الحادثة، إذ قال ما نصه: "تعود بي الذاكرة إلى حادثة رأيتها بعيني قبل نحو عشر أعوام، حي كامل من الأكواخ تهدمه الجرافات ويشرد أهله في كل حدب وصوب، لأن أحد ساكنيه قد تجرأ فقذف بحجر أمام سيارة عبد الإله وهي في طريقها إلى القصر الملكي".
لم يشأ صاحب أفضل دراسة اجتماعية وسياسية وأكثرها موضوعية حنا بطاطو أن يترك هذه الحادثة دون أن يقف أمام أثارها على حركة الناس السياسية وجنوحهم نحو العنف أحياناً عندما أكد أن:
" نوري السعيد وولي العهد لم يكونا أبداً رحيمين بحياة الناس، ثم أيستغرب ان تتبع اللاإنسانية من الأوضاع اللاإنسانية التي كان يعيشها "شرقاوية" سكان الأكواخ الطينية ببغداد؟".
كان للملك فيصل الثاني موقفُ من سكان الصرائف، حمل دلالات عميقة يستحق منا تثبيته جاء هذا الموقف على أثر قيام حسن عبد الرحمن وزير الشؤون الاجتماعية، في سنة 1953 بمحاولة تصحيح الحد الأدنى من الأجور اليومية للعمال غير الماهرين، نتيجة لتردي أوضاعهم المعيشية، بأن جعل أجرة العامل 250 فلساً والعامل المراهق 180 فلساً، غير أن هذا التصحيح البسيط لم يُرق لبعض المسؤولين، متهمين الوزير المذكور بالشيوعية. ولم يقف الأمر عند هذا الحد وإنما، ذهب البعض منهم إلى الملك محتجاً على ذلك، فما كان من الملك فيصل الثاني إلا أن أخرسهم نهائياً عندما قال وبكل صراحة  ووضوح "عندنا مخصصات الكلب 200 فلس وأنتم تستكثرون على العامل مبلغ 250فلس".
كما أعلن الملك فيصل الثاني في أول خطاب للعرش له ألقاه على مسامع الأعيان والنواب معاً في الأول من كانون الأول 1953، بأنه مهتم اهتماماً كبيراً ببناء إلفي دار لسكان الصرائف والعمال.

موقف مجلس النواب
علينا أن نلاحظ هنا، أن أحياء الصرائف التي أخذت بالتكوّن والظهور في ثلاثينيات القرن الماضي، لم يكن وجودها أو ظهورها يستدعي الخوف أو الحذر، فضلاً عن ان مدينة بغداد لم تكن قادرة على استيعابهم فقط وإنما، كانت هي بحاجة إلى الأيدي العاملة الوفيرة والرخيصة، وعليه لم يكن وجودها يمثل مشكلة. وعلى هذا الأساس كان من الطبيعي جداً ان لا نجد موقفاً معيناً من لدن مجلس النواب من سكان الصرائف.
المهم بالنسبة لنا هو، أن انتشار أحياء الصرائف في أكثر أحياء العاصمة بغداد وتحولها إلى مشكلة واضحة، خاصة في السنة الثانية من الحرب العالمية الثانية، بدأنا نلمس مواقف من مجلس النواب، فقد اعتبر جميل عبد الوهاب نائب بعقوبة (ديالى) وهو يناقش ميزانية وزارة الشؤون الاجتماعية لسنة 1940، أن من أبرز المشاكل الاجتماعية الحديثة التي لم يكن لها أثر في الماضي القريب، هو موضوع هجرة الفلاحين، وما يترتب عليها من تجمعات عشوائية داخل العاصمة، محذراً في الوقت نفسه الكل، من هذه التجمعات، عندما قال ما نصه: "ان هذه التجمعات ما هي إلا ظاهرة تهدد الأمن في العاصمة، فضلاً عن أنها مصدر سيئ للأمراض الوبائية وبؤرة فتاكة لإفساد الأخلاق العامة". ومضى يقول وبتشنج واضح محملاً أولئك المساكين الكثير من الشرور. لا بأس أن نتركه يقول : "إن هؤلاء المهاجرين هم أكبر مصادر الإجرام"، مطالباً وزارة الشؤون الاجتماعية بوضع الحل اللازم وهو إرجاعهم من حيث أتوا.
على النقيض من ذلك تماماً وقف حسن السهيل نائب بغداد موقفاً أكثر وطنية وواقعية وإنسانية أيضاً، فهو أولاً فسر لنا سبب هجرتهم إلى بغداد، التي رأوا المعيشة فيها احسن من عيشتهم السابقة. كما انتقد الرأي القائل بضرورة إرجاعهم إلى ديارهم السابقة، مبيناً أن هؤلاء عراقيون والعراق وطنهم، فلا يجوز القول لهم ارحلوا من هنا وعودوا إلى دياركم، فهم أحرار ولا يمكن الضغط عليهم. أما النائب رفائيل بطي. فقد دعا، وهو يناقش لائحة قانون تشييد مساكن للعمال، إلى الإسراع بإقرار اللائحة المذكورة ومد يد العون للحكومة في هذا المجال، مشيراً إلى إن الفقر والحاجة هما اللذان اضطرا العمال للسكن في صرائف لا تتوفر فيها الشروط الصحية.
كان وضع سكان الصرائف بعد أن جعل فيضان ربيع سنة 1946 كل أحيائهم أثر بعد عين، يصعب على كل من يملك ذرة ضمير، إلا الحكومة التي غضت البصر عن مأساتهم. فدفع هذا الوضع النائب حسام الدين جمعة إلى توجيه سؤال إلى وزير الشؤون الاجتماعية حول إمكانية تخصيص قطعة أرض مرتفعة لإنشاء دور بسيطة تتوفر فيها الشروط الصحية لغرض، إسكان أهل الصرائف بصورة دائمة وتخليصهم مما هم عليه الآن من محنة وألم. وعندما لم يقبل ذلك من النائب بحجة عدم توفر الأموال اللازمة، عاد النائب حسام الدين جمعة إلى منصة الخطابة مستغرباً من رد الوزير، مطالباً إياه بشطب المنح الخاصة للنوادي الاجتماعية وإعطائها لسكان الصرائف . ختم النائب المذكور خطابه بقوله : "إن المال ممكن إيجاده إذا شاء الوزير أن يجده".
لم يدع حسين جميل، الفرصة تفوته قبل أن يدلي بدلوه، فقد دعا في مداخلة له في الجلسة نفسها إلى تخصيص مبالغ مالية لغرض توفير مياه الشرب لأهل الصرائف، ثم تساءل بألم عن سبب عدم الاهتمام بسكان الصرائف. ومضى يقول وبتهكم واضح : "إن الفيضان قد شمل سكان الصرائف فلم يعودوا بحاجة إلى العناية، أو إن قسماً كبيراً منهم قد مات وعليه فلم يعد بحاجة إلى العناية".
استمر النائب حسام الدين جمعة في متابعته لكل ما يتعلق بأوضاع سكان الصرائف، فوجه سؤالاً إلى وزير الشؤون الاجتماعية في الجلسة الثانية والعشرين في الاجتماع الاعتيادي لسنة 1950، دار السؤال حول مشروع إسكان الصرائف في منطقة الشماعية.
رد ماجد مصطفى وزير الشؤون الاجتماعية على سؤال النائب المذكور، معلناً عدول وزارته عن تنفيذ المشروع موضوع البحث، بحجة رفض سكان الصرائف الانتقال إلى المنطقة المذكورة. دسَ نوري السعيد رئيس الوزراء أنفه بالموضوع، ويا ليته لم يفعل ذلك، فقد جاءت مداخلته غريبة وغير مقبولة، فبعد أن انتقد طرح هكذا أسئلة في وقت مناقشة الميزانية العامة، واصفاً المشروع بالنظري الذي لا يتفق مع الواقع ومع حاجة العمال الحقيقية، لذلك كانت نتيجته عدم التطبيق والإهمال. لكن نوري بعد أن قتل المشروع بهذا التصريح، لم يتوان بإطلاق الوعود الوردية التي تغلب لب المساكين الذين لم يعرفوا طبيعة نوري السعيد وسياسته. فقد زعم أن أمانة العاصمة ستقوم بتشييد محلات نظيفة للعمال، تتناسب مع أعمالهم، وتساعدهم على السكن في محلات صحية مأمونة من الغرق والأمراض. ومضى يضع نقاط الكذب على حروف الخداع، موضحاً أنها خطة عملية تختلف عن النظرية.
لما كان النائب حسام الدين جمعة يمتلك قدراً معيناً من الشجاعة، فإنه كذب ادعاءات الحكومة برفض سكان الصرائف الانتقال، وذلك عندما بيّن وعلى رؤوس الأشهاد، بأنه ذهب إلى منطقة الصرائف مراراً ولم يجد أحد يعارض المشروع، ولم ينسَ أن يعلن صراحة عن امتعاضه بسبب تطبيق قانون دعاوى العشائر على سكان الصرائف.
أما عبد الحميد الهلالي نائب البصرة، فإنه أراد من خلال نقله رأي أحد كبار القانونيين الأمريكيين بموضوع أولوية صرف الأموال، أن يقول للمسؤولين العراقيين بضرورة الاهتمام بسكان الصرائف قبل بعض المشاريع التي يمكن تأجيلها بعض الوقت. لندع النائب المذكور يشرح لنا ذلك عندما قال: كنت في ضيافة أحد كبار القانون الأميركيين وتشعب الحديث عن مواضيع مختلفة، تطرقنا إلى بغداد ومعاملها، وكان هذا القانوني الكبير قد زارها قبل مدة، فسألته هل شاهد باب بناية المتحف الواقع في جانب الكرخ، فقال نعم، قلت من المؤسف أن البناية لم تشيد بعد وامل أن يشرع بها قريباً، فما كان من ذلك القانوني الكبير إلا أن يقول بصورة جازمة كلا – لا تأسف – إنكم لستم بحاجة إلى متاحف، فلقد شاهدت الأماكن التي يأوي اليها بعض سكان بغداد فيما وراء السدة".
لم يكن محمد رضا الشبيبي، بعيداً عن مشكلة أهل الصرائف، إذ وجه سؤالاً إلى وزيري الداخلية والشؤون الاجتماعية، عن كيفية حل قضية إسكان أصحاب الصرائف وإيجاد الحلول الناجعة لحل هذه الأزمة، مشدداً على أن قضية الصرائف باتت من المشاكل الاجتماعية الكبيرة، ولم يجد ماجد مصطفى وزير الشؤون الاجتماعية مفراً، من تأييد ذلك الرأي، معترفاً بأنها مشكلة جديدة بالنسبة للحكومة، مطلقاً في الوقت نفسه وعوداً لحلها من خلال دراسة عدة مشاريع تهدف إلى معالجة المشكلة جذرياً.
شهد آخر اجتماع لمجلس النواب في العهد الملكي طرح العديد من المواقف من موضوع سكان الصرائف فقد سمح أحد النواب لخياله أن يجمح كثيراً على أثر وقوع حادثة بسيطة. كما حاول نائب آخر إرجاع كل جرائم السرقة والسطو إلى سكان تلك المنطقة. ولم تنفع مجاملات وزير الشؤون الاجتماعية بتطمين النواب. الذي يهمنا هنا هو رأي النائب عبد العزيز الخياط، الذي جانب فيه كثيراً واقع الحال. فقد اعتبر منطقة "العاصمة" مبعث الشرور، لأن الأمن فيها مفقود. بعد ذلك أراد أن يقول للحكومة لا تعطوهم الدور لأنه سمع بأنهم يبيعونها أو يؤجرونها ومن ثم يرجعون إلى الصرائف.
حاول فاضل معلة نائب الديوانية (القادسية)، التهوين من حدة خطاب الخياط، من خلال طرحه المعتدل، فقد قال: "سكان الصرائف إخوان لنا، وهم أبناء بلدنا، وأي بذل لهم لتخليصهم من البؤر التي يسكنونها هو من باب الخدمات العامة، ولا مجال للتضجر من ذلك الجهد"، وختم النائب المذكور خطابه قائلاً "إن وزارة الشؤون الاجتماعية لم تقم بواجبها تجاه هذه الفئة على الوجه الأكمل"، ورأى في أدائها خيبة أمل إلى أبعد الحدود.
كما تحدث في الجلسة نفسها النائب توفيق السمعاني، فصب جام غضبه على أداء وزارة الشؤون الاجتماعية، لاسيما تجاه أهل الصرائف، وافترض السمعاني جدلاً أن مجمعات الصرائف هي مصدر الجرائم، فلعل ذلك برأيه يرجع إلى بيئتهم الصعبة التي تدفعهم إلى الاعتداء على المجتمع الذي لم يهتم بهم. بعد ذلك أرسل النائب المذكور هذه الصيحة الذهبية لكل من يتصدى لمعالجة المشاكل الاجتماعية وما يتعلق بها من جرائم، إذ قال: "فإذا أردنا أن نخلص أنفسنا من الجريمة، يجب أن نقضي على بواعث الجريمة، ونأخذ بأيدي هؤلاء لحياة أكرم وأفضل، وبعد ذلك نطالبهم بالسلام والسكينة". اختتم النائب المذكور خطابه محذراً الحكومة، إذا ما أرادت هي أن تكافح الشيوعية في العراق، فإنها لا تكافح بالقوة وفرض السلطان على الأفراد، بل إن الشيوعية تكافح بقلب الصرائف إلى بيوت ليستطيع الإنسان أن يشعر بإنسانيته.
بالمقابل دعا عبد المنعم الرشيد إلى إبقاء سكان الصرائف على حالهم، وعدم بناء دورٍ سكنية لهم، لأن ذلك برأيه يساعد على تشجيع الآخرين للهجرة إلى بغداد . رد توفيق الفكيكي نائب المنتفك (الناصرية) بحدة على ذلك، داعياً إلى بناء الدور لأصحاب الصرائف، مشيراً إلى أن سبب هجرتهم هي عبودية الملاكين.

موقف مجلس الأعيان
تعود أول إطلالة لمجلس الأعيان على موضوع الصرائف وسكانها إلى الاجتماع الاعتيادي الخامس عشر لسنة 1940-1941، وكانت المناسبة هي مناقشة لائحة قانون تشييد مساكن للعمال. فقد أيدها العين جميل المدفعي بقوة لأنه يصب في مصلحة العمال الذين يسكنون الصرائف ولا يملكون مأوى، كما انه دعا الحكومة بهذه المناسبة، إلى استملاك الأراضي المخصصة لتشييد مساكن العمال سواء أكانت هذه الأراضي عائدة للبلدية أم للأهالي، بعد تعويضهم التعويض المناسب، وإن ذلك له ما يبرره طالما كان القصد منه هو مساعدة الفقراء والعمال. كما حظيت اللائحة بتأييد العين محمود صبحي الدفتري، منبهاً على مسألة مهمة هي ضرورة عدم ترك العمال المساكين فريسة استغلال الشركات التي ستنشأ دورهم، وتمنى على وزارة الشؤون الاجتماعية، أن تشرف بنفسها على إنشاء الدور للعمال ومن ثم استئجارها أو تمليكها لهم.
أعلن العين نوري السعيد صراحةً اعتراضه على اللائحة المذكورة، وكان السبب الذي وقف وراء اعتراض نوري السعيد، هو أن العامل قد يعود إلى الزراعة، عندئذ يبيعها أو يؤجرها لشخص آخر، وبذلك برأيه تنتفي الفائدة التي أسست هذه المشاريع من أجلها، لكن نوري استدرك في نهاية خطابه بأن يحذو العراق حذو بريطانيا وأوربا من حيث إنشاء المساكن للعمال واستئجارها لهم.
أشكل العين جلال بابان على كلام زميله السعيد وفي قدر معين من الشجاعة، كون الأمر في العراق يختلف تمام الاختلاف عما هو في أوربا، مبيناً أن العمال هنا، هم يرتزقون يومياً من أعمال متفرقة وغير منظمة، وأضاف قائلاً ما
نصه: "إن وضع هؤلاء أصبح ما يطلق عليه وضع الفقراء، وهم محتاجون إلى ملاجئ يسكنون فيها ليتخلصوا من هذه الأكواخ المعرضة لكل مرض، بغض النظر عما يصيبهم في كل سنة من النكبات بسبب الفيضان، وبغض النظر عن فقرهم وبؤسهم". بعد ذلك تمنى أن تقوم الحكومة بمساعدتهم في بناء المساكن لهم، ليقول: "فلو أن الحكومة ساعدتهم ببناء سكنى وملكته، إياهم مقابل ثمن بسيط تكون قد فعلت حسناً وأسدت جميلاً".
كان الأعيان يأملون بعد إقرار هذه اللائحة أن يروا العمال من سكان الصرائف في بيوت عامرة، غير أنهم استغربوا بعدم ترجمة هذا القانون إلى واقعٍ ملموسٍ وإن كل ما قيل كان من قبيل التمنيات. إن العين جلال بابان أفضل من تناول ذلك في خطابه في الجلسة الخامسة والمنعقدة في 20 حزيران 1945، والذي قال فيه ما نصه دون زيادة أو نقصان: "قبل أن أتكلم عن هذه الدور أود أن ألفت نظر الوزير المختص إلى العمال في أطراف العاصمة الذين هم يسكنون في صرائف هي بحاجة حتى إلى ماء الشرب عدا الأمور الصحية وغيرها فكأنما هؤلاء الأشخاص ليسوا من البلاد في شيء". ثم دعا الوزير أن يزور المنطقة ليرى بأم عينه واقعها عندما قال:"فأنا أود من معالي الوزير ان يتجول ويرى هؤلاء ليؤمن لهم على الأقل ماء الشرب عدا الحاجات الأخرى الماسة".
أثار أمر تعيين مدينة تل محمد كموقع لإقامة مدينة العمال عليها، حفيظة العين صادق البصام مدعياً أن أراضيها ليست صالحة لتكون مدينةً للعمال، كونها بعيدة عن المدينة، ولا يمكن إيصال الماء والكهرباء إليها، غير أن السبب الأهم في إثارة حفيظة العين المذكور، هو أن أرض تل محمد كانت مجاورة لأراضي رئيس الوزراء حمدي الباجةجي، مما أدى إلى ارتفاع سعر المتر الواحد إلى 150 فلساً، بعد أن كان ثمنه 30 فلساً. وعليه دعا البصام، رئيس الوزراء إلى ترك فكرة تشييد مدينة العمال في تل محمد، وإقامتها في أراضي أخرى، مبيناً أنه ليس عدواً للعمال، بالمقابل نصح حمدي الباجةجي، صادق البصام بأن يذهب ويقف على السدة الشرقية ليرى ما وراءها .
لعل خطاب العين عباس مهدي الذي ألقاه أثناء مناقشة مجلس الأعيان تعديل قانون تشييد المساكن للعمال في الجلسة المنعقدة في 17 كانون الثاني 1955 من أهم الخطب التي شهدها مجلس الأعيان في اجتماع المجلس في تلك السنة. فقد دعا أولاً إلى ضرورة إنشاء دورٍ لسكان الصرائف، منتقداً بقوة قيام وزارة الداخلية باقتلاع الصرائف قبل أن توفر لأصحابها منازل يلجؤون إليها، أو حتى أكواخاً بديلة لصرائفهم المقتلعة، ولم تتردد الوزارة المذكورة كما يذكر العين عباس مهدي في إبعادهم إلى أماكن حيث يفترشون فيها الأرض ويلتحفون السماء. بعد ذلك التمس العين المذكور بألم واضح من الحكومة تأجيل هدم الصرائف لحين انجلاء فصل الشتاء، لأنه ليس من الحكمة أن تهدم الصرائف وتترك النسوة والصبية والأطفال يبكون في مثل هذه الأيام تحت السماء الممطرة وفي هذا الوقت.
الأهم من ذلك كله، هو أن العين عباس مهدي دافع عن حرمة الصريفة في في وقت كان الكثيرون يعدون الصريفة وسكانها أناساً جاءوا من عالم آخر. لا مناص من أن نتركه يوضح ذلك الأمر المهم جداً آنذاك إذ قال: "أيختلف الكوخ عن داري أو قصري المطل على نهر دجلة، أيختلف الكوخ عن بقية الدور الأخرى؟، أعتقد أننا لو تصفحنا القانون الأساسي لما وجدنا فيه فرقاً بين الدار والكوخ، فالدار مصونة كما نعلم فإذا أراد مفوض الشرطة أن يتحرى أحدى الدور لأمور تتعلق بالأمن العام، لا يمكنه أن يدخل بدون الحصول على أذن من الحاكم المختص". وأسترسل النائب متسائلاً : " لماذا لا تعتبر هذه الصرائف المسكونة من قبل أصحابها بعد أن شيدوها بعرق جبينهم دوراً مصونة، بدل أن تأتي الشرطة وتخرب هذه الأكواخ على أصحابها بأمر من مفوض الشرطة". بعد ذلك روى العين عباس مهدي حادثة كان هو شاهد عيان عليها، مترعة بالظلم الفادح وانعدام الحد الأدنى من المشاعر الإنسانية بالمرة. نتركه ينقل لنا تلك الحادثة : "ثقوا يا سادتي إني وجدت ثلاثاً من النسوة وهن على وشك الولادة، ولم ترأف الشرطة بحالتهن، ولم تمهلهن لكي يضعن حملهن. أهذا هو الحق والعدل؟ أهذه هي المروئة. فأرجوا أن تتدبروا هذا الأمر لتدفعوا الظلم عن العباد".

عن رسالة
( سكان الصرائف في بغداد)