كتاب   لافولي بودلير   لروبرتو كالاسّو

كتاب لافولي بودلير لروبرتو كالاسّو

ترجمة : عباس المفرجي
يقتبس روبرتو كالاسو تلميحه من سانت- بيف: (( كان مسيو بودلير وجد طريقة لبناء سرادق غريب، في الطرف الأقصى من قطعة أرض غير مأهولة وخلف تخوم الرومانتيكية المعروفة، وهذا المبنى هو فولي [ تعني حماقة، وتعني أيضا مبني باهظ النفقات يتعذر إتمامه ]، مزيّن على نحو مبالغ فيه، معذِب على نحو مبالغ فيه، لكنه جميل وغامض،

 يقرأ فيه الناس كتب أدغار الن بو، ويتلون سوناتات فاتنة، ثملين بالحشيش ليتأملوا فيه بعدئذ، ويتعاطون الأفيون وآلاف أخرى من المخدِّر الردئ في أقداح من فاخر البروسلين. هذا المبنى الفريد، مع زخرفه المطعَّم، من أصالة مدبَّرة ومركّبة، يجذب العين أحيانا نحو أقصى نقطة من الكامشاتكا [ شبه جزيرة في أقصى شرق روسيا ] الرومانتيكية، أدعوه أنا ’’ فولي بودلير ‘‘. المبتدع قانع بأنه أنجز شيئا مستحيلا، في مكان كان يُظَن أن لا أحد يمكنه الذهاب اليه. ))
تلك الفكرة الخيالية هي سانت- بيف المميّز – متألقة ووقحة، خلّاقة ودقيقة، ناهيك عن كونها قاسية. إنها أيضا كالاسو المميز، الذي أنتج إعجابه المفرط وحدسه الضامّ كتاب تألق مماثل من سلسة من تأملات شظّوِيّة – كان سيدعوها والتر بنجامين ’ لمحات ‘ – تبدأ وتنتهي مع شارل بودلير ( 1821- 67 )، منظّمة على شكل ماورائيات أساسية للحداثة: مبدعة جزئيا، موحية جزئيا، ممثلة جزئيا لحالتنا المميزة. ينتبه كالاسو الى الوزن في قصيدة بودلير؛ يزن القصيدة والنثر معا. " أزهار الشر " و" رسّام الحياة العصرية " هما النصّان الأساس.
يطيب لكالاسو أن يتبادل الكلمات مع مواضيعه. يمكن لعمله أن يُقرَأ كسلسلة من الحوارات مع أسلافه الشهيرين – مع سانت- بيف، مع بروست، مع ستاندال، مع بودلير نفسه – محاوريه المثقفين، جيرانه القريبين في القارّة المشتركة للحروف. يستشهد بجول رينار حول (( إسلوب التعبير الكث لبودلير، كما لو انه محمّل بسوائل كهربائية ))، رابطا إياه بمعلقين آخرين كما لو انه يصوغ دراسة تمهيدية. (( عُرِضت مسألة الوزن في قصيدة بودلير بعد حوالي مئة عام من قبل جوليان غراك: ’ ليس ثمة شعر بثقل شعر بودلير، الثقيل بذلك الوزن الذي يرمز اليه الثقل الذي تنوء به ثمرة ناضجة على وشك السقوط من غصن متدل... قصائد تنحني بإستمرار تحت ثقل الذكريات، الإغاضات، المعاناة، والأفراح المتذَكَّرة. ‘ )) على نحو نموذجي، يقضي كالاسو بين هذه اللقاءات، ناسجا أقواله المأثورة الطنّانة الخاصة به من دوّامة الكلمات. (( يتحدث رينار وغراك عن وزنين مختلفين. كلاهما موجود عند بودلير. كلماته محمّلة، مهما يقولان. ثمة احتقان من نسغ، تراكم من طاقة، ضغط من المجهول الذي يدعمه – وفي النهاية يسقطه. ))
يشدّد كالاسو على صفاء وأصالة بودلير ( ’ ريادته‘ )، أساسيته وجسارته. (( كنت قانعا بمشاعري، )) كما يبدي بودلير – (( كلمات تواضع زائف تقول كل شيء عن إتساع مغامرته، )) يضيف كالاسو. اليوم، مازال (( نفوذه الطوطمي )) بِكْرا. وهذا قبل كل شيء له صلة بقضية الحساسية، الجانب الذي يدين بشيء منه الى بودلير نفسه. (( لا تكبح حساية المرء بالإزدراء، )) كتب هو. (( حساسية كل إنسان هي موهبته. ))
الحساسية هي واحدة من إشراقات كالاسو الرئيسية. بودليره هو شخص، ناهيك عن شخصية. جزء من فتنة كتابه يعود الى صبغته البيوغرافية أو البروسوبوغرافية [ وصف لمظهر شخص، شخصيته، مسيرته المهنية، الخ. ]. (( كان بودلير داندي [ غندور ]، وعلى الأخص في زمن الإفلاس، )) كما يلاحظ كالاسو بشكل مميز، مستحضرا إياه في عمر الثانية والثلاثين، سائرا على نحو حذِر، خشية توسيع الشقوق في ملابسه. (( هو أول باستر كيتون [ نجم الفيلم الصامت ] في سترة فراك، الذي يتنقل ببطء في شوارع باريس.))
من اعمال بودلير وأيامه ينسج كالاسو سلاسل من استطرادات ذي علاقات متبادلة عن الكتّاب والفنانين الذين هم مواضيعه، معارفه، معاصريه ومريديه. الجزء ذو الأهمية الخاصة في هذا المشروع هو قراءة أو إعادة قراءة رسّامين ولوحات معينة، من وجهة النظر البودليرية. ربما الحركة الأكثر براعة لكالاسو في سعيه لتعيين أهمية " لافولي بودلير " هي إيفاءه حق وزن ’’ ماورائياته المتنكّرة ‘‘ – نقده الفني. (( اولئك الذين لم يشاركوا ولع بودلير الإستثنائي بالصور سوف لن يفهموا إلا القليل منه، )) يكتب كالاسو. (( إن كانت اي من إعترافاته مفهومة حرفيا، فهي الإعترافات التي يدلي بها في " قلبي مكشوفا ": ’ لتمجيد عبادة الصور ( هيامي العظيم، الوحيد، الأقدم ). ‘ ))
يتفوّق كالاسو في هذه التمارين، موهجا طريق البون مو [  المزحات ]، التعليقات المأثورة – (( لا شيء أكثر قربا الى الصمت من حكمة الرسّام )) – والملاحظات الرائعة عن الرسّامين والرسوم على حد سواء، مدعَمة ومحرَّضة ببعض الرسوم التوضيحية المختارة على نحو تفاضلي، والمستنسخة على نحو جميل. معالجة (( إنغر الأحادي المسّ [ المستحوَذ عليه بفكرة واحدة الى حد الهوس ] ))، ديغا ومانيه هي شرح معزز بالأمثلة لكتاب مدرسي عن مزاجه النقدي. عن مانيه، (( إنه يميل الى أن يظهر إنساني على نحو مسكوني )). عن ديغا، (( كلماته تبلغ نوعا من رثاء متقرِّح )). كالاسو هو واحد من القلة الذين أنصفوا معاداة السامية الضارية عند ديغا. وهو أيضا ملاحِظ كبير للأشياء في اللوحات. في مانيه، يلاحظ الحذائين القصيرين الأحمرين المتدليان من الشرفة، في لوحة " الحفلة التنكرية الراقصة في الاوبيرا "، والحذائين الاخضرين المتأرجحين على إرجوحة البهلوان في " الحاجز على الفولي- بيرجير " – حركة التأرجح منقولة  (( شبيهة بفريسون [ إرتعاش ] )) الى كامل اللوحة. في ديغا، يلاحظ (( غيابا لمركز )).
من المغري التفكير بأن كالاسو يترك لنفسه العنان قليلا في ذلك التوهان في الرسم (( حين بلغ الأمر تعيين هوية ’ رسّام الحياة العصرية ‘، )) يكتب، إختار بودلير (( مجهولا خلوا من أي حماية أكاديمية، صحافي صور لا يمكنه حتى تحمّل رؤية إسمه مطبوعا: كونستانتين غايز. في ضربة واحدة، تجنبت هذه الحركة دولاكروا، إنغر، والإنطباعية التي لم تبرز بعد، وقادت الى مستهل يوم جديد في شكل من رغبة غير محقَقة الى الأبد: رغبة بالعبث، بإيروس، بالإشراق، وبحياة قد تكون مغامِرة وحتى غامضة قليلا. )) هل قائمة التمنِّي هذه، مع أصداءها من كافكا وكونديرا، تفصح أيضا عن روبرتو كالاسو الخلو من الأخطاء، المؤلف- الناشر لـ " آديلفي في ميلانو "؟
نحن نُترَك متسائلين عن طبيعة وغرض مشروع المؤلف الخصيب هذا. يقدم " لافولي بودلير " نفسه كاللوح السادس [ لوح الأثر المقدّس لسانت فنسنت ] لعمل جاري متطور، عمل هو في الوقت ذاته مغمور ورَحِب. إن كانت هناك دلائل ستكتشف قريبا في الكتاب، فهي ربما تكمن في الحوار مع بول فاليري، محاوره الأكثر إقناعا. (( عبّر فاليري عن الأمل بأن يوجد ذات يوم ’’ تاريخا موحدا ‘‘ عن أشياء الروح، يستبدله العالم بكل تاريخ الفلسفة، الفن، الأدب والعلوم، )) كما يكشف كالاسو. (( على نحو لعوب، أخفى فاليري هذه الأمنية في ’ إستطراد ‘ كان بدوره جزء من إستطراد غير مقيَّد الذي هو كتاب " ديغا، الرقص، الرسم "... تبقى أمنية ملحّة اكثر من اي وقت مضى في عهد موهن فكريا مثل الحاضر. ))
تخمين. العمل الجاري هو محاولة إتمام تلك الأمنية، والإستطراد غير المقيد، " لافولي بودلير "،  هو محاولة مضاهاة فاليري – أو التفوق على فاليري – مع الفاليري صاحب (( كيف نتحدث عن الرسم؟ )) و(( الغباء ليس حصنه. )) كالاسو نفسه مفكر هائل، مع ضعف في إظهار الأمنية، في مفرداته، في تقلصاته الاإرادية اللفظية، وفي تجاوزه العرَضي. ( في لوحة مانيه " اولمبيا "، (( تتركز السخرية فقط في سنام ظهر القطة. )) ) من المستغرب الربط ذهنيا هنا، فالغباء ليس حصنه. في سعيه وراء بحثه، يزوّدنا كالاسو برِفّ [ جملة قصيرة مكررة في الموسيقى الشعبية والجاز ] مهم عن الحماقة. مسوِّغه هو بودلير: (( كل الرجال العظام هم حمقى؛ كل الرجال النموذجيين الذين يمثلون، أو الرجال الذين يمثلون الدهماء. إنها عقوبة منزلة من الرب. )) يتابع روبرتو كالاسو طريقه، طاهرا. " لافولي بودلير " هو كتاب ساحر.

عن صحيفة الغارديان